"اللعب على الحبلين" .. عندما صوتت تركيا ضد الاستقلال الجزائري

"اللعب على الحبلين" .. عندما صوتت تركيا ضد الاستقلال الجزائري

أواخر يناير من سنة 1957 قام عدنان مندريس، رئيس الوزراء التركي، بزيارة رسمية للمملكة الليبية، زار خلالها الملك إدريس السنوسي بطبرق، واستقبل بحفاوة بكل من طرابلس وبنغازي، ثم درنة، حيث التقى مصطفى بن حليم، رئيس الوزراء في الحكومة الليبية في عهد الملك إدريس الأول، والأخير قبل أن ينقلب القذافي على الحكم، ويستبدل الملكية بالجمهورية ويحكم ليبيا إلى أن تم قتله من طرف ثوار من شعبه سنة 2011.

مصطفى بن حليم، رئيس وزراء ليبيا الذي استقال من منصبه في يونيو 1957، واحتفظ به الملك إدريس كمستشار له بنفس راتب رئيس الحكومة، في مذكراته التي عنونها بـ"صفحات مطوية من تاريخ ليبيا السياسي"، والتي تحدث فيها عن تجربته في حكم ليبيا في عهد الملكية وتجربة اكتشاف البترول والوضع في البلاد قبل مجيء القذافي واللجان الشعبية، يحكي عن هذا اليوم الذي زاره فيه عدنان مندريس بقوله: "في طريق عودته استضفته في بلدتي ودائرتي الانتخابية درنة، ومساء ذلك اليوم خلوت به بعدما رجوت مرافقينا أن يتركونا لنمضي سهرة ثنائية على انفراد".

دور الأتراك

يستطرد بن حليم: "بدأت حديثي معه بذكر لمحة تاريخية عن دور الأتراك العظيم في نشر الإسلام وزعامتهم للأمة الإسلامية عبر قرون عديدة من التاريخ الإسلامي المجيد، وشددت على روابط الدين التي تربط الأتراك ببقية الأمة الإسلامية، وعلى أن لتركيا دورها الإسلامي العظيم رغم دعاوى العلمانية".

مندريس، الذي حكم تركيا بين 1950 و1960، يعتبر أول رئيس وزراء دولة إسلامية يقيم علاقات مع إسرائيل، ذلك أنه بمجرد تقلده رئاسة الحكومة التركية لشهر واحد تقريبا دشن علاقات دبلوماسية مع إسرائيل بتعيين سيف الله إسين سفيرا لتركيا في تل أبيب، وزار المملكة الليبية والتقى الملك ومجموعة من الشخصيات الليبية، من بينها مصطفى بن حليم، الذي يحكي عن هذه الزيارة التاريخية التي تشبه كثيرا زيارة أردوڭان للمنطقة هذه الأيام، فيقول: "شرحت لمندريس مدى الظلم والقتل والتشريد الذي يعاني منه شعب الجزائر المجاهد ومحاولات فرنسا قمع ثورته الإسلامية وتنصيره وفرنسته".

طلب مساعدة

وزاد بن حليم، الذي تقلد حقيبة الأشغال العامة والمواصلات، ثم رئيسا للحكومة الليبية، أنه في ذلك اللقاء طلب من رئيس الوزراء التركي (الذي تم إعدامه ثلاث سنوات بعد هذه الزيارة) مساعدة عسكرية للجزائريين، إذ كتب: "آمل أملا قويا أن تمد تركيا الشقيقة المسلمة يد المساعدة لشعب الجزائر المجاهد في محنته الراهنة".

وأضاف بن حليم نقلا عن مندريس أن "تركيا بذلت الكثير من المساعي السرية الحميدة لدى حكومة باريس، موصية وناصحة بأن مشكلة الجزائر لن تحل بالقوة والقمع، بل بحلول سياسية وتفاوض مع ممثلي سكان البلد"، وزاد: "قلت لمندريس إن مساعدة شعب الجزائر تتطلب أكثر من المساعي الحميدة، فهي في حاجة إلى المال والسلاح".

ويستطرد بن حليم في كتابه الموسوم بـ"صفحات مطوية من تاريخ ليبيا السياسي"، الذي نشره سنة 1992 بالقاهرة، بأن الوزير التركي اضطرب عندما سمع كلمة سلاح، وهو "البشوش الذي لا تفارق الابتسامة شفتيه إلا قليلا"، شارحا للمسؤول الليبي أن تركيا عضو في حلف الأطلسي رفقة فرنسا، ولا يمكن أن تغامر بتقديم سلاحها لمواجهة حليف مهم مثل فرنسا.

مع ذلك فإن المسؤول الليبي حسب ما كتبه في مذكراته لم يستسلم وظل يحاول إقناع المسؤول التركي بضرورة "أن تمد تركيا يد العون المادي للجزائريين الذين تقتلهم قوات فرنسا وتشردهم وتعذبهم". إلا أن عدنان مندريس كرر أمام الوزير الليبي أن إقدام تركيا على فعل مثل هذا سوف يتسبب في طردها من حلف الأطلسي، وهو الحلف الذي تعول عليه كثيرا وتستقوي به أمام الروس وخطرهم في تلك الفترة من التاريخ.

خطة سرية!

ويواصل المسؤول الليبي الذي غادر ليبيا قبل الانقلاب، ونال بعدها الجنسية السعودية، سرد ما دار بينه وبين رئيس الوزراء التركي سنة 1957، فيقول: "كنت أشعر بأن مخاوف مندريس هي في الواقع مخاوف حقيقية، فهدأت من روعه وقلت إن الثورة الجزائرية في أشد الحاجة إلى أنواع كثيرة من الأسلحة الحديثة، وهي متوفرة لديكم، فإذا أعطيتكم كشفا مفصلا بهذه الأسلحة وأهديتموها أنتم إلى شقيقتكم ليبيا فليس في هذا ما يثير أي شك لدى فرنسا"، مضيفا: "سنقوم نحن بتسريب ذلك السلاح إلى الإخوان الجزائريين تدريجيا، وأعدكم بألا يعلم هذا السر إلا عدد قليل من أفراد القيادة العليا بالجزائر".

وإن كان الوزير التركي عدنان مندريس يعرف أن فرنسا ليست بهذا الغباء الذي يتصوره الوزير الليبي، ذلك أن ارتفاع القدرات العسكرية للمقاومة الجزائرية بُعيد تلقي الحكومة الليبية للهدايا التركية سوف يتم ربطه مباشرة بتسرب تلك الأسلحة التركية نحو الأراضي الجزائرية، وهو ما سيدفع فرنسا للكشف عن نوعية الأسلحة ومن ثم يتم التعرف على مصدرها بسهولة، وهو ما سيبب مشكلة لتركيا، كما يتخوف من ذلك المسؤول التركي؛ مع ذلك فإن مصطفى بن حليم، حسب ما كتبه في مذكراته، استطاع إقناع الوزير الأول التركي بأن الحكومة الليبية تستطيع "قطع الصلة بين الهدية التي سوف تقدمها تركيا لليبيا، وبين ما تم تسريبه للثورة الجزائرية، وذلك بأن يحتفظ ببعض تلك المعدات للاستعمال للجيش الليبي، ويكون تسريب الأسلحة للجزائر بحذر شديد".

تركيا واللعب على الحبلين

صرح بن حليم في هذا الفصل الذي خصصه لهذه القضية بأنه طمأن نظيره التركي بأن الأمر لن ينكشف، وإذا انكشف فالأتراك ليسوا مسؤولين، موردا: "استعرضت ماضي تركيا في الذود عن الإسلام وإعلاء كلمته، ومزجت السياسة بالعاطفة الدينية إلى أن اقتنع مندريس، وبعد أسابيع قليلة وصلت هدية السلاح التركي واستلمها الجيش الليبي في احتفال عسكري ثم بدأ تدريجيا تسريبها إلى الثوار في الجزائر".

ومع كل ما سرده مصطفى بن حليم من أن مندريس كان له دور في إدخال بعض الأسلحة لدعم الثورة الجزائرية فإن تركيا في عهد عدنان مندريس نفسه صوتت ضد استقلال الجزائر عن فرنسا، ووقفت في الفترة نفسها ضد لائحة أممية تطالب فرنسا بالاعتراف باستقلال الجزائر. بل إن مندريس نفسه وصف في الفترة نفسها الثورة الجزائرية بأنها "تمرد وشأن داخلي فرنسي".