عندما طالب المقيم العام ليوطي بجمع معلومات عن أمازيغ المغرب

عندما طالب المقيم العام ليوطي بجمع معلومات عن أمازيغ المغرب

كثيرون هم الأجانب الذين كتبوا عن ساكنة المغرب قبل احتلاله من قبل فرنسا، سيما الرحالة الذين مروا بهذا البلد نحو وجهة ما، أو قضوا فيه فترة طويلة، يدونون ملاحظاتهم وما صادفوه من أحداث، ولما يعودون إلى بلدانهم يحبرون كل تلك التدوينات في كتب تلقى رواجا كبيرا لما في هذه المذكرات من غرائبية ومناظر وأحداث غير مألوفة بالنسبة إلى الأوروبي في ذلك الوقت.

وليس كل الرحالين ينجحون في مسعاهم والعودة بسلام، فكثير منهم يتم أسره مثل دو سيكونزاك عندما حاول الوصول إلى واد نون، وكذلك الضابط ماجور سبيستبيرو. وكثير من ملتقطي المعلومات من الرحالة يفعلون ذلك متنكرين أو يحتاجون إلى زطاطين يسلكون بهم الأماكن الخطرة دون مشاكل.

وإذا كان عدد من الرحالة يكتبون عن المغرب من تلقاء أنفسهم، فهناك حقبة بدأت فيها الكتابة العلمية عن المغرب وساكنته بغرض معرفة هذا الشعب والبلد معرفة مضبوطة، وما سوف يترتب عن ذلك من نفع بالنسبة إلى المستعمر.

استمارة ليوطي

بدأت فرنسا قبل الحماية بجمع معلومات عن المغرب والمغاربة من خلال "لجنة المغرب" بباريس والبعثة العلمية لطنجة وغير ذلك، ففي العدد الأول من مجلة "Les Archives Berbères"، التي كانت تصدرها "لجنة الدراسات الأمازيغية" (أو البربرية) تحت إدارة الإقامة العامة الفرنسية، أصدر هوبير ليوطي، المقيم العام الأول الفرنسي بالمغرب، قرارا يوم 9 يناير 1915 لتركيز الدراسات المنجزة في مختلف الجهات على الساكنة الأمازيغية، عبر تكليف ضباط الشؤون الأهلية بجمع معلومات دقيقة عن هاته الساكنة.

وقد تضمنت هذه الاستمارة أزيد من 160 سؤالا وجهت إلى ضباط الشؤون الأهلية في كل التراب المغربي كي يقدموا أجوبة دقيقة عنها. وتنوعت هذه الأسئلة بدءا بطريقة اختيار الزوجة، ومدى إمكانية تدخل الأهل في القرار، وسلطتها في البيت، وظروف طلاقها، مرورا بتحديد كيفية تسيير كل قبيلة من مجالس وأخماس و"أمغار"، وغير ذلك من الأسئلة المرتبطة بتسيير الشؤون اليومية في كل قبيلة، وظروف سكن الأمازيغ، ومجال كل قبيلة، وحدود انتجاعها.

كما تضمنت هذه الاستمارة أسئلة دقيقة حول وسائل العيش من فلاحة وتجارة، وحول الحيز المخصص للأشجار وأنواعها، وتربية المواشي وأعدادها، وأسئلة عن الملكية العقارية للأفراد والجماعات، ونزع الملكية، وإرث الإناث وغير ذلك.

الوثيقة التي عممها ليوطي لم تهمل القوانين المعمول بها في كل منطقة، وأعراف تسيير البلدات والقرى، وإن كان هناك اهتمام بتعاليم القرآن أم لا، وإن كانت هذه القوانين والأعراف مكتوبة أم فقط شفهية. كما تضمنت أيضا أسئلة عن ظروف الحرب وظروف تشكيل الاتحادات واللفوف بين القبائل، وكذا شروط إعلان الجهاد، وكيفية توزيع الغنائم، وشروط الاستسلام، وكل ما له علاقة بحياة الحرب في هذه البلاد.

وقد أعطت الاستمارة حيزا مهما للتدين عند المغاربة، لمعرفة زواياهم وفقهائهم، وأصول هؤلاء الفقهاء، ومقدار التدين ومدى تشدده أو سطحيته، ودور الشرفاء والمرابطين والزوايا والزيارات، وغير ذلك من الأسئلة، التي لا شك أن الإجابة عنها بشكل دقيق من طرف المكلفين بذلك وفر للفرنسيين قاعدة بيانات مهمة عن المجتمع الأمازيغي في ذلك الوقت.

بويعقوبي: دراسة قبل إخضاع

وقال الحسين بويعقوبي، في تصريح لهسبريس الإلكترونية، إن "الاستمارة حول المجتمعات الأمازيغية، التي أشرف عليها المقيم العام الفرنسي الجنرال ليوطي، تعكس ارتباط المعرفة في السياق الكولونيالي بالرغبة في تحقيق السيطرة الاستعمارية".

وأوضح أستاذ الأنثروبولوجيا بجامعة ابن زهر أن ليوطي بهذه الاستمارة عن المجتمع الأمازيغي بالمغرب "سار على نهج الإدارة الفرنسية منذ حملة نابوليون على مصر ومرافقة 169 باحثا له لدراسة المجتمع، مما نتج عنه تأسيس معهد مصر الذي نشر كتاب "وصف مصر"".

وأضاف بويعقوبي أن "الشيء نفسه قامت به فرنسا في تونس بعد سنة 1881، وفي الجزائر ابتداء من 1840 حين بدأت الاستكشاف العلمي للجزائر، ثم سارت على النهج نفسه بالمغرب منذ تأسيس البعثة العلمية لطنجة سنة 1903، قبل أن تقرر تأسيس معهد الدراسات المغربية العليا سنة 1924".

وخلص بويعقوبي إلى أن "استمارة ليوطي الموجهة إلى مكاتب الشؤون الأهلية دليل على تفطن الإدارة الفرنسية منذ 1915 لأهمية القبائل الأمازيغية، وما ستشكله من مقاومة للمشروع الكولونيالي الفرنسي بالمغرب، لذلك كان لا بد من دراستها قبل إخضاعها".