عندما حوّلت الحرب "أكادير الكبير" إلى "مستنقع" للمحتل البرتغالي

عندما حوّلت الحرب "أكادير الكبير" إلى "مستنقع" للمحتل البرتغالي

"المغرب مستنقع المحتل"؛ هكذا عنون الباحث مبارك فوقص كتابه الصادر حديثا عن دار الأمان بالرباط، الذي تناول فيه تصفية الاحتلال البرتغالي بحصن سانتاكروز (أكادير) وأحوازه في النصف الأول من القرن السادس عشر.

ففي سنة 1505 نزل البرتغالي لوپيز دوشاكيرا بموقع أكادير وشيد حصنا خشبيا سماه فونتي، وهو أمر لم تتقبله ساكنة المنطقة التي قررت مقاومة المحتل البرتغالي الذي بدأ يتوسع في المنطقة بإنشاء حصن آخر في منطقة إموران، واستيلائه على المرافئ القريبة لنواحي أكادير الحالية.

تفوق برتغالي

لم يكن للهجوم الذي قاده فرسان من قبيلة مسڭينة سنة 1506 على البرتغاليين الرابضين في "أكادير لعربا" أي تأثير، فالقصف المدفعي البرتغالي كان قويا، وقد مزقت القذائف أجساد المقاومين الذين لم يكونوا يعرفون قوة المحتل الذي حصن موقع فونتي بمواد أكثر صلابة وقذائف تمزق الأجساد؛ ذلك أن لوبير دو شاكيرا، بحسب المصادر التاريخية التي اعتمد عليها الباحث مبارك فوقص، اختار مكانا استراتيجيا لبناء حصنه لتسهيل المراقبة والدفاع، وليكون مرسى الشاطئ وسيلة لضمان التموين لمواجهة أي حصار محتمل، كما زود الأبراج السبعة ذات الشكل الأسطواني بمدافع مختلفة، وساعده على النصر أيضا تشييده لبرج بتمراغت (ما تزال حاليا بعض أطلاله بمنطقة إموران شمال أكادير)، لمراقبة القوافل السودانية التي تعبر سواء نحو بلاد السودان أو نحو مراسي البحر المتوسط.

انتظرت القبائل المغربية الساكنة بمختلف أحواز سانتاكروز شهورا أخرى للتسلح والاستعداد أكثر لمواجهة المحتل البرتغالي الذي يقوده دو شاكيرا بأكادير الحالية؛ إذ يورد الكتاب أن المولى محمد بن عبد الرحمان القائم بأمر الله قاد هجوما تعداده خمسمئة فارس سنة 1511، لكن النتيجة كانت لصالح البرتغال، ولم يصمد المقاومون أمام القصف المدفعي القوي للبرتغاليين، لتتكبد الحملة المغربية الهزيمة.

هذه الهزيمة لم تثن "أجداد السوسيين" عن استئناف الهجوم سنة 1512 بجيش قدر بـ3000 رجل لطرد البرتغاليين من "أكادير لعربا" التي يقال إنها كانت معروفة بسوق أسبوعي ينظم يوم الأربعاء، لكن المولى عبد الرحمان مُني بهزيمة أخرى فقد إثرها 80 رجلا في المعركة.

كان البرتغاليون أقل عددا لكن أكثر تنظيما وتسلحا، فالمصدر نفسه يتحدث عن كونهم لا يتجاوزون 1400 رجل. مع ذلك، فإن هذه الهجمات المتتالية على حصن فونتي دفعت بالقائد البرتغالي لوبيز دو شاكيرا إلى طلب إعفائه من ملك البرتغال دوم إمانويل سنة 1513، فتم تعويضه بقائد اسمه فرناندو دو كاسترو.

تصفية قايد ماسة

لكل محتل متعاونون من الساكنة المحلية، مثلما نصبت فرنسا قوادا يسهرون على مصالحها بداية الحماية، فقد كان للبرتغاليين أيضا قواد في كل الأحواز القريبة من سانتاكروز/ أكادير.

يقول الباحث نفسه في كتابه "مستنقع المحتل" إنه بداية سنة 1525 تمت تصفية قايد ماسة، مالك بن داوود الجيراري، في معركة دارت بين رجاله المتعاونين مع البرتغال وفرسان قبيلتي تمراغت وأزرو في سهل أنزا.

وأضاف نقلا عن "المجهول البرتغالي" أن رجال مالك بن داوود هاجموا ساكنة تمرغت شمال أكادير لكن هجومهم قوبل بالتصدي الشرس من طرف أهل تماراغت وأزرو المتحالفين، فأمر قايد ماسة بقرع الأجراس ليستفيد من تعزيزات البرتغال، وقدمت التعزيزات، لكن عندما تأكد المقاومون أنها لا تشمل المدفعيات الثقيلة، واجهوا المهاجمين بعزيمة إلى أن فر منهم من بقي حيا، وعُثر على مالك بن داوود مقتولا في ضفة مسيل مائي وكان ذلك يوم 26 يناير 1525. ثم تلته، بحسب الكتاب دائما، مؤامرات اغتيال كثيرة للقادة البرتغاليين، الأمر الذي بدأ يغير موازين القوة شيئا فشيئا.

مسلسل الاغتيالات

يتحدث كتاب "المغرب مستنقع المحتل" عن توالي اغتيالات القادة البرتغاليين مباشرة بعد نجاح تصفية القايد مالك بن داوود، وقد نقل الباحث عن مصادر تاريخية برتغالية أن رجلا اسمه أسويا قدم إلى حصن سانتاكروز رفقة امرأة حسناء قدمها على أنها زوجته، مستنجدا بالبرتغاليين من بطش الشريف السعدي، وقد نزل هو وزوجته الجميلة تلك في ضيافة الحاكم البرتغالي أنطونيو ليتاو دو كامبوا، فافتتن بها واستدرجها لتقضي معه ليلة في سريره بعد أن استوصى خيرا بزوجها أسويا أو عيسى.

لكنها انسلت من غرفة الحاكم بعد أن تأكدت من نومه، ودعت مرافقها الذي ولج بيت نوم دوكامبوا ووجه إليه خمس طعنات بواسطة خنجر الكومية، ليغادرا المكان بعد نجاح عملية التصفية تلك، التي تلتها عمليات أخرى نجح بعضها وفشل بعضها الآخر. كما سرد الكاتب العديد من الأحداث والمعارك التي خاضتها الساكنة والسعديون ضد البرتغاليين، موضحا في تسلسل زمني دقيق هذه المواجهات والقادة الذين ترأسوها إلى أن حسم المغاربة في التواجد البرتغالي.

نهاية التواجُد البرتغالي بأكادير

انتهت هذه الحرب ظُهر يوم السبت 12 مارس 1541، بعد هلاك 7 آلاف وثماني مئة مقاتل من الجيش السعدي، وهلاك ألف فرد من البرتغاليين، وما تزال آثار مقابر المقاتلين السعديين قرب المدرسة العتيقة "تيمزكيدا وكرض" بمسڭينة شرق مدينة أكادير.

وبحسب الكتاب نفسه، فما أن وضعت الحرب أوزارها بثلاثة أيام ودفن الموتى، حتى تم اقتياد الأسرى البرتغاليين، ذكورا وإناثا، نحو تارودانت، وبيع من كان قادرا على العمل في مزارع السكر في انتظار افتدائهم من طرف ذويهم، أما القائد البرتغالي دوم كيتر دو مونري، فقد اشتغل بستانيا في قصر محمد الشيخ السعدي، الذي تزوج ابنته دونا ميسيا، فيما تم توزيع عدد من الإناث والذكور على الأعيان والقادة السعديين في انتظار افتدائهم بالمال الوفير من طرف الجمعيات الكاثوليكية البرتغالية أو غيرها.

ست سنوات من البحث

وقال مبارك فوقص في تصريح لهسبريس إن جمع مادة هذا الكتاب الذي صدر الشهر الماضي كلفه ست سنوات من العمل البحثي الميداني والتاريخي، وذلك لتسليط الضوء على التاريخ الحافل لأكادير الذي لا يعرف عنه كثير من الناس سوى زلزال 1960، وكأن أكادير ليس لها تاريخ، في الوقت الذي وقعت أحداث عظيمة سواء في أنزا أو سانتاكروز وبقية أحوازه.

وعن اختياره لكلمة "المستنقع"، أوضح المتحدث أن المواطنين المغاربة لا يتساهلون مع المحتل، وأن المغرب كان دائما وما يزال ممرا ومعبرا للأجانب، وقد تعرض لاحتلال دول كثيرة، لكن المغاربة كانوا دوما يكبدون المحتل خسائر جسيمة، فالبرتغاليون غرقوا في هذا المستنقع، والإسبان والفرنسيون وغيرهم، وحتى العرب عند دخولهم إلى المغرب عانوا الويلات، ولم يرضخ المغاربة للفتح الإسلامي إلا مع تغير سياسة الفاتحين مع موسى بن نصير وحسان بن النعمان.

يقع كتاب مبارك فوقص "المغرب مستنقع المحتل.. تصفية الاحتلال البرتغالي بحصن سانتاكروز وأحوازه بين 1505 و1541" في 174 صفحة من الحجم الكبير، تناول فيه جوانب كثيرة للأحواز المحيطة بأكادير الحالية في النصف الأول من القرن 16، وهو غني بالمعلومات عن الجانب الديموغرافي وأماكن الاستقرار البشري، وسنوات الجفاف والمجاعات والخصب بهذه المناطق، ومؤهلات الكسب والأوضاع في غرب حوض البحر المتوسط، ومختلف الأحداث التاريخية التي عرفها مجال "أكادير الكبير" خلال هذه الفترة، كما تضمن الكتاب اجتهادا عن هوية مؤلف "البرتغالي المجهول"، وملحقا خاصا بوثائق ظهائر التوقير والاحترام، وعقود بيع عقارات.