عندما سحق أمازيغ الأطلس قوات الجيش الفرنسي في معركة الهري

عندما سحق أمازيغ الأطلس قوات الجيش الفرنسي في معركة الهري

في مرات كثيرة تكون لعدم الامتثال لأوامر الرؤساء في المعارك عواقب وخيمة؛ قد يكلف الأمر أحيانا 33 قتيلا من الضباط الفرنسيين، و580 قتيلا من الجنود، و176 جريحا.. ذلكم ما حدث في معركة الهري التي انتصر فيها المغاربة بقيادة موحى وحمو الزياني على الجيش الفرنسي يوم 13 نونبر 1914.

تعتبر هذه المعركة الخالدة من البطولات التي سطرها المغاربة بمداد من فخر، إلى جانب أنوال وبوڭافر وغيرها. وكان من الممكن ألا تُسجل هذه المعركة في التاريخ المشرق لأمازيغ الأطلس لو طبّق رئيس ثكنة خنيفرة الكولونيل لاڤيردير أمر ليوطي بالحرف، عندما أمرهم: "لا هجوم ولا إطلاق نار إلا لصد عدوان ودون ذلك آمركم ألا تخرجوا من الثكنات نهائيا".

السياق العام للمعركة

تزامنت معركة الهري مع الأشهر الأولى لبداية الحرب العالمية الأولى التي بدأت في غشت 1914، حيث نجحت فرنسا للتو في احتلال تازة المغربية شهر ماي من السنة نفسها، وأخضعت مدينة خنيفرة في يونيو من السنة نفسها أيضا، فضمنت على الأقل طريقا من وإلى الجزائر.

إلا أن مستجد الحرب العالمية الأولى جعل الحكومة الفرنسية تتخذ قرار عدم الدخول في أي حرب مع المقاومين المغاربة، مع الاحتفاظ بما تم احتلاله. واتجهت السياسة الفرنسية في تلك السنة إلى تركيز الجهود على السواحل. وقتئذ وعد الماريشال ليوطي الحكومة الفرنسية بإرسال فيالق عسكرية من المغرب للقتال في الجانب الفرنسي، على أن يحافظ هو في المغرب على ما تم إخضاعه من مدن وقرى.

قصة معركة الهري

تنفيذا للسياسة الفرنسية في المغرب بعد إخضاع كل من تازة وخنيفرة أصدر الماريشال ليوطي أمره إلى جميع الثكنات العسكرية الفرنسية بمنع خروج العسكر من الثكنات الفرنسية، وأن فرنسا حاليا لا يجب تدخل في أي حرب مع أحد؛ كل ما يمكن القيام به هو الدفاع عما تم إخضاعه فقط دون البحث عن أماكن جديدة لإهدار الجهد والسلاح والرجال.

ويقول مصطفى قادري، أستاذ التاريخ المعاصر بجامعة محمد الخامس: "في أكتوبر 1914 قام ليوطي بزيارة ثكنة خنيفرة بعد خمسة أشهر من احتلال هذه المدينة، وأمر الكولونيل لافيردير بقرار المنع الكلي من مغادرة الثكنة أو مهاجمة أحد، ومن إطلاق النار على أي شخص إلا في حالة التعرض لهجوم يمثل خطرا محدقا".

ويضيف قاديري في تصريحه لهسبريس الإلكترونية: "كان وقتها 1800 عسكري في ثكنة خنيفرة، وبعد شهر تقريبا توصل الكولونيل قائد الثكنة بأن موحى أوحمو الزياني شيد خيامه في منطقة الهري، عشر كيلومترات تقريبا عن خنيفرة؛ فاتخذ الكولونيل لافيردير قرارا بمهاجمة موحى وحمو ورفاقه، رغم أن ضابط استعلامات اسمه رانك برانكاز حذره من ذلك، مذكرا إياه بمعركة سابقة وقعت بمنطقة مر أمان في يونيو 1913، انتصر فيها القايد موحى وسعيد بالقصيبة على الجيش الفرنسي".

يوم نحس فرنسي

ويواصل قادري، وهو الجامعي المتخصص في التاريخ المعاصر، سرد قصة هذه المعركة بقوله: "لم يأخذ الكولونيل رأي ضابط الاستعلامات مأخذ الجد، بل أمره أن يرافقهم إلى ساحة الوغى. أخذ الكولونيل معه 1200 جندي، ولم يترك في الثكنة سوى 600 فقط، واستطاع فعلا أن يهجم على مخيم موحى وحمو وينتصر عليه للوهلة الأولى".

كان ذلك يوم الجمعة 13 نونبر، إذ تذكر بعض المصادر التاريخية أن القوات الفرنسية استطاعت أن تأسر زوجتي موحى وحمو الزياني في هذا الهجوم المباغت الذي خالف فيه رئيس ثكنة خنيفرة أوامر المريشال ليوطي، وتوجهات الحكومة الفرنسية، كانتقام من موحى وحمو وحليفه موحى وسعيد، وهما قائدان أمازيغيان مخزنيان قديمان، لكنهما لم يرضخا للحكم الفرنسي مثلما فعل غيرهما كالڭلاوي وغيره.

لكن ذلك النصر المؤقت لم يدم سوى بعض السويعات فقط، إذ يستطرد صاحب كتاب "وطنية باحتقار الذات": "انتشر خبر الهجوم الفرنسي على مخيم موحى وحمو وسبي نسائه فهبت قبائل أيت إسحاق وإشقيرن وكذلك أبناء موحى وحمو نفسه، الذين كانوا غير بعيد عن مكان المعركة، فتم تطويق الجيش الفرنسي من جميع الجوانب، وقتل الكولونيل لافيردير نفسه إضافة إلى 800 ضحية من الفرنسيين بين قتيل وجريح، وغنم الخنيفريون وقتها أسلحة كثيرة".

لماذا اشتهرت بعض المعارك؟

إبان فترة الاستعمار خاض المغاربة آلاف المعارك ضد فرنسا وإسبانيا، لكن بعضها حظيت بشهرة واسعة وأخرى بقيت طي النسيان وطمرت مياه الأمطار قبور المقاومين الذين شاركوا فيها دون أن يأتي لهم ذكر في كتب التاريخ؛ ففي الأطلس مثلا قبل معركة الهري وقعت معركة "مر أمان" بالقصيبة، وكبد فيها موحى وسعيد هزيمة نكراء لفرنسا. لكن صيت "الهري" أشهر من "مر أمان".. إلا أن مصطفى قادري، أستاذ التاريخ المعاصر، يفسر هذا الأمر في حديثه لهسبريس بـ"وصول المعركة من عدمه إلى الصحافة الفرنسية في ذلك الوقت".

ويردف المتحدث نفسه: "فرنسا في ذلك الوقت كانت مشاركة في الحرب العالمية الأولى، وأسوأ ما كانت تحتاجه هو هزيمة على أرض مغربية.. كتبت الصحف عن الهري وقتها، ووصل الأمر إلى ألمانيا التي استغلت الوضع"، ثم يزيد: "بعد الهري حاولت ألمانيا دعم المقاومين المغاربة، كما حاول العثمانيون دعمهم أيضا بفضل انتصار موحى وحمو، رغم أنه ميدانيا لم يحقق المقاومون أي امتيازات، فقد انتظر الفرنسيون ليومين ليأتيهم المدد، وجاءهم قرابة 30 ألف جندي فرنسي من ثكنة أزرو، وثكنة تادلا، ليتم تطويق خنيفرة ويبدأ التفاوض".

تأثير معركة الهري

كثيرون يعتقدون أن لمعركة الهري ذلك الوقع المحلي الذي لا يتجاوز منطقة خنيفرة فقط أو المغرب على أبعد تقدير من المتفائلين كثيرا، وأنه ما إن وضعت الحرب أوزارها وأحصى المنهزمون قتلاهم حتى انتهي الأمر مثل الكثير من المعارك، إلا أن مصطفى قادري، أستاذ التاريخ المعاصر، له رأي آخر، إذ يؤكد أنه "مباشرة بعد الهري، حاولت ألمانيا دعم المقاومة المغربية، وكان السلطان عبد الحفيظ في إسبانيا وسيطا بين ألمانيا والعثمانيين والمقاومين المغاربة في الداخل، مثل موحى وحمو الزياني، وموحى وسعيد، والهيبة".

وزاد المتحدث نفسه: "كما أن فرنسا أرسلت وقتها قبطانا نحو تيزنيت بهدف التجسس ومعرفة تحركات الألمان وأنشطتهم في دعم المقاومة. وكرد على هذا الدعم الألماني، قامت بريطانيا وفرنسا بإشعال الثورة العربية في الحجاز ضد العثمانيين"، ثم يردف: "لقد أرسلت فرنسا 1000 عسكري لدعم الثورة ضد العثمانيين نكاية في دعمهم للمقاومين ضد فرنسا في منطقة المغرب الكبير، خاصة بعد معركة الهري".

مضت 105 سنة على معركة الهري التاريخية، التي أبلى فيها المغاربة بلاء حسنا، واستطاعوا قتل الكولونيل الذي لم يسمع كلام رئيسه، حتى إن الماريشال ليوطي قال بعد التحقيقات التي تلت المعركة إنه حتى ولو افترضنا أن لافيردير نجح في معركته ضد موحى وحمو وعاد منها حيا، كان سيحاكم عسكريا لعدم طاعته الأوامر.