عندما حذر علال الفاسي من تسبب التكوين المهني في ضرب القيم

عندما حذر علال الفاسي من تسبب التكوين المهني في ضرب القيم

رغم تأكيد الكاتب والسياسي الراحل علال الفاسي أنّ كَسْبَ الرِّزق لا يمكن أن يُهمَلَ في الاعتبار التّربويّ، لأن تعليم النّاس حرفة أو مهنة يستطيعون بها مغالبَةَ الحياةِ وسدّ حاجَتِها أمر ضروريُّ التّقدير، إلا أنّه يؤكّد على عدم معقولية "أن يكون هدفا كاملا للتّربية؛ لأننا لو جعلنا المثَل الأعلى للمدرسة وللبيت هو تكوين أناسٍ قادرِين على الكَسْبِ، لقضينا على كلّ القِيَم المعنَويّة في النّفوس وفي المجتمع".

ويرى علال الفاسي في كتابه "النّقد الذاتي" أن جعل تعليم الحرفة أو المهنة هدفا كاملا للتّربية ستصبح معه "غاية الجميع هي جمع بعض المال بوسيلة من الوسائل ولو كانت ممنوعة أو دنيئة"؛ زيادة على أنّ ذلك "يمنَع الطّلبَة من الاستمرار في الدّراسة، وبالأخصّ في دراسة العلوم الصّعبة، التي لا تأتي بربح كبير، مثل: الجغرافيا والتاريخ، ويدفعهم، طبعا، إلى الاكتفاء بالضّرب على المِرقمة أو إمساك الدّفاتر، أو بعض الصّناعات البسيطة المستعجلة".

وتأسّف علال الفاسي لاندفاع بعض الشّباب المغربي بهذه الفكرة التي غرسها بعض الآباء في أبنائهم، مؤيَّدين من طرف بعض الموظَّفين المغرِضين، ما يدفعهم إلى "اختصار دراستهم، والاكتفاء بالرِّبحِ العاجل، الذي لا يفيدهم غير القليل من متاع الحياة"؛ ومع تأكيده على أنه "لا ينبغي إهمال أمرِ المستقبَل"، يؤكّد أيضا أنه "لا ينبغي أن يملكَ على الشّباب كلّ تفكيرهِم، بل عليهم أن يَثِقوا بأنّ العِلمَ المصحوب بالعقيدة والخُلق المتين خير ضمانٍ لكلّ ما يسعى إليه الإنسان".

ويكتب الفَقِيهُ المتخرّج من جامعة القرويين أن التربية يجب أن تكون تابعة لرغبات الأمّة في العصر الذي تعيش فيه، حتى ولو أدّت إلى التضحيةِ بالكثير من الأمور التقليدية المحترمة عندها، مضيفا في موقع آخر من كتابه "النّقد الذاتي" أن "التّعليم والتّهذيب أمران نسبيان يختلفان حسب العصور والأمكنة"، ولذلك "لو جعلناهُما الهدف الأوحَد لوقفنا دون الغاية السّامية من التّربية".

كما تطرّق علال الفاسي إلى موضوع لغات التّدريس، منبّها إلى "خطر ضياع اللغة القومية التي هي إحدى مقوِّمات الأمّة الأساسية ومميّزاتِها"، مضيفا أن "الأمّة التي تتعلّم كلُّها بلغة غير لغتِها لا يمكن أن تفكِّرَ إلا بفكرٍ أجنبي عنها"، قبل أن يزيد: "لغة التّعليم في المغرب يجب أن تكون واحدة، ويجب أن تكون هي اللغة العربية؛ فإذا أخذت لغتُنا مركزَها من كل المدارس، لم يعد علينا بأسٌ بعد ذلك إذا أضَفنا لها لغة أو لغات حيّة، تفتح لنا آفاق الاتصال بالعالم الغربي، الذي نتطلّع إلى الاقتباس من تجاربه وفلسفاته".

ويؤكّد الفاسي أنّه "لا توجَد أمّة على وجهِ الأرض تضَحّي بلغتها التي هي عنوان وجودِها وتنتحل لغة أخرى، ولو بلغت ما بلغت من الحيوية ومِن السّموّ، إلا إذا كان ذلك عن طريق القوّة، والاضطهاد غير المقبولين"، ثم أجمل قائلا: "إن أهمّ خطوة في سبيل إصلاح التّعليم هو جعلُه بلغة واحدة، هي لغة البلاد. ذلك هو الهدف القوميُّ الذي يجب أن يسعى له الجميع".

ويشدّد علال الفاسي على أنّ "قضية التّعليم قضيّة حياة أو موت؛ لأن كلّ ما نُريده للأمّة من رفاهية وأمن وحرّيّة لا يمكن أن يتمّ إلا إذا أعدّته لنفسها بنفسها"، ويزيد موضّحا أن هذا "ما لا يتيسّر لها إذا بقِيَت في هذه الحالة؛ يحيط بها الجهل، ويعوقها عن الاستفادة من خيرات الوطن، ومن موهبة الفكر التي هي ميزة الإنسان".

ويذكر الكاتب في نقدِه الذّاتي أنّ أوّل ما تتحمّله الحكومة العصريّة هو ما يرجع إلى تعليم الشّعب وإعداد أفراده، ليكونوا مواطنين صالِحين للقيام بواجبهم نحو أنفسهم، ونحو الوطن الذي إليه ينتسبون، ويضيف: "الحكومة التي لا تُعنى بشأن المعرفة، ولا تجعلُها في متناول كلّ الطّبقات، ولا تحمل الجاهلين على أن يتعلّموا، حكومة لا قيمة لها في الاعتداد العصري، ولا تستحقّ من المواطنين أي احترام أو تقدير".