عندما طالب الحسن الثاني ''ديغول'' ببعث ألفي أستاذ إلى المغرب‬

عندما طالب الحسن الثاني ''ديغول'' ببعث ألفي أستاذ إلى المغرب‬

لمْ يكنْ في حاجة إلى تاريخ وفاة ولا إلى قبرٍ ليزوره الرّفاق والزّوارُ، ولا إلى جنازةٍ يمشي خلفها الماشونَ من الوطنِ كما الأعْداء. المهدي بن بركة، الرَّجل المسكونُ بحبّ الوطن، الطّامحُ إلى بناء دولة الحق والقانون، كانَ أستاذاً للرياضيات ودرّس الملك الرّاحل الحسن الثاني في المدرسة المولوية، فاختلفا معاً في إيجادِ حلّ لمعادلاتِ السّياسة والإصلاح الاقتصادي وشكل النّظام الأنسب في المغرب.

من الاصْطدامِ مع الملك الرّاحل الحسن الثّاني إلى التّوافق مع رفاقه في الاتحاد الوطني للقوات الشعبية على ضرورة مواجهة النّظام بُغية إصْلاحه وتقويمهِ، ثمّ بعد ذلكَ إلى مرحلة النّفي القسري خارجَ الوطن، التي ستكون محطة فاصلة في مسار "شخصية في منتهى الحيوية والذّكاء، انطلقت من جُذورها الشعبية البسيطة، وارْتمت بكل عنفوانٍ في مسار قدرها، بسرعة، وتصميم، وبجرأة وانْدفاع جعلها تذهب من ميلادها إلى لحظة الأبدية المطلقة"، كما كتبَ الأديب المغربي محمّد الأشعري، ستنقلكم جريدة هسبريس إلى عوالم "بن بركة" كما رآها وعاش تفاصيلها الكاتب الصّحافي عبد اللطيف جبرو.

سنحاولُ في هذا الجزء تتبّع النشاط الذي قام به المهدي على امتداد سنة، وهي سنة كانت حافلة بالأحداث وكان من الممكن أن تكون سنة الدخول الحقيقي في عهد الديمقراطية ودولة الحق والقانون بالمغرب، لكن خصوم الديمقراطية عمِلوا في 1962 و1963 كل ما في وسعهم لفرض نظامٍ بوليسي بالمغرب.

الجزء الثالث: بناء الدولة وتهميش المعارضة الوطنية

نالتِ الجزائرُ اسْتقلالها بعد معركة مريرة ضدّ القوّات الفرنسية. ويعتبر توقّف إطلاق النار في الجار الشّرقي من المعطيات الجديدة التي كانَ لا لها أن تؤثّرَ في العلاقات المغربية الفرنسية، بقدر ما أن هذه العلاقات ظلت جد متأثّرة بالحرب الطّاحنة التي عاشها الجار الجزائري من نونبر 1954 إلى مارس 1962.

وخلال السّنوات الأولى من استقلال المغرب سنة 1956، استمرت علاقات باريس والرباط في إطار سُمِّيَ الاستقلال داخل التّبعية، أو ما كان يُسمِّيه الفاطمي بن سليمان، وهو يحاول "عبثاً" تشكيل الحكومة الأولى قبل حكومة البكاي...التّكافل الحر. وفي إطار هذا التّكافل الحرِّ ما بين فرنسا والمغرب، كانت الرباط تتوصّلُ بمساعدة مالية سنوية تبلغ 33 مليار فرنك قديم؛ ولكن تم إلغاء المساعدة الفرنسية المالية للمغرب عقاباً له على دعم الثّورة الجزائرية.

بعد انتهاء الحرب الجزائرية، لم يعد المغرب يخفي حاجاته الحيوية لكي تعود العلاقات الفرنسية المغربية إلى سالف عهدها، أي ما سمى في وقت ما التكافل الحر؛ ولهذا الغرض أجْرى السّفير المغربي بباريس محمد الشرقاوي، حسب ما أخبرت به جريدة "لوكوتيديان"، محادثات مع الوزير الأول الفرنسي جورج بومبيدو يوم 20 أبريل 1962 ووزير الخارجية الفرنسي كوف دوميرفيل.

وقالت الجريدة الباريسية، وفقاً لما نقله الصّحافي عبد اللطيف جبرو في مذكرّاته، إن هذه "المحادثات كانت تكتسي أهمية ما، إذ أعرب ملك المغرب الحسن الثاني بواسطة سفيره بباريس عن رغبته في مقابلة رئيس الدولة الفرنسية شخصياً". ويبدو أن الجواب كان إيجابياً عن هذه الرغبة، غير أنه كان مشروطاً.

وتقول الجريدة التي تشرح الشروط الفرنسية: "لم يسبق لرئيس الجمهورية الفرنسية الحالي أن تقابلَ شخصياً مع الملك الحسن الثاني...والظّاهر أنه ليس هناك ما يمنع إجراء هذه المقابلة، فمنذ سنة وقصر الإليزيه مفتوح لاستقبال المسؤولين في إفريقيا السّوداء، وقد استقبل ديغول الحبيب بورقيبة دون تفادي النّزاع القائم بسبب بنزرت؛ فليس هناك من سبب لرفض مقابلة الحسن الثاني بصفته صديقا وهو الذي فاتح فرنسا خلال الأشهر الأخيرة أكثر مما سبق قصد مضاعفة المساعدة الفرنسية في جميع المجالات".

وتحدثت الجريدة الفرنسية عن وجود عبد الرحيم بوعبيد بباريس، مشيرة إلى قلق الحاكمين بالمغرب حُيال نشاط عناصر المعارضة المغربية التي تجد في فرنسا مساندة من لدن أوساط اليسار، وهي مساندة تقول جريدة "لوكوتيديان" إنها تعكّر صفو سماء العلاقات المغربية الفرنسية.

تواصل الجريدة تحليلها لمشروع الزيارة الملكية: "يريد الملك الحسن الثّاني أن يتحدّث حول كل هذا مع رئيس الدولة الفرنسية، وأن يتعرف في نفس الوقت على جرود بومبيدو، رئيس الحكومة الفرنسي، الذي سيعرض عليه مقابل طمأنة من العاهل المغربي، تصميماً موسّعًا للتعاون المغربي الفرنسي...كما يريد العاهل المغربي أن يسبق بهذا اللقاء الرسمي الجزائر وتونس وموريتانيا في عملية المراجعة وإقامة علاقات جديدة مع فرنسا".

في الرباط، ظلت الأوساط الرسمية تتمسك بالتكتم حول الرحلة الملكية إلى العاصمة الفرنسية، إلى أن قالت وزارة الأنباء في بلاغ قصير إن "الملك الحسن الثاني غادر الرباط مرفوقا بأحمد بلافريج، الممثل الشخصي للملك ووزير الخارجية وأحمد رضا اكديرة، المدير العام للديوان الملكي ووزير الداخلية والفلاحة". ولم يذكر البلاغ أن الأمير مولاي عبد الله كان يرافق الوفد المغربي في حين أن وكالات الأنباء قد أخبرت بذلك.

ومن التعاليق الطريفة الواردة في جريدة التحرير ليوم السبت 11 ماي أن "الأوساط السّياسية في العاصمة المغربية تعتبر أن المقابلة بين الحسن الثاني وشارل ديغول جدية كل الجد، ودليل ذلك عدم مشاركة مولاي أحمد العلوي، وزير الأنباء والسياحة، في الوفد المغربي إلى فرنسا".

ويسترسلُ جبرو بأنّ جريدة التحرير تتبعت موضوع الرحلة بلهجة حادة، وهذا ما لم يكن من المفاجئات السياسية، ولكن الذي استغرب له الملاحظون هو تعليق لجريدة العلم حول ما اعتبرته "محادثات سرية". وجاء في التعليق أن الجماهير تتطلع إلى معرفة موضوع المحادثات، وخاصة منه ما يمس مصالح الوطن العليا.

وتقول جريدة العلم كذلك إنّ "نتائج المقابلة يجب أن تعرف حتى لا تظلّ المشاكل الأساسية التي درست بعيدة عن تفكير المواطنين، وحتى لا تظل هذه المقابلة مجالا للاستنتاجات التي تضرّ بقضايا المحادثات أكثر مما تنفعها".

انشغلَ السّياسيون المغاربة بفحوى المقابلة الملكية مع الرّئيس الفرنسي شارل ديغول، خاصة المعارضون الذين اعتبروا الأمر فيه تهميشٌ للأحزاب الوطنية المنبثقة عن الحركة الوطنية في قضايا مصيرية، سواء كانت هذه الأحزاب بعيدة عن الحكومة أو مشاركة فيها. وكان حزب الاستقلال يشارك في الحكومة من خلال تولي الزعيم علال الفاسي منصب وزير الدولة مكلفا بالشؤون الإسلامية، وامحمد بوستة منصب وزير العدل، وامحمد الدويري منصب وزير المالية والشؤون الاقتصادية.

ويتساءل الصّحافي جبرو: "هل يعقل أن الوزراء الثلاثة لم يكونوا على علم بما كان يجري في مقابلة الملك مع ديغول، إلى حد أن الجريدة الناطقة بلسان حزبهم تقول إنه لم يعد هناك داع لتكتم لا يخدم أيّ مصلحة؟".

لكن الحقيقة التي كشفت عنها المباحثات المغربية الفرنسية التي جرت بباريس شهر ماي 1962 هي أن أحمد بلافريج، الممثل الشخصي للملك ووزير الخارجية، كان ضمن الوفد المشارك في المحادثات...وأنه لم يعد أمينا عاما لحزب الاستقلال منذ يناير 1960، ولم يعد في إمكانه إخبار حزبه السابق بتطورات الملفات المصيرية التي يشارك في المباحثات بشأنها، وتعتبرها جريدة العلم "محادثات سرية". وبعد ثمانية شهور ستتضح الأشياء حين سيغادر الوزراء الاستقلاليون الثلاثة الحكومة في ينار 1963.

وفي تفاصيل رحلة الملك الحسن الثاني إلى فرنسا تقول وكالة فرنس بريس إن العاهل المغربي وصل في ساعة متأخرة من ليلة الثلاثاء إلى فرنسا، وصحب معه عدداً من الشخصيات، من بينها الأمير مولاي عبد الله وأحمد بلافريج، وزير الخارجية، واكديرة، وزير الداخلية والفلاحة، ومحمد الشرقاوي، سفير المغرب بباريس.

وفي العاشرة والنصف من صباح يوم الأربعاء 9 ماي 1962 استقبل الجنرال ديغول ضيفه في قصر دوشان، حيث جرت مباحثات بينهما رأسا لرأس مدة من الزمن، ثم استمرت بمشاركة الأمير مولاي عبد الله والوزير الأول جورج بومبيدو ووزيري خارجية البلدين ووزير الداخلية المغربي، وبعد تناول العشاء تم استئناف المباحثات ولم يغادر ديغول قصر دوشان إلا في الساعة الخامسة إلا ربعا، ومكث الملك بالقصر الذي ينزل فيه عادة ضيوف الحكومة الفرنسية".

طرح الملك الحسن الثاني مسألة المساعدة الاقتصادية الفرنسية إلى المغرب في ثلاثة جوانب، أوّلها: "العلاقات التجارية؛ إذ طلب أن تضمن فرنسا مشتريات القمح والخمور، ثانيا التعاون والمساعدة التقنية، إذ قال إن الحاجة تتزايد إلى المساعدة التقنية، وطالب بأن تبعث فرنسا إلى المغرب ألفين من المعلمين والأساتذة؛ ثالثا استئناف المساعدة المالية التي توقفت سنة 1956 من جراء الاستقلال".

ونقل ألان بيرفيت، الذي كان من أقرب الناس إلى الجنرال ديغول، وكان في سنة 1962 وزيراً للأنباء ناطقا باسم الحكومة، وهو عضو الأكاديمية الفرنسية، والذي أصدر كتابا عنوانه "كان ديغول"، أنّ الرئيس الفرنسي شارل ديغول أكّد بعد لقائه بالحسن الثّاني أنه "يجب أن نؤخذ بعين الاعتبار تطورات الجزائر. إن مجيء الملك إلى باريس يدل على أنه شجاعة كبيرة ولا يمكن أن ندفعه بعيداً عنا، لقد عبر عن شهيته بالنسبة لموريتانيا والبترول. وسترون أنه سيعدل عن مطلبه مقابل مساعدة مالية".

وزاد ديغول: "يتعين القيام بالتفاتة ما ويجب القيام بذلك نحو تونس أيضا. إن هذا سيكلفنا بعض الشيء لكن لا يجب أن نترك أنفسنا ننساق، وخاصة من طرف المعمرين المستقرين في المكان. إن مصالح فرنسا لا تختلط مع مصالحهم. من المعقول أن نساهم في التجهيز الأساسي للمغرب، ولكن إذا ما استسلمنا يتعين على المغاربة أن يفعلوا هم كذلك نفس الشيء بالنسبة لموريتانيا والبترول".

وكان الملاحظون يدركون أن مستجدات الوضع في شمال إفريقيا، وعلى ضوء انتهاء الحرب في الجزائر، موضوع كاف ليكون هناك لقاء قمة بين الجنرال شارل ديغول، رئيس الدولة الفرنسية، والعاهل المغربي؛ ولكن جدول أعمال المباحثات امتد ليشمل قضية الحدود والأراضي الفلاحية، حيث كان المعمرون الفرنسيون مازالوا يستغلون مليار هكتار من الأراضي الخصبة؛ بالإضافة إلى مطالب رجال الأعمال الفرنسيين العاملين بالمغرب الذين كانوا يريدون تغيير نظام حركة رؤوس الأموال لضمان حرية تحويلها إلى الخارج.