آنفا .. مدينة فينيقية تاريخية عاندت الإسلام وعانقت العلم والمال

آنفا .. مدينة فينيقية تاريخية عاندت الإسلام وعانقت العلم والمال

تفتح جريدة هسبريس، خلال هذه الفسحة الصيفية، جانبا من تاريخ العاصمة الاقتصادية، بدءا من تأسيسها وتسمياتها العديدة التي حملتها، مرورا بحكامها ودورها في فك الحصار على المسلمين بالجزيرة الخضراء، وصولا إلى عهد الحماية ودور المدينة في محاربة الاستعمار وما لعبه رجال المقاومة فيها، وما عرفته من تطور في مجالي الاقتصاد والعمران.

مدينة الدار البيضاء، العاصمة الاقتصادية وأكبر مدن المغرب مساحة وساكنة، لها تاريخ عريق يجعل منها قطبا ماليا مهما. ولعل تسليط الضوء على هذه المدينة "الغول" من طرف الباحثين يتطلب مجهودا كبيرا، خصوصا أن اكتشافات علماء الآثار تفيد بكون المدينة وجدت منذ العصور القديمة الحجرية؛ إذ تم العثور في حي الوازيس وحي مرس السلطان على صناعات من كل العصور، واكتشفت فيها مصنوعات بشرية.

تأسيس أنفا

تفيد الأبحاث والاكتشافات الأثرية بأن هذه المدينة ضاربة في التاريخ، لها امتدادات تعود إلى مائتي ألف سنة. فقد جرى العثور على فك فم بشري بمنجم قرب ضريح سيدي عبد الرحمان سنة 1955 يرجع عهده إلى مائتي ألف سنة.

الباحث هاشم المعروفي، الذي وافته المنية سنة 1987، تحدث في كتاب "عبير الزهور"، الذي أصدر المجلس العلمي المحلي لعمالة مقاطعة عين الشق سنة 2013، عن كون نواحي الضريح المذكور تعد من المناطق الأثرية.

ويختلف عدد من الباحثين حول تأسيس أنفا، وهو الاسم الذي كان يطلق على المدينة سابقا قبل أن تصير في عصرنا الحالي تسمى الدار البيضاء، غير أن الراجح هو ما ذهب إليه المؤرخ الرحالة مارمول في كتابه "إفريقيا" حيث أشار فيه إلى أنها "من جملة المدن الفينيقية التي بناها حانون وفق ديوان قرطاجة، وهي توجد في أحسن موقع في إفريقيا يحيط بها البحر من جهة، وسهول خصبة من جهة أخرى".

وبحسب الباحث المعروفي، فإن الدار البيضاء/أنفا يرجح أن يكون تأسيسها على يد الفينيقيين القرطاجيين، على اعتبار أن معظم المدن التي شيدها هؤلاء كانت على شاطئ البحر، مثل بيروت وطرابلس الشام وسوسة وبنزرت، ناهيك على كون الفينيقيين نزحوا من سوريا ولبنان، وتوجد حاليا مرسى على شاطئ البحر بلبنان تسمى آنفا.

فتح آنفا

كان أول من افتتح مدينة آنفا وأدخل قاطنيها آنذاك في الإسلام هو عقبة بن نافع الفهري، بحسب ما ذكره محمد بوجندار في كتابه "شالة وآثارها"، حيث أورد أن عقبة لما قدم للمرة الثانية إلى هذه البلاد أيام خلافة اليزيد بن معاوية سنة 681 ميلادية، أسلم على يديه أهلها للمرة الأولى، وصاروا يدينون بدين الإسلام، لكنهم سرعان ما عادوا وارتدوا إلى النصرانية بعد رجوعه.

التجارة والعلم بآنفا

لم يكن وليد الصدفة أن الدار البيضاء عاصمة اقتصادية ووجهة تجارية كبرى بشمال إفريقيا، فالتاريخ يتحدث عن كون هذه المدينة كان سكانها منذ الأزل يتعاطون للتجارة، خصوصا مع الأوروبيين، ولهم أنظمة خاصة في التعامل مع التجار في الخارج.

وبحسب المصدر نفسه، ونقلا عن كتاب "وصف إفريقيا" لصاحبه الحسن الوزان، فقد "كان سكان المدينة متصلين بصفة مستمرة مع التجار البرتغاليين والانجليز، لذلك كانت حياتهم منظمة وفيهم علماء".

ومن بين السلع التي كانت تصدر من ميناء آنفا آنذاك، بحسب ما نقله بيكولوتي، مراسل مصارف فلورانسا الشهيرة، القمح والشعير وجلود البقر والماعز والغنم والشمع والصوف واللوز وغيرها، مشيرا إلى كونه لا يعرف في المغرب سوى ميناء آنفا، ما يعني أن هذا الفضاء كان الأشهر والأكبر في البلاد حينها.

ولا يقتصر الأمر على التجارة فقط، بل إن المدينة كانت لها حركة علمية نشيطة، ووجد بها عدد من المدارس والعلماء المتخصصين في العلوم الإسلامية الذين كانوا معروفين في تلك الحقبة، وضمنهم علي بن ابراهيم بن علي الأنصاري.