هكذا زاوجت خطب الملك الراحل الحسن الثاني الدين مع السياسة

هكذا زاوجت خطب الملك الراحل الحسن الثاني الدين مع السياسة

تميـز الخطـاب عنـد الحسـن الثانـي بالازدواجية وبالانتقـال بيـن حقليـن: دينـي وسياسي؛ إذ كانت السياسة الدينية متداخلة مع الخطاب السياسي.

ومن خصوصيات الخطاب كذلك عند الحسن الثاني كونه خطابا مرنا، مهيكلا ومتوازنا. وإذا كان الخطاب يستمد قوته من شخصية الخطيب فإن شخصية الحسن الثاني هيمنت على خطاباته.

ويمكن حصر أهم الخصائص التي ميزت الخطاب عند الحسن الثاني في جدلية الماضي والحاضر، التي تتجلى عبر استحضار العمق الماضوي للسلطة؛ فالماضي يؤدي في الخطاب السياسي عنده الملك الراحل وظيفة التوازن والتماثل بالنسبة للحاضر والمستقبل، ما جعله خطابا ينطلق من الماضي ليمارس في الحاضر.

في المغرب يمكن القول إن التوجه العام الذي تحكم في صياغة الخطاب السياسي الحسني يشكل امتدادا لعصر ذهبي ينبغي استلهامه باستمرار، إنه استحضار روح فلسفة خطاب محمد الخامس، التي تميزت بإرثها المزدوج: إرث الماضي العتيد بعاداته العتيقة وتقاليده ومواقفه المرتكزة على الدين، والخصوصية المغربية، وإرث بداية الانفتاح على الغرب وأدواته التنظيمية الحداثية.

لذلك فإن المهمة الأساسية للخطاب السياسي لدى الحسن الثاني هي التوفيق بين هذين البعدين الأساسيين؛ ويقول في هذا السياق: "لقد ميزت تاريخ المغرب سمتان تبدوان متعارضتين لكنهما تشخصان صورته وتشكلان حقيقته، وهما: ميله إلى التفتح العالمي، وانجذابه إلى واقعه المتميز.. وكل من لا يستوعب هذا التوجه المغربي المزدوج لن يستطيع أن يفهم المغرب في عمقه وعلى حقيقته".

إن الوظيفة المركزية للخطاب السياسي الحسني هي تأكيد هذه الحالة من التطابق؛ لذلك فإن جل المفاهيم والتصورات السياسية للحسن الثاني ظلت وفية لهذه المسافة بين الميل إلى التفتح العالمي العام والانجذاب إلى الواقع المحلي الخاص.

إن هذه المسافة المرنة بين مطلب الانفتاح ومتطلبات احترام الخصوصية هي التي شكلت التمفصل الأساسي لجدلية الماضي والحاضر في ديناميكية الخطاب السياسي، لذلك فإن كل المفاهيم والتصورات التي بلورها الحسن الثاني ورسخها حول علاقة السلطة السياسية وشكل النظام السياسي كانت فعلا انطلاقا من هذه الازدواجية المرنة، ما ضمن له نوعا من التدرج "البراغماتي" في معالجة مختلف الأزمات السياسية والاجتماعية التي فرضها المحيط الدولي والمطلب الداخلي؛ حيث كان الأصل هو الثبات والسكون بينما غدا التغيير مسألة عرضية وعابرة.

وهكذا ظل الخطاب السياسي يشكل طيلة العقود الموالية للاستقلال المرجعية الأولية والشاملة لكل القرارات السياسية مهما كان ميدانها وحجمها، وكذا مختلف التحولات التي تهم بناء النظام السياسي وتحديد فلسفته العامة، فهو يحدد الأهداف الكبرى ويعتبر التأويل الوحيد للواقع السياسي، ليس فقط انطلاقا من ألفاظه وأسلوبه ولكن كذلك من خلال بنية اشتغاله التي تميزت أولا بكثافة البث وثانيا بمفارقة المضمون.

أولا كثافة البث: إن ما ميز الحياة السياسية المغربية على عهد الملك الحسن الثاني هو كثرة الخطابات السياسية والاستجوابات الرسمية؛ فلا تكاد تمر مناسبة صغيرة أو كبيرة إلا وكان يتوجه فيها الملك إلى مواطنيه. الخطاب لا يرتبط هنا بتواريخ محددة ومضبوطة؛ فكل الأحداث مهما كان حجمها أو مجالها شكلت مناسبة لظهور الملك وإلقاء خطاب سياسي، فالإرث الديني العربي الإسلامي يجعل من الأعياد الدينية المتعددة مناسبة سانحة للملك لمخاطبة شعبه، ليس في الشؤون الدينية، بل في أمور سياسية كذلك.

وبموازاة مع حلقات الأعياد الدينية، فإن المراحل الأساسية من تاريخ الكفاح الوطني شكلت مناسبات ذهبية ليأخذ الملك الكلمة وليذكر بدلالات المرحلة المحتفى بها، واستنباط الدروس منها في الحاضر والمستقبل.

والواقع أن هذه المراحل عديدة جدا، فيكفي أن نشير إلى "ثورة الملك والشعب" و"20 غشت" و"عيد الاستقلال 17 نونبر" و"عيد العرش 3 مارس" و"عيد المسيرة الخضراء 6 نونبر"، بل هناك مناسبات شخصية خاصة تصبح شأنا عاما مثل "عيد الشباب 9 يوليوز" .

كما أن الخطاب كثيرا ما تجاوز المحطات الدينية والوطنية؛ إذ كان بمناسبة أحداث استثنائية، كالأزمات الداخلية (1971، 1972، 1982....) والخارجية (حرب الخليج الثانية 1990) التي قد تهدد استقرار الكيان السياسي للدولة. ففي حالة الأزمات يركز الخطاب على ضرورة الالتحام الوطني ومنح الملك كافة الصلاحيات كسبيل وحيد للخروج من الأزمة، أما في حالات الرخاء فإن الخطاب يركز على عظمة اللحظة كثمرة لهذا الالتحام المقدس. وفي كلتا الحالتين، فإن الخطاب يصب بشكل مباشر في دعم وشرعنة النظام السياسي.

ثانيا مفارقة المضمون: إن مضامين الخطابات لدى الحسن الثاني لا تشكل فقط مرجعية شمولية لكل القرارات العامة، بل تحرص على تكريس نوع من التماهي الحميمي والتعالي الأبوي في الآن نفسه في علاقة الملك بالشعب، حسب طبيعة كل مرحلة.

كانت الخطابات تحرص على الطابع المباشر والميداني أحيانا دون وسطاء؛ فخطابات الحسن الثاني وإن كانـت موجهـة إلى عمـوم الشـعب فإنهـا وفي أحيـان كثيـرة تقتصـر على فئـات اجتماعيــة أو قطاعية محــددة -(الفلاحون، المعلمون...)- بهدف إخبار المواطنين عن قرب بالسياسة المتبعة من طرف الدولة، وحشد الإجماع الوطني حول هذه السياسة ومن خلالها حول الملك، ومحاصرة كل إمكانيات التمثيل المهني أو الوساطة السياسية خارج شخص الملك وقنواته الرسمية.

ذلك أن العلاقة العائلية والملحمية في المغرب، والتي نشأت بين الملك والشعب بمبادرة من الأول وإرادة من الثاني، وبفعل احتكار الدولة للوسائل السمعية – البصرية ووضعها رهن إشارة هذه العلاقة، خاصة من خلال الخطاب، كرست كون الملك يحتل كل مكان.

لقد حرص الحسن الثاني على استحضار وتحقيق نوع من الاستمرارية لبنية خطاب السلف، إنه وفي كلا الحالتين خطاب الأب. فإذا كان محمد الخامس قد عبر صراحة عن هذه العلاقة فإن الحسن الثاني ما لبث أن أخذت معه بعدا أبويا متعاليا كتعبير عن جدلية سمو الملك وسمو نظامه السياسي؛ وهذا هو المستوى الثاني لمفارقة المضمون التي عكستها البنية الاشتغالية للخطاب لدى الملك الراحل؛ فالدور المتعالي للملك ومهندس الدولة الحديثة ظل حاضرا بكثافة وباستمرار في خطاباته.

*جامعة الحسن الأول – كلية الحقوق بسطات