إصدار يُعرّف بالحركة العلمية لمنطقة الريف في عهد الدولة العلوية

إصدار يُعرّف بالحركة العلمية لمنطقة الريف في عهد الدولة العلوية

"الحركة العلمية ببلاد الريف خلال العصر الثاني من الدولة العلوية الشريفة خلال القرنين 19 - 20 الميلاديين" منشور للمجلس العلمي المحلي لإقليم الدريوش، يأتي في سياق سلسلة تأمل رصد التاريخ العلمي والفكري والثقافي للإقليم منذ الفتح الإسلامي إلى اليوم، حَسَبَ مقدّمة الكتاب التي خطَّها بنعيسى بويوزان، رئيس المجلس العلمي المحلي لإقليم الدريوش.

وفي هذا العمل، وفق المقدّمة نفسها، تنفيذ للتعليمات الملكية التي تريد أن تكون المجالس العلمية في صلب المجتمع بحثا ودراسة وعناية وتوجيها ووَعظا وإرشادا، وبحثا في تاريخها العلمي والفكري والحضاري عموما.. وتنزيلا لإرادة الملك الذي يريد من هذا الأمر "ألا يكون المجلس العلمي معزولا عن محلِّه ومجتمعه".

واختار هذا الكتاب غلافا لهُ صورةَ رسالة السلطان عبد الحفيظ إلى قبيلة بني ورياغل وقبائل الريف والقاضي الفقيه عبد الكريم بن محمد سنة 1326 هجرية، ويضمّ أشغال ندوة علمية وطنية نظّمها المجلس العلمي المحلي لإقليم الدريوش، بعد تشذيبها ومراجعتها.

هذا الإصدار الرابع، حَسَبَ بويوزان، تتويجٌ للإصدارات الثلاثة السابقة، وتعزيز للنسق الموحَّد والموحِّدِ بين منطقة الريف وسائر مناطق المغرب، رغم ما لوحظَ من مستجدات العصر الحديث في أواسط القرن الثامن عشر وخلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، في سائر بلاد العالم الإسلامي، من ظهور الحركة الاستعمارية الأوروبية بكل تبعاتها وأوزارها، وما خلفته الحرب العالمية الأولى من ويلات ومصائب في البلدان المستعمَرَة والمستعمِرَة على حد سواء، وما تبعها من حركات تنشد التحرّر والانعتاق من سطوة الدول الاستعمارية، دون إغفال ما اصطُلِح عليه بعصر النهضة وما حمله من تبعات مختلفة كان لها صداها في الغرب الإسلامي وفي المغرب الأقصى خاصة.

ورأى رئيس المجلس العلمي المحلي لإقليم الدريوش في هذه البحوث تتويجا للسياق العام الذي صدر عن علماء الريف في حقب تاريخية مختلفة، بما هي إنتاج وإبداع ينبثق من رحم الإبداع المغربي العام، وسياقه الفكري والعلمي الذي بنى به الحضارة المغربية الشامخة بثوابتها الدينية والوطنية التي وحّدت الأمة المغربية..

ويتضمّن الإصدار أيضا رؤى أجنبية حاولت تشخيص الوضع الثقافي والعلمي والفكري في منطقة الريف خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، أملا في أن نرى صورتنا في مرآة غيرنا، وكيف فكّر في هذه المنطقة التي برزت، رغم كل شيء، رقعة متكاملة ومتوحِّدة مع الجسد المغربي بكل ثقافته وعلمه وحضارته؛ لأن الوحدة الفكرية والعلمية والحضارية المغربية التي يشكّل الريف أحد خيوطها المتينة وحدةٌ ضاربة بجذورها في عمق التاريخ المغربي، أسَّسَ قواعدَها علماء عرفوا أنه من الأمانة الشرعية والمسؤولية الدينية، العمل من أجل الوحدة المغربية بل والأمة الإسلامية جمعاء بتآزر أفرادها ومجتمعاتها وتكامل مختلف مكوِّناتها وأطيافها؛ لأنهم أدركوا بعمق أن متغيِّرات التاريخ لا تؤثّر على جوهر الوحدة المغربية الإسلامية العقدية والمذهبية والوطنية.

ويتضمّن كتاب "الحركة العلمية ببلاد الريف خلال العصر الثاني من الدولة العلوية الشريفة خلال القرنين 19 - 20 م" ترجمة قدّمها المؤرّخ حسن الفكيكي لأحد أبرز رجالات المؤسسة الدينية بخمس بني شكر من قبيلة قلعية، وهو القاضي امحمد - حمو - القادري، فيما كتب الأكاديمي حميد الفاتحي عن المجتمع والثقافة ببلاد الريف انطلاقا من موسوعة "معلمة المغرب".

وبحث سعيد بنحمادة في التصوف ببلاد الريف في القرن الـ19، وكتب حسن أدجوز عن الريف من خلال وثائق الحاكم الفرنسي بالجزائر جول كامبون، فيما كتب عثمان سال عن أصداء حرب الريف في الكتابات الأجنبية والمحلية، وكتب وسام شهير ويوسف ماحي عن أعلام الريف خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر الهجريين، واختار رشيد بوشيوع البحث في قضايا من تاريخ العلاقات المغربية المشرقية من خلال شعر محمد بن محمد بن علي الوكيلي.

وبحثت مجموعة من أعمال هذا الكتاب في الفكر الوحدوي عند محمد بن عبد الكريم الخطابي، وهو ما كتبه لحسن أوري، بينما كتب عن صورة الخطابي في الشعر المغربي محمد بنحمادة، وتتبّع المصادر الفكرية والمعرفية عند الخطابي عبد الوهاب برومي، ثم عن مشروعه العلمي كما في مقال علال أوديع، وبحث يوسف سعيدي في الجذور الوطنية والثقافية لفكر الخطابي، واختار عبد الله كموني الكتابة عن تعدّد المهام الفكرية والعلمية لدى هذا العلَم.

وبحث عبد الهادي البياض عن علاقة الفقه بالواقع في بلاد الريف، وتحدّث عن تَبيِئة الأعراف والعادات السليمة مع أصول الفقه المالكي، وإسهامات علماء الريف في تثبيت إحدى قواعده المسماة بـ"ما جرى به العمل"، ويعرّفها الكاتب بقول إنها العدول في بعض القضايا عن القول المشهور إلى القول الضعيف، تبعا لأوضاع الأمصار بحسب تنوّع أعراف وأحوال أهلها.. وهو ما تعدَّد الأخذ به في المغرب من مدينة إلى أخرى في قضايا ونوازل متعدّدة فتذكر المصادر عمل فاس، وعمل مراكش، وعمل سوس، وعمل سبتة، وعمل سجلماسة.