هكذا توسط مرسى تطوان في التجارة بين المغرب الإفريقي وأوروبا

هكذا توسط مرسى تطوان في التجارة بين المغرب الإفريقي وأوروبا

في امتدادات أخرى تختلف موضوعاً ومصادر وتسلّط القول والنّظر على فترة من تاريخ مدينة تطوان ودورها في المبادلات الخارجية (1721–1767)، يطالعنا الباحث في التاريخ الدكتور عبد العزيز السعود ضمن دراسة له سبق وأن صدرت في كتاب جماعي عن مجموعة البحث في التاريخ المغربي والأندلسي وفي سياق ندوة تطوان خلال القرن الثامن عشر، ليقربنا من تفاعلات تاريخية ترحل بنا صوب أفق بحري مفتوح على صعيد المبادلات التجارية. ففي سياق هذه الدراسة التي لم تفقد توهجها وقيمتها وهي تكشف لنا جوانب هامة، سننصت من خلالها إلى حيّز صغير من الذاكرة التاريخية لتطوان وإلى ذلك المشترك الحضاري والتراكم الإنساني الذي التقى على ضفاف المتوسط.

نهر مرتيل وتُجّار تطوان وقوارب المخزن

يشير الدكتور عبد العزيز السعود إلى أن مدينة تطوان استمدّت أهميتها في ميدان المبادلات البحرية من موقعها الجغرافي، وتقوى هذا الدّور بصفة خاصة منذ أن وقعت مدينتا سبتة ثم طنجة في يد الاحتلال الأجنبي، فلم يبق للمغرب من منفذ على البحر الأبيض المتوسط سوى مرفأ تطوان الذي أصبح يشكل أهم مستودع لاستقبال البضائع المجلوبة والمُسوقة.

وبالرغم من أن مدينة تطوان مدينة داخلية، إلا أنها كانت ترتبط بالساحل عن طريق الملاحة النهرية التي يوفرها نهر مرتيل. وقد شكلت تطوان مركزاً متقدماً تنتهي عنده طريق تجارة القوافل الصحراوية، لتشرع المدينة في القيام بدور الوسيط التجاري بين المغرب الإفريقي وأوروبا، وتحتل نتيجة لذلك المرتبة الثانية من بين المراسي المغربية المفتوحة في وجه التجارة مع الخارج في القرن الثامن عشر، بل إنها أحيانا نافست مرسى الصويرة على المكانة الأولى في المبادلات.

ومن الملاحظات التي سجلها المتحدث ذاته صاحب الدراسة، ولغرض مراقبة حركة السوق والورد بديوانة تطوان، بنى القائد أحمد بن علي برج مرتيل حوالي عام 1720 بإذن من السلطان مولاي إسماعيل، "وعيّن للقنطار من الشمع الذي يخرج من المرسى أوقية، ولقنطار الجلد نصف أوقية، وأمر أن يصرف ذلك على من يحرس في سبيل الله في البرج المذكور".

وكانت حركة نقل البضائع ما بين المرسى والديوانة تتم بواسطة قوارب في ملك المخزن، كما كانت هناك ديوانة أخرى بالفدان تؤدى بها الرسوم الجمركية، وتنقل إليها البضائع بواسطة العربات والدواب. وجرت العادة أيضا أن القائمين بالأمر يأخذون السلع الواردة إلى دار العْشر، حيث تتم عملية إحصاء ما جلبه التاجر من بضاعة مقيدة في كتاب الأمناء، يؤدي عنها خمسة في المائة مكسبا، مع إضافة أجرة العدول والعساس والحمّال وكل الملازم.

وفي هذا السياق، لم يتردد عدد من تجار تطوان في السفر إلى الخارج لتنمية تجارتهم، وكان الكثير من المزاولين للتجارة ينتمون إلى أصول ريفية كأفروخ (وعمل وكيلا للمغاربة بمصر)، وبجّة (وكان قنصلا بجبل طارق)، وأبعير وأبارودي. أو من اليهود كابن عطار وابن دلاك، وابن عليل وبنيدر. بينما انصب جل اهتمام الذين هم من أصول أندلسية بالأساس على النشاط الفلاحي والحرفي.

تطوان بوصلة الشمال في التجارة الدولية

وعلى صعيد آخر، يقول الباحث والمؤرخ عبد العزيز السعود: "قد اتجه التجار التطوانيون إلى الجزائر ومصر، حيث كان جزءاً من البضائع الحرفية التطوانية يعبر حدود المغرب في اتجاه المشرق، وكانت العلاقات التجارية بين تطوان والمشرق عامة، ومصر خاصة، قائمة نتيجة طريق الحج. فقد كان موكب الحاج المغربي الذي ينطلق من فاس، يبحر من مرسى تطوان. وكانت تطوان تصدّر نحو مصر كميات مهمة من البْلاغي، كما كانت علاقتها التجارية مع الجزائر تعتمد في جزء كبير منها على الوسق، فكانت تطوان تصدّر نحوها قسطاً مهماً من إنتاجها الحرفي مثل البلاغي وأنواع الحصير ومادته "الديس" و"الكرازي" الصوفية، بالإضافة إلى المكاحل والبارود، بينما كانت تستجلب من الجزائر منتجات الحرير وبعض الأواني الصفرية".

كما يلفت النظر بالتوضيح أستاذ الأجيال وصاحب كتاب "تطوان في القرن 18 م: المجتمع والسلطة والدين"، إلى أن المبادلات التجارية ستشهد خلال القرن الثامن عشر تطوراً نسبياً بين تطوان والموانئ الأوروبية، وحدث هذا التطور أيضاً بالنسبة لمراسي المغرب الأخرى، ولكن بدرجات متفاوتة، إذ كان من الطبيعي أن ترتبط هذه العلاقات التجارية بالاتفاقيات التي أبرمت بين المخزن والدول الأوروبية، ويأتي ميناء قادس في مقدمة الموانئ الأوروبية التي لعبت دوراً مهماً في الملاحة التجارية مع المغرب عموما، ومرسى تطوان على الخصوص.

بالإضافة إلى أنه من الموانئ المتوسطية الأوروبية التي ارتبطت مع مرسى تطوان ميناء مارسيليا الفرنسي، فقد ظهر اهتمام تجار مرسيليا بمرسى تطوان في وقت مبكر، حيث كان ارتياده يجنّب السفن الفرنسية مخاطر المرور بالقرب من جبل طارق، وخاصة في فترات النزاع مع إسبانيا ثم مع إنجلترا، وكان ميناء ليقورنة الايطالي يعتبر أكبر مستودع للبضائع في حوض البحر المتوسط، وقد ربط بدوره علاقات تجارية مع تطوان وكذلك ميناء راجيز، وهو أحد المراكز البحرية الرئيسية في البحر الأدرياتيكي.

مراسي جديدة ونهاية مجد تجاري

بهذا التكثيف في قراءة تلك المرحلة التاريخية وإبراز خصوصياتها واستجلاء معطياتها وبعض أحداثها، يختتم الدكتور عبد العزيز السعود بأن تطوان جمعت بين وظائف متعددة، وظيفة المبادلات ووظيفة إبحار الحجاج، ثم وظيفة ثالثة وهي الجهاد البحري، لكن مراقبة المخزن الاسماعيلي لهذا النشاط الأخير ورفعه للأعشار المفروضة على المراكب الجهادية في كل من تطوان وسلا، فضلا عن التفوق التقني للسفن الأوروبية، ساهم في المزيد من التدهور لهذا النشاط، بحيث ابتداء من سنة 1767– 1770، سيدخل مرسى تطوان في مرحلة من التدهور النسبي.

وقد تعددت أسباب هذا التراجع، وارتبط بعضها بتحوّل المحور الداخلي للتجارة من فاس في اتجاه طنجة بدلا من تطوان، وبمنافسة المراسي الجديدة في ميدان وسق السلع، وكذلك بسبب عدم ملاءمة المراسي النهرية لرسو السفن البخارية الكبيرة التي هيمنت في ميدان الملاحة التجارية، فكانت تطوان ضحية للتحول الذي طرأ على ظروف ومستجدات الملاحة العالمية.