هكذا ساهم القرن 13 في التعارف بين الضفتين الإسلامية والمسيحية

هكذا ساهم القرن 13 في التعارف بين الضفتين الإسلامية والمسيحية

هذا جزء من مدخل يحدد سياق مقارنة سردية في قرن عرف صداما بالسيف وصداما بالسرد على شواطئ المتوسط. تجري المقارنة بين سيرتين مناقبيتين هما "التشوف إلى رجال التصوف" 1220م لابن الزيات، وتحكي سيرة 278 وليّا في أربع مائة وأربعين صفحة، وكتاب "الأسطورة الذهبية" 1250م لجاك دو فوراجين، ويحكي سيرة 180 قديسا مسيحيا على امتداد سبعمائة صفحة.

كتابان مرجعيان من جنوب وشمال المتوسط كتبا في الفترة التاريخية نفسها، أي حوالي منتصف القرن الثالث عشر الميلادي، والغاية من التوطين المكاني والزماني للمتن هو ضبط الحيز الزمني للبحث لتكون الدراسة عمودية لا أفقية في مجال جغرافي ذي خصوصية ثقافية ودينية.

يتناول الكتابان الموضوع نفسه وينتميان للنوع الأدبي ذاته، وقد حظيا بشهرة لا نظير لها.

تجري المقارنة بين نصين من ضفتي بحر المياه الساخنة خلال القرن الثالث عشر الذي كان محطة فارقة في تاريخ المتوسط سياسيا وعسكريا ودينيا وثقافيا. إنه قرن ما قبل النهضة الأوروبية. والمعلومات المنتقاة الواردة هنا يفترض فيها أولا أن تثبت أننا لا نقارن ما لا يقارن، وثانيا أن تقدم مؤشرات لتفسير التشابهات والاختلافات التي ستكشفها المقارنة النصية بين سرد الضفتين في ذلك القرن.

لماذا القرن الثالث عشر؟ لأنه قرن جلال الدين الرومي وأبي الحسن الشاذلي وتوما الأكويني وسان فرانسوا داسيز وجاك دوفوراجين وابن عربي والبوصيري...

قرن عاش فيه المغرب تبعات هزيمة الموحدين المدوية في معركة العقاب 1212 بالأندلس، وفيه سقطت بغداد بيد المغول عام 1258م وحولت الحروب الصليبية المتوسط إلى بحيرة من الدم... وفيه تعرض الإسلام لهجومات من شرقه ومن غربه، من المغول ومن المسيحيين، وقد قدم شعر أبو البقاء الرندي ت1285 "لكل شيء إذا ما تم نقصان" مشهدا مريعا للعلاقة الدموية بين الضفتين.

هذا القرن هو أيضا عصر انتقال التراث اليوناني إلى أوروبا المسيحية، وقد صار نفوذ أرسطو مهيمنا ومرعبا لرجال الدين. وهو قرن بدء هيمنة المسيحية على الضفة الشمالية بعد استرداد جل الأندلس. هو قرن بناء المساجد والكنائس العملاقة وقرن المجاعات، وهو مرحلة اعتبر فيها العالم بيت الرب. ففي 1215 صار تحول خبز القربان وخمره إلى جسد المسيح ودمه عقيدة، وبعد 1245 استخدم الكرادلة الذين ينتخبون البابا قبعات حمراء، وهو أيضا عصر الإيمان. ما الصلة بين الحرب وعصر الإيمان؟

كان الصدام مع الآخر "اختبارا للعقيدة لدى المؤمنين بها"، إنه اختبار قاس بعد ألف عام من انتشار المسيحية.

هذا هو المجال الزمني للمقارنة وهو مفعم بالتناقضات. إنه أوج الحروب الصليبية التي جرت على شواطئ المتوسط. وهي حرب دينية أثرت على السرد الديني وعلى تصورات الشعوب لبعضها على ضفتي المتوسط. والدافع لهذا التوطين المكاني والزماني لمتن البحث هو وضع النصوص في سياقها، لأنه "عندما نعزل النصوص عن سياقها نعجز عن فهما أو تفقد كل معنى أصلا"، لذلك تنبغي معرفة شروط الإنتاج.

لقد صدر كتابا "التشوف إلى رجال التصوف" جنوب المتوسط، و"الأسطورة الذهبية" شمال المتوسط، في القرن الثالث عشر الميلادي، وكان هذا توازيا زمنيا دالا. تواز آخر هو سرد سير الصلحاء والقديسين، وهناك أيضا الإقبال الذي لقيه الكتابان نسخا ونشرا وتعليقا. فترة كتب عنها إمبرتو إيكو روايته "اسم الوردة" التي تكشف أزمة الكنيسة. وهي رواية عن صراع الرذائل والفضائل. وهذا الصراع يجري في الضفتين بشراسة، لذا تنتهي الدعوات بالكلمة نفسها "آمين". مما يؤكد التشابه بين الثقافات.

إن إثبات صلاة وصدامات الضفتين هي أساس شرعية هذه المقارنة. لذلك على المقارن تلافي العجز عن إدماج البعد التاريخي في الموضوعات التي تتم مقارنتها.

لم تبدأ التشابهات بين موضوعات الضفتين في القرن الثالث عشر، بل هناك سوابق تؤصل شرعية المقارنة. لقد ولد أهم قديس مسيحي وهو أوغسطين ت 430م وعاش في عنابة شرق الجزائر. وكانت هناك ثلاث مائة أسقفية في شمال أفريقيا في القرن الرابع الميلادي. بل إن تدوين سيرة القديسين بدأ في شمال أفريقيا، أي جنوب المتوسط لا شماله.

وقد كان القرن الثالث عشر هو القرن الذي بلغ فيه التصوف أوجه، وهو القرن الذي حضر فيه ابن عربي طاعون مكة في 1203م، طاعون يقتل ضحيته في خمسة أيام، ثم رحل المتصوف لأخذ الخرقة من الخضر في الموصل في 1204م لأن الخرقة علامة أخوة وعلاج للآفات الأخلاقية. ولد الشيخ الأكبر ابن عربي في الأندلس وعبر المتوسط ليموت بدمشق في أوج الحروب الصليبية في 1240م. ومن علامات قوة الاتصال أن يسامح ابن عربي الآخر النصراني في قوله:

لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي -- إذا لم يكن ديني إلى دينه داني

لقد صارَ قلـبي قابلاً كلَ صُـورةٍ -- فـمرعىً لغـــــزلانٍ ودَيرٌ لرُهبـَــــانِ

أديـنُ بدينِ الحــــبِ أنّى توجّـهـتْ .. ركـائـبهُ، فالحبُّ ديـني وإيـمَاني.

ومن علامات احتكار الحقيقة الدينية أن يحذره البوصيري 1294م، صاحب أشهر بردة في التصوف، من نبي الآخر حين انشد:

دَعْ ما ادَّعَتْهُ النَّصارَى في نَبيِّهِمِ - وَاحكُمْ بما شِئْتَ مَدْحاً فيهِ واحْتَكِمِ

من بعد ما أخبر الأقوام كاهنم - بأن دينهم المعوج لم يقـــــــــــم

واضح أن كل ضفة تعتبر أن الحقيقة الدينية في صفها ولا تسمع إلا صوتها وتمارس عنفا سرديا ضد الآخر.

كيف غير القرن الثالث عشر العلاقة بين الضفتين؟

اتسمت العلاقة بين الضفتين قبل القرن الثالث عشر بأحكام مسبقة كثيرة. وقد كانت أكثر أخبار وأفكار الأوروبيين عن المسلمين في القرون الأولى للعصور الوسطى إسبانية المنشأ، صيغت حين كان المسيحيون أهل ذمة يؤدون الجزية للمسلمين. وهي ناتجة عن الهزيمة الساحقة التي جردها غيبون في كتابه "انحدار الإمبراطورية الرومانية وسقوطها":

"خلال عشر سنوات من حكم عمر [ابن الخطاب]، أخضع العرب لطاعته 36 ألف مدينة وقلعة ودمروا أربعة آلاف كنيسة". وعليه، فإن الغزو الإسلامي الذي بدأ في القرن السابع أزاح مركز الثقافة الأوروبية بعيدا عن المتوسط باتجاه الشمال فبدأت الجرمانية تلعب دورها في التاريخ.

هنا تشكلت ما يسميه إدوارد سعيد "الجدران المذهبية بين الغرب والإسلام"، ولهذا امتدادات معاصرة، يضيف سعيد أن لهذا حمل الاستشراق الحديث في ذاته معالم الخوف الأوروبي العظيم من الإسلام. ومن تجليات هذا الخوف في 1213 أن شبه البابا النبي بالأخطبوط ذي الستمائة والستة والستين رأسا.

"ظلت مصادر الأوروبيين الغربيين عن الإسلام حتى مطلع القرن الثالث عشر، إذن تحريفات بيزنطية قديمة، أساطير خيالية وتصورات تعود جذورها لرؤى العهد القديم النشورية". وقد ظهرت ملحمة رولان في منتصف القرن الثاني عشر تحكي مآثر البطل المسيحي ضد المسلمين، وفي المقابل ظهرت حكاية الملك النعمان وابنه ضوء المكان، والعجوز شواهي ذات الدواهي، في ألف ليلة وليلة، تحمل التطرف نفسه ضد الروم.

هذه فكرة عن النظرة المتبادلة من الضفة الشمالية للجنوبية قبيل الحرب الصليبية. كان هناك صدام بالسيف وصدام بالسرد.

أثناء الحروب الصليبية كان كل طرف يعتبر الله في صفه وهو يجاهد في سبيل الله أو يخدم الصليب، وفي الحالتين يقتل الآخر. وقد قام السرد السائد بتشويه الآخر فانتشرت حكاية عن الرسول محمد بأنه كان مطرانا لكنه تشاجر مع مطران القسطنطينية فشكل هرقطة انفصلت عن المسيحية وسميت الإسلام. غالبا ما يتم تصور الآخر في حكايتنا عنه كنسخة مشوهة منا.

وقد أدى الهياج العاطفي إلى اشتداد الحروب للقضاء على الكافر، وكانت الحملات الصليبية هي الاشتباك الأشد عسكريا بين الضفتين، ووقف البابا يعلن "إن العلي الأعلى يقف إلى جانبنا، ويريد أن ينصر دينه... وقد سمع سبحانه دعاء الضعفاء واستغاثهم" وقد بلغت الكنيسة قمة مجدها في بداية القرن الثالث عشر حين قاد الامبراطور فريديريك في 1220م فرس البابا من لجامه قبل أن ينقلب عليه ويسجل عهد فريدريك أعلى مراحل صراع البابوية مع الأباطرة.

لكن لم تكن الحرب بين الضفتين دينية فقط، فما وصفه البابا بلغة دينية يصفه المؤرخ بلغة أخرى، يقول: "كان ذلك عصرا انتهت فيه عزلة غرب أوروبا الجديدة عن عالم البحر المتوسط، وبدلا من هذه العزلة، التي كانت قائمة منذ القرن الثامن، توغلت شعوب غرب أوروبا سياسيا واقتصاديا في حوض البحر المتوسط بهدف النيل من المسلمين والبيزنطيين الذين طالت سيطرتهم على أراضي عالم البحر المتوسط. بعد القرن الثالث عشر ستنكمش قوة الضفة الجنوبية بينما ستتمدد قوة الضفة الشمالية في المتوسط وفي الأطلسي".

نتائج الحرب: تواصل أفضل

انطلق الصليبيون في لحظة هيجان ديني لاسترداد بيت المقدس للحج إليه، وحين فشلت الحملات فسروا ذلك بحياتهم اللاهية المليئة بالخطايا، فأكثروا من الصلاة، وهذا ما جدد قوة التعبد لإصلاح النفس، وهذه هي الفائدة رقم واحد. الفائدة الثانية هي في ظهور عدو داخلي، ففي تاريخ الحملات الصليبية كثيرا ما كان المسيحي يحارب المسيحي، وقد تزعزعت القسطنطينية لحظة مرور المقاتلين الذين نهبوا في طريقهم للقدس وأصيب الأرثوذوكس بالرعب.

الفائدة الثالثة هي اكتشاف المقاتلين المسيحيين للحقيقة التي غطتها الدعاية وصاروا أكثر تقديرا لأعدائهم، عرفوا عدوهم ففقدوا الأمل في هزمهم فتوقفت الحروب الصليبية في نهاية القرن، ففتح الباب لاكتشاف التشابهات.

الفائدة الرابعة هي الوقوف على تشابهات كبيرة، فبسبب ظهور المغول الوثنيين "أدرك الأوروبيون كثرة المشتركات بين المسيحية والإسلام في المجالين العقدي والأخلاقي". كان للدينين إلاه واحد.

الفائدة الخامسة كانت للحروب الصليبية كصدام حضاري أثر تواصلي، وكانت الحرب مؤثرة عاطفيا وفكريا في أوروبا. فبعد فشل الحرب الصليبية بدأ العمل على التصدي للإسلام فكريا. "أدرك ألد أعداء الإسلام بين الأوروبيين أن الصراع العسكري معه لا يكفي لإسقاطه، وأنه لا بد من اشتغال أعمق بفهم مضامينه، ومحاولة نقضها وكانت حجتهم في إقبالهم على دراسة الاسلام ضرب إرادة المقاومة عند الخصم عن طريق تشكيكه بصحة عقيدته".

محاولات تعايش دون فلسفة

بجانب الحرب، عرف القرن الثالث عشر محاولات تعايش، يشير محمد أركون إلى شخصية ريمون لول الذي عاش في القرن الثالث عشر في برشلونة وكان يكتب بالعربية ضد "جميع الانحرافات التعصبية للظلامية والدوغمائية والأيديولوجية التي أصابت مجتمعاتنا المعاصرة كالوباء".

في القرن الثالث عشر كانت اللغة العربية مهيمنة في البحر المتوسط وكان الامبراطور فريدريك يتكلمها وقد زار قبة الصخرة في 1229 للتعبير عن إعجابه بها فغضب المسيحيون في القدس. قرر شقيق لويس التاسع التخلص منه فقال له إن أمير تونس ينوي أن يصير نصرانيا، فذهب الملك لويس التاسع لإقناع الأمير ومات هناك، يستنتج المؤرخ "من سخريات التاريخ أن الورع نادرا ما يكون مصحوبا بالذكاء". روي أن فرانسوا داسيز زار فاس لتنصير السلطان في 1214م. بعد 850 سنة اعتبر البابا المعلومة حقيقية، وأعلن الراهب نموذجا لحوار الأديان.

يصف المؤرخ الإنجليزي جون جوليوس نورويتش الأسر التي حكمت المغرب بأنها لم تكن بعيدة عن الاستنارة، وقد سمحت بحرية العبادة حتى كان هناك مطران في فاس خلال القرن الثالث عشر. من جهتهم، قال اللاهوتيون المسيحيون إن أرواح المؤمنين في الفردوس تشاهد الله. ابن سينا قال لا. وقد كانت تصورات اللاهوتية لابن سينا مزعجة في جامعة باريس في 1241م، وقد رد توما الأكويني على هذه البدعة الدينية القادمة من الفكر الإسلامي السنوي. كان هذا التعرف على ابن سينا مقلقا. أما بالنسبة للبابا فقد اعتبر الاطلاع على الفكر الإسلامي تسبب في تشجيع الهرطقة.

كان القرن الثالث عشر محطة فاصلة، فهو عصر انتقال التراث اليوناني إلى أوروبا المسيحية، صار نفوذ أرسطو مهيمنا. كانت هناك عشرات الجامعات في شمال المتوسط خلال القرن الثالث عشر. يقول كاتب المادة في إينيفريساليس: لنختم بالجوهري "الأساسي هو أن العصر الوسيط هو الذي صنع الغرب كمقر جغرافي صلب لحضارة أصيلة" كيف؟ انبعثت الارسطوطالية في نهاية القرن الثالث عشر–ولادة العلمانية من انحطاط العصور الوسطى-وخاصة دور الارسطوطالية في علمنة المسيحية.

لم تستسلم الكنيسة لهذا، لقد كثر حرق كتب، بل حرق الهراطقة لمعالجة الشك الذي تمت مكافحته بأخبار الصلحاء والقديسين بالتوازي مع تحريم الفلسفة. ففي 1210 حرم مجمع باريس دراسة طبيعيات أرسطو، بل وحرم عمل أي تلخيص لها وهذا قرار اتخذه البابا غريغوريوس التاسع سنة 1231م، وهو توجه تبناه البابا أنوست الرابع سنة 1262م (38).

هذه ثلاثة قرارات تحريم في قرن. وكان ابن ميمون في الأندلس حين أوّل التوراة على الطريقة الفلسفية ثم جاء إلى فاس فقام أحبار اليهود في برشلونة بمنع تدريس الفلسفة للطلبة أقل من سن الخامسة والثلاثين.

في جنوب المتوسط أحرق الموحدون كتب الفلاسفة وأهانوا ابن رشد، وانتشر كتاب الغزالي إحياء علوم الدين، يقول ناشر كتاب "الإحياء" في تقديمه: "كان لتعريب الثقافة اليونانية وغيرها من الثقافات الأعجمية، تنفيذا لرغبة الخليفة العباسي ـ المأمون ـ أثره الرجعي على الحركة الفكرية، واستفحل أمره وزاد خطره في أواخر القرن الثالث الهجري... وما أن فتح القرن الخامس صفحاته، حتى كادت المادية الملحدة أن تأتي على بنيان الدين... وفي هذا الظرف العصيب وقف الغزالي يناضل عن تعاليم الإسلام الحقة، فأخذ في وضع تآليف... فحال بتآليفه هذه دون وقوع الكارثة".

كانت تلك حربا ضد أرسطو وضد الشك. وقد كان السرد الديني يسعى لشغل الفراغ في حياة المؤمنين قبل أن يملأه المتجادلون. كان القرن الثالث عشر قرن المتصوفة الكبار ليردوا على الخطر. كان ذاك قرن فريد الدين العطار ت 1230م، شهاب الدين السهروردي ت 1234م، ابن الفارض ت1235م، ابن عربي ت 1240م، أبو الحسن الشاذلي ت 1258، جلال الدين الرومي 1273م، أبو العباس المرسي 1281م، البوصيري ت 1295... قرن أخويات فرانسوا داسيز ت1226م، وتوما الأكويني ت 1274م، وأسطورة يعقوب الفوراجيني ت 1298م.

من أين جاء التصوف الذي يمجد العزلة والتقشف شمال المتوسط؟

في بداية انتشار المسيحية كان البحث عن العزلة والتقشف ثورة نفسية ضد فساد المجتمع الروماني. وفي العصر الوسيط كان توما الأكويني (والحركة الدوناتية) يحارب الأرسطوطالية والهرطقة، وكان الرهبان الكبار يحاربون التفلسف. كثرت الأديرة والتيارات مثل مؤسسة توما الأكويني، وفرانسوا داسيز، للدفاع عن تدين القلب.

كان أرسطو يحارب على يد الرهبان أنفسهم ومن أشهرهم توما الأكويني... كانت شواطئ فرنسا مزدحمة بالقديسين. فمن ينظر لخريطة جنوب فرنسا يجد كثرة القديسين والمدن التي تحمل أسماءهم...

جنوب المتوسط قدم ابن خلدون التفسير نفسه وهو يعترف بأن "التصوف حادث في الملة"، فمن أين جاء؟ يجيب: "فلما فشا الإقبال على الدنيا... اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية والمتصوفة".

جرى هذا في الضفتين، من فرط التشابه جرت مقارنة تصورات المتصوفة بل وجرت مقارنة بين تراتبية الشيخ والمريد على أنها نسخة مسيحية، التصوف ظاهرة متوسطية، وقد كان الصلحاء والقديسون يدعمون تدين القرن، لأنه دون أضرحة ومزارات قديسين يصير الدين مجردا لا تدركه العامة... وقد كثر السرد لملء حياة المؤمنين وكبديل للتفلسف نشر اللاهوتيون سير القديسين وهم يكافحون المرض والفقر... وتخبرنا الأمراض التي يعالجها الأولياء عن مشاكل العصر. كما تخبرنا كثرة مدح القديسين بالكرم والمساعدة عن المسكوت عنه هو كثرة البؤساء المحتاجين للمساعدة...

هل ماء المتوسط حاجز أم جسر؟ تداخل السرود واشتباكها بين ضفتي المتوسط

في القرن الخامس عشر تداخلت السرود وتعايشت وظهرت سانت فاتيما (فاطمة) بالبرتغال، وهي مسلمة صارت مسيحية حقيقية وظهرت معجزاتها ويحج إليها سنويا مئات آلاف الأشخاص حفاة في القرن الواحد والعشرين...

تطرح هذه التشابهات أسئلة آنية ومشروعة عن وحدة الشعور الديني عند الإنسان في وقت غطى الصراع وتضارب المصالح الأصل المشترك للبشر، ووظيفة الدراسات الثقافية أن تكشف ذلك الأصل الموحد وتحتفي به وتعلي من شأنه لتجنب الصدامات، خاصة وأن الكثير من الصدامات الكونية تنطلق من البحر المتوسط حيث مهد الأديان التوحيدية.

في وقت صار العالم قرية صغيرة على الأنثروبولوجيا أن تنهض بدورها في وصف وتأكيد تشابهات البشر لتنسيب صراعاتهم وتسهيل تفاهمهم. وهكذا سيكون لهذا البحث معنى ولن يكون مجرد تمرين ثقافي مجاني. فالبحث الأدبي المقارن لا يجب أن يكون متعاليا عن الواقع ليصير مثاليا.