الوديي: العزلة عن الشعب أفشلت الماركسيين .. والشباب عُمق الحركة

الوديي: العزلة عن الشعب أفشلت الماركسيين .. والشباب عُمق الحركة

قال عبد العزيز الوديي، القيادي الطلابي نائب رئيس المؤتمر الخامس عشر للاتحاد الوطني لطلبة المغرب (أوطم)، إن المؤتمر الذي كان نائبا لرئيسه تحول إلى ما يشبه "عام الفيل" في تاريخ الحركة الماركسية-اللينينية (الحملم)، ويذكره بـ"قنبلة المارشي سنترال" بالدار البيضاء في تاريخ المقاومة المغربية، التي يدّعي المئات من المقاومين "أبُوَتَهُم" لتلك العملية الفدائية، وقد "أصبح ذلك المؤتمر، التاريخي والهام في مسيرة الحركة، موضوع الكثير من القيل والقال، بل وحتى العديد من الأساطير".

وأضاف الوديي، في تقديم حوار ينشر في خمسة أجزاء، أن شهادته حول تاريخ الحركة الماركسية اللينينية المغربية و"أوطم" تنطلق من تجربته المحدودة في الزمان والمكان داخل تلك الإطارات النضالية.

وبديهي أنه لم يعتمد في هذه الشهادة على ذاكرته الشخصية وعلى بعض الوثائق النادرة فقط، بل عمد إلى الاستعانة أيضاً بذاكرة مجموعة من الرفاق الذين عاشوا تلك "الوقائع" و"الأحداث" من أجل تصحيح بعض المعلومات أو تأكيدها أو نفيها، مشيرا إلى أن "الاستشارات الرفاقية كانت مفيدة للغاية بالنسبة لما أضعه بين يدي القارئ اليوم، والذي يبقى مع ذلك مجرد شهادة وليس تاريخاً أو تأريخاً بالمعنى العلمي للمصطلح".

وأوضح القيادي الماركسي أنه لن يتناول التكتيكات التي بلورتها "الحملم" من أجل إنجاز المهام الثورية الجسيمة التي أعلنتها وسعت، بكل قواها، إلى تحقيقها. كما أنه لن يتعرض إلى أسباب عدم قدرة "الحملم" على التجذر في صفوف أصحاب المصلحة الأساسية في الثورة (العمال والفلاحون الفقراء) وبقائها معزولة عن تلك الجماهير. غير أنه لا مندوحة من طرح تساؤلات فيما يخص محاولات تفسير انكسار "الحملم" بعامل القمع الجهنمي الذي سلطه النظام على الحركة الناشئة منذ مطلع سبعينات القرن الماضي، "بمعنى هل يكفي العامل القمعي لتفسير أو تبرير فشل حركتنا في إنجاز مهامها التاريخية؟".

وأشار الوديي إلى أن "الشبيبة بشقيها الطلابي والتلاميذي كانت هي القاعدة الاجتماعية/الطبقية الرئيسية للحملم. وهي البيئة التي نشأت فيها الحركة وترعرعت، كما أنها اكتسبت السمات الأساسية التي طبعتها من ذاك الوسط الاجتماعي الشاب، المتحمس والمتعطش إلى فك الارتباط مع الآباء-الذين يمثلون روح المحافظة والتشبث بالتقاليد-والطامح إلى تغيير جذري لواقعه ولواقع المجتمع برمته".

وأورد الوديي أن "عمق الحركة هو فئة من الشباب الذي لا يُشكل طبقة اجتماعية بطبيعة الحال-ينتمي سوادها الأعظم للبرجوازية الصغرى المدينية، كما ينحدر بعضه من الطبقات الشعبية الفقيرة، بل وحتى المعدمة في المدن والبوادي، بالإضافة إلى نزر قليل من المناضلين من ذوي الأصول البرجوازية الكبرى أو "الأرستوقراطية"، إلا أن الفئة الاجتماعية السائدة في صفوف الحركة كانت، بكل تأكيد، هي البرجوازية الصغرى المدينية".

وزاد موضحا: "لإثبات ذلك تكفي العودة إلى صكوك الاتهام وإلى منطوقات الأحكام المتعلقة بكل المحاكمات، الكبيرة منها والصغرى، التي تمت فيها متابعة مناضلي ومناضلات "الحملم" وصدرت خلالها آلاف السنين في حقهم؛ وذلك خلافا للمناضلين الاتحاديين الذين كانت حركتنا تصفهم بوصمة خطأ بـ"البلانكيين".

ولفت الوديي إلى الدور الحيوي الذي اضطلعت به خديجة المنبهي، زوجته، في مجمل مسيرته النضالية؛ إذ "بفضل نضالها وجرأتها، التي عزّ نظيرها، تمكنت من البقاء على اتصال بالعالم الخارجي وبرفاقي لما كنت معتقلا، كما أنّها كانت بارعة ومُبدعة في فن إتلاف الهوية الفعلية للكتب أو تمويهها، وفي تسريب ما كان ممنوعاً إدخاله إلى السجن".

وأكمل بأنها كانت المناضلة الوحيدة الملتزمة سياسيا في إطار "الحملم"، تنظيم "ب" ضمن عائلات معتقلي "مجموعة أنيس بلافريج"، فضلا عن كونها تعرضت باستمرار للاعتقال والاستنطاق كلما حدث طارئ داخل السجن أو خارجه. وهي التي ساعدته على تجنب العديد من الانزلاقات والهفوات الشخصية والسياسية بعد إطلاق سراحه. وللإشارة، فإن جلّ العائلات (الأمهات، الآباء بل وحتى الزوجات) لم تكن على علم بنشاط ذويها، ولم تتفهم سبب اعتقالهم! غير أن ذلك لم يحُل دون تحوّل تلك العائلات إلى تشكيل السند الرئيسي الذي دعم المعتقلين السياسيين بالمغرب طيلة كل مدة اعتقالهم.

ورحب الوديي بـشكل مسبق بكل انتقاد مادام يأتي من حسن نية ويروم تصحيح الأخطاء التي قد يرتكبها عند سرده للوقائع والأحداث، واعتبر أن "المهم هو التقرب أكثر ما يُمكن مما جرى في الماضي وصولاً إلى حقائق تاريخية تُفيد ذاكرة المُضطَهدين حاضراً وعلى الأخص مستقبلاً. والغاية من هذا النشر ليست هي تمجيد ماضينا والبكاء على أطلاله، بقدر ما هي الاستفادة من الأخطاء من أجل المساهمة في بناء مستقبل أفضل، ليس إلا!".

************************

تصويبات:

ـ يقول ماوتسي تونغ إن المناضلين الثوريين هم على غرار «السمكة في الماء» وسط الپروليتاريا والفلاحين الفقراء. ذلك أن الدرع الذي يحمي الثوريين هي بالضبط الجماهير الشعبية التي تحتضنهم ويعيشون تحت كنفها. وبالتالي، ليست التوجيهات ولا النصائح «كيف نواجه القمع»، ولا حتى الصمود البطولي لبعض الرفاق هو الذي من شأنه أن يحمي الحركات الثورية من القمع والاستئصال كما حدث لحركتنا.

ـ القمع الرجعي عامل ملازم لكل عمل أو فعل ثوري. ولا وجود لحركة ثورية في العالم لم تتعرض لأبشع أشكال القمع والتنكيل والتقتيل. واعتقاد العكس مُجانِب للصواب وخطأ قاتل.

ـ أعتقد أنه لا يسوغ تبرير أو تفسير فشل حركتنا في تحقيق أهدافها الثورية النبيلة بعامل القمع - إننا كنا نطمح إلى القيام بثورة و«الإطاحة بالنظام الملكي وإقامة نظام جمهوري محله»- حسب ما جاء في صك الاتهام الخاص «بمجموعة بلافريج ومن معه». ولذلك، هل كنا ننتظر أن «يضربنا النظام بالسْفَنْج»!

ـ إن الدفع بالقمع لتفسير - وبالأحرى تبرير- فشل حركتنا هو في اعتقادي محض تملص - واعٍ أو لا واعٍ لا يهم- من مسؤوليتنا الثابتة في كل ما جرى... طبعاً القمع بشع وهو فعل منافٍ للأعراف الإنسانية وينبغي فضحه والتنديد به. غير أنه لا ينبغي اللجوء إلى عامل القمع من أجل طمس وإخفاء الأخطاء السياسية والتنظيمية التي ارتكبتها حركتنا على كافة المستويات الاستراتيجية منها والتكتيكية.

ـ والحقيقة الأكيدة التي لا غبار عنها هي أن العزلة القاتلة لحركتنا عن الجماهير الشعبية - التي كنا ندعي تمثيل مصالحها- هي السبب في نجاح القمع في اجتثاث جذور حركتنا بين عشية وضحاها! نعم لم يكن لنا أي سند شعبي يحمي مناضلينا من بطش النظام ولذلك سقطت القيادات والقواعد تساقط أوراق الشجر.

كلمة أخيرة: كيف نُفسر كون المقاومة المغربية المسلحة للاستعمار استطاعت الاستمرار وانتزاع الاستقلال رغم آلية القمع الجهنمي الذي سلطه عليها الاستعمار.. بكل بساطة لأنها كانت تنعم بدفء احتضانها من طرف الشعب المغربي.

ثم كيف يمكن تفسير استمرارية «الاتحاد الوطني للقوات الشعبية» - دون الخوض في ما آل إليه بعد مؤتمره الاستثنائي وتحوله إلى «الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية»- رغم القمع الرهيب والتقتيل والاغتيالات التي تعرض لها مناضلوه منذ مطلع ستينيات القرن الماضي (وهو قمع لا يُقارن بالقمع الذي تعرضت له حركتنا)... إن «الاتحاد» كان حقاً حزب الشعب المتجذر في صفوف الجماهير الشعبية المغربية في كل أرجاء الوطن.