هكذا كان التساكن يؤاخي مسلمين ومسيحيين عبر قرون بالمملكة

هكذا كان التساكن يؤاخي مسلمين ومسيحيين عبر قرون بالمملكة

في خضم ما يشهده العالم من تنامي موجات العنصرية والكراهية، تعكس وثائق نادرة تُعرض في معرض "الحضور المسيحي بالمغرب: العيش المشترك"، الذي تنظمه مؤسسة أرشيف المغرب بشراكة مع مجلس الجالية المغربية بالخارج، صورة حضارية راقية للتعايش السائد بين المسيحيين والمغاربة منذ قرون من الزمن، ولازال ساريا إلى اليوم.

وتُبرز الوثائق المعروضة في المعرض الذي تحتضنه مؤسسة أرشيف المغرب بمدينة الرباط أنّ التعايش بين المغاربة والمسيحيين كان يرعاه السلاطين، ويظهر ذلك من خلال عدد من الرسائل المتبادلة بينهم وبين مسؤولي الكنائس المسيحية، ومنها رسالة يعود تاريخها إلى سنة 1250 ميلادية، بعثها الخليفة الموحدي أبو حفص المرتضى إلى البابا إنوسانت الرابع عشر، بشأن تعيين راهب يهتم بأمور النصارى المقيمين بالمغرب.

وتُظهر الوثائق المعروضة في معرض "الحضور المسيحي بالمغرب: العيش المشترك" العلاقات الطيبة والتوقير والاحترام الذي كان سائدا بين المغاربة والمسيحيين. ومن الوثائق الدالة على ذلك ظهير محمد الشيخ الصغير السعدي بخصوص توقير القس نكلاس القشتالي، الذي يعود تاريخه إلى سنة 1637 ميلادية.

ومما جاء في ظهير الشيخ الصغير السعدي أنّه حمل على القس نكلاس القشتالي "الحُرمة والمهابة والأمان التام في وروده وصدوره، فلا سبيل لأحد عليه من رياس المسلمين المسافرين في البحر وغيرهم من القراسيل، ولا يقربون ساحته بسوء ولا مكروه، والواقف على هذا الأمر الكريم يعمل بمقتضاه".

وثمّة ظهائر أخرى في المعرض تعكس الأمان والوقار الذي يحظى به المسيحيون في المغرب، ومنها ظهير للسلطان مولاي عبد الملك، يأمر فيه شيوخ القبائل وكافة الرعية بالإحسان إلى النصارى الفرايلية، سنة 1728، وظهير آخر للسلطان مولاي علي، صدر بتاريخ 1734 ميلادية، بخصوص الإذن للفرايلية النصارى بالمقام بحضرة فاس بأمن وأمان.

وتمّ تقسيم الوثائق المعروضة في معرض "الحضور المسيحي بالمغرب: العيش المشترك" إلى أربعة أقسام؛ وهي "أمان وتوقير واحترام"، و"حقوق وحريات"، و"الحياة الاجتماعية"، و"المغرب والفاتيكان: روابط متينة متجددة".

ويضم القسم المتعلق بالحقوق والحريات وثائق تبرز مدى احترام حقوق المسيحيين في المغرب، ومنها ظهير السلطان أحمد بن مولاي إسماعيل في شأن حرية السفر والتنقل لفائدة التجار النصارى، ويعود تاريخه إلى سنة 1727، وظهير السلطان سيدي محمد بن مولاي إسماعيل، إلى كافة شيوخ القبائل، بتاريخ 1736، في شأن توقير رجال الدين المسيحيين وحمايتهم ومساعدتهم.

"الوثائق التاريخية التي تُعرض هنا تعكس أنّ حضور المسيحية في المغرب ممتدّ في الزمان"، يقول بتأثر كريستوبال روميرو لوبيز، أُسقف كنيسة الرباط، خلال الكلمة التي ألقاها بمناسبة افتتاح معرض "الحضور المسيحي بالمغرب: العيش المشترك". وفي السياق نفسه قال عبد الله بوصوف، الأمين العام لمجلس الجالية المغربية المقيمة بالخارج، إنّ المعرض يعكس أنّ المغاربة والمسيحيين عاشوا في ودّ وسلام وإخاء منذ قرون من الزمن.

وأبرز بوصوف أنّ الوثائق المعروضة تؤكد أنّ المسيحيين في المغرب ظلوا يتمتعون بكل حقوقهم، ومنها حق ممارسة الشعائر الدينية بحرية، وحرية التنقل، والحق في أن يكونوا فاعلين في المجتمع.