هكذا بترت يد بلحسن الوزاني في الانقلاب العسكري الفاشل بالصخيرات

هكذا بترت يد بلحسن الوزاني في الانقلاب العسكري الفاشل بالصخيرات

6/5

للقضاء على الفساد الداخلي يرى الوزاني أنه من الضروري أن تتسلم قيادة سياسية متنورة وكفأة المسؤولية، وتعمل على محاربة كل مظاهر الفساد التي نخرت دواليب الدولة وبنية الحكم. فالمغرب ليس أمامه خيار، إذا أراد تجنب الانقلابات العسكرية التي وقعت في الوطن العربي، سوى اللجوء إلى القيام بثورة من أعلى يقودها عاهل البلاد بمساندة نخبة سياسية حازمة وكفأة.

من ثورة الملك والشعب من أجل الاستقلال إلى الثورة لمحاربة الفساد

يرى الوزاني أن استمرارية ثورة الملك والشعب، التي يحتفل بها كل سنة كذكرى لحصول المغرب على استقلاله، تحتم أن تتواصل من خلال القضاء على التخلف الذي من سماته القضاء على الفساد السياسي، الذي ينخر كيان الدولة والمجتمع، والذي يمكن أن يؤدي إلى تعرض البلد إلى عدم الاستقرار السياسي على غرار الانقلابات العسكرية التي عرفتها بعض البلدان في المنطقة العربية. وفي هذا السياق كان الوزاني يستحضر تجربتين سياسيتين، الأولى داخلية والثانية خارجية.

التخوف من شبح الانقلابات العسكرية

كان الوزاني يتخوف من أن يعاني المغرب بدوره من الانقلابات العسكرية التي عرفتها بعض البلدان العربية، حيث كتب بهذا الصدد ما يلي :

"ونحن أمام الانقلابات التي وقعت أو قد تقع في الشرق العربي لا يمكن أن نبقى مكتوفي الأيدي وشعارنا: ليس في الإمكان أبدع مما كان! كما أنه لا سبيل إلى الظن بأن تلك الانقلابات لا تعنينا في شيء مطلقا، أو لا تعنينا بقدر ما تعني الشعوب التي قامت فيها. فإذا كان هذا هو موقفنا فإن القائمين بتلك الانقلابات – أحببنا أم كرهنا – يعنيهم من أمرنا ما ربما لا يخطر ببال المسؤولين في هذه البلاد.

ولا أدل على هذا من (ميثاق العالم العربي المحرر)، الذي أعلن يوم الثاني عشر من مارس في دمشق نتيجة المفاوضات السورية العراقية، وصدر به بلاغ مشترك بين الطرفين اللذين لم يكتما أن مفاوضاتهما إنما كانت تتمة للمحادثات التي جرت من قبل بين ممثليهما وبين كل من الرئيس جمال عبد الناصر والرئيس ابن بله، وفي الوقت الذي توجهت فيه بعثة سورية ستزور قريبا القاهرة، وصنعاء، وبغداد، والجزائر لعرض مشروع الميثاق وتنسيق الجهود والخطط على أسسه التي منها الوحدة العربية.

فماذا أعددنا إذن لمواجهة الأحداث التي تنبئ بها حركة (ميثاق العالم العربي المحرر) وقيام (محور خماسي) يمتد من بغداد إلى الجزائر عن طريق دمشق، وصنعاء والقاهرة؟

إن الأمر، في نظرنا، جد، وليس بهزل، فهل هذا كذلك رأي المسؤولين في المغرب؟". فبالنسبة إلى التجربة السياسية الداخلية: فقد كان الوزاني يرى أن المغرب مر في تاريخه السياسي الحديث بتجربة فريدة من نوعها تحالف فيها الملك والشعب لمجابهة المستعمر والحصول على استقلال البلاد؛ حيث يمكن استعادة هذه التجربة للقضاء على الفساد.

إذ "بكلمة صريحة نعلن أنه لا سبيل إلى القضاء على الفساد الداخلي إلا بواسطة إصلاح انقلابي يستأصل هذا الفساد ويطيح بالمفسدين، ويقيم في البلاد وضعا سليما يمتاز بالنظام المحكم، والقيادة الصالحة والسياسة المثلى. والانقلاب – كما ننادي به – لا نريد أن يتحقق بوسائل القوة والعنف، بل بالطرق السلمية، والأساليب السياسية والوسائل التشريعية على يد مصلحين انقلابيين حقا ويقينا.

فالبلاد في أشد الحاجة إلى هذا النوع من الانقلاب بعد أن آل أمر ثورتنا التحريرية إلى ما آل إليه من إهمال ونسيان، حتى أنها أصبحت لا تذكر إلا في المناسبات، والدعايات، ولم يبق لها من شأن غير ما لذكريات التاريخ الوطني، وإذا حق لنا أن نفخر بتلك الثورة المباركة وبما حققته من انتصارات في سبيل السيادة والاستقلال، فإننا نأسف أشد الأسف على أن كان مصيرها العفاء والاندثار.

وحيث إن تلك الثورة الجبارة قد حققت هدفها الأول، وهو استقلال الوطن تحت القيادة الرمزية والفعلية معا للملك الراحل – تغمده الله بالرحمة والمغفرة- أفلا يمكن أن تتجدد في انقلاب إصلاحي تخوضه الأمة جمعاء تحت قيادة خلف الملك الراحل: جلالة الحسن الثاني؟ وهكذا يصل الانقلاب الجديد ما انقطع من الثورة الماضية ويواصل الملك الابن وثبة الملك الأب، ويكون انقلاب اليوم امتدادا وتكملة ثورة الأمس.

إننا - بصراحة - لا نرى للقضاء على أوضاع الفساد الداخلي، وإصلاح الدولة والمجتمع وسيلة أسرع وأجدى من الانقلاب بالطرق الشرعية الحكيمة الفعالة، وتحت قيادة جلالة الملك الحسن المؤتمن ومن حوله عصبة الحق والعمل، أي نخبة جديدة صالحة من رجال الإيمان والاستقامة، والكفاءة، والمسؤولية.

وهذا الانقلاب الذي نؤمن به، وندعو إليه لا يخرج – في حقيقته – عن الانقلابات التي تجدد الحياة في المجتمع، وتكسب الدولة قوة وعزة، والأمم نهضة ورفعة".

تجربة نهرو الإصلاحية

فيما يخص التجربة السياسية الثانية؛ فهو يستحضر بهذا الصدد صعود نهرو إلى الحكم والسياسة التي انتهجها لاستئصال الفساد بالهند حيث كتب ما يلي :

" في العشرين من غشت 1963 أحيت الحكومة الذكرى الرسمية لثورة الملك والشعب جريا على التقليد المتبع في عهد الاستقلال، وقد تحدثنا في العدد الماضي عن أصل وحقيقة هذه الثورة لا كمجرد ذكرى، بل كسياسة يجب أن تكون مطبوعة بالطابع الثوري لتضمن به استمرار ثورة الملك والشعب في عهد الاستقلال وما يتحتم أن يتم فيه من تحطيم وبناء، ومن تغير وإصلاح تسود في البلاد والمجتمع والدولة أوضاع جديدة صالحة تكون جديرة بتلك الثورة التحريرية التي لا يمكن أن يطابق اسمها إلا إذا كانت محررة لنا من التخلف كما كانت محررة للبلاد من سيطرة الاستعمار.

ولم يكد يمر أسبوع على ذكرى هذه السنة لثورة الملك والشعب حتى حدث في الهند (انقلاب) من أعلى طرأ فجأة على الوضع الحكومي بتدبير من الرئيس نهرو نفسه، الذي طالما من مواطنوه وغيرهم في الداخل والخارج أنه من أبعد الحكام والرؤساء عن استعمال الأساليب الجريئة القصوى في تدبير شؤون الحكم والسياسة.

وعن ما حدث من تغير انقلابي في الحكومة الهندية لا يعتبر مجرد تعديل وزاري كما هو معهود في بلادنا، أو حتى في البلاد التي تعدل فيها الوزارات أساسيات، لا شكليا . وخلاصة (الانقلاب) الحكومي.. أن الرئيس نهرو أصبح الرجل المسيطر بكيفية مطلقة على الهيئة الوزارية بعدما أجلى عنها عددا من كبار الشخصيات السياسية التي كانت تتقلد معه زمام الحكم في وزارات كبرى منذ عشرات السنين، ومن بينهم: وزير الداخلية، وزير المالية، وزير الفلاحة ووزير النقل، وهؤلاء كغيرهم من الوزراء المبعدين عن الحكم يعدون من كبار زعماء الحركة الوطنية، والمؤتمر الهندي الذي هو حزب الأغلبية في البلاد، كما هو الحزب الحاكم باستمرار.

أما كيف دبر وتم إخراجهم من الحكومة المركزية فتتخلص قصته فيما يلي: منذ اقتنع الرئيس نهرو بأن حزب المؤتمر الهندي بعد ست عشرة سنة مضت عليه وهو يمارس الحكم ومسؤولياته وتجاربه – قد أصبح يعاني أزمة سياسية معنوية خطيرة على كيانه ومصيره، فأصيب من جرائها بضعف، وهلهلة وانحلال، وهزال لم يعد مع هذا كله كما كان حزبا شديد الحيوية وقوي النشاط حسن السمعة، سليم النفوذ.

وقد فكر الرئيس نهرو أن يتخلى عن مسؤولية رئاسة الحكومة لينفرد برئاسة الحزب ويتفرغ لعلاج أمراضه، وإصلاح فساده، ونفخ روح جديدة في جسمه وذلك بتلقيحه دما نقيا، ومن أجل هذا وضع تصميما خاصا تولى المجلس الأعلى لحزب المؤتمر بحثه وقراره، وأثناء المداولات تقدم الرئيس نهرو بعرض استقالته من رئاسة الحكومة ليختص بخدمة الحزب على أساس تنفيذ التصميم المهيأ لتجديد حياته، وإصلاح نظامه وتقوية كيانه، ولكن القوم أجمعوا في حماس على استمرار الرئيس نهرو في منصب رئاسة الحكومة فلبى رغبتهم، تمسك بقرارهم لحاجة في نفسه، ولم يكن يشعر أولائك الوزراء الكبار الذين رفضوا بإجماع وحماس استقالة الرئيس نهرو بما كان يدبر لهم في سر وخفاء، وهو العمل على تنحيتهم من كراسي الحكم ونقلهم منها إلى دوائر الحزب ليتولوا هم أنفسهم تنفيذ التصميم المعد بموافقتهم لانتشاله من الوهدة، وانتعاشه بروح الفتوة والحياة، حتى أقدم الرئيس نهرو على (العملية الجراحية) الكبرى التي أجراها فجأة بما دل على جرأة ومهارة نادرتين، والتي تناولت عدة شخصيات وزارية عظمى تعتبر من أقوى دعامات الحزب والحكم في القرة الهندية، ومن أساطين الزعامة السياسية فيها.

ولم يكن من شأن هذا كله أن يلقي في روع هؤلاء الرجال العظام أنهم غير خالدين في الحكم خلود الرئيس نهرو نفسه فيه، ولكنه أفهمهم أن الواجب والمصلحة يقضيان عليهم بأن يكونوا منطقيين مع أنفسهم فيستقيلوا هم من الحكومة ليتفرغوا لتنفيذ تصميم الحزب الذي كانوا من المتحمسين له ومن المجمعين على قبوله وذلك بعد أن رفضوا (تلقائيا) استقالة نهرو من أجل الحزب، فلم يسعهم مع هذا إلا أن يتقدموا كلهم بالاستقالة طوعا أو كرها، وأن يذهبوا ضحية موقفهم النبيل، وينتحروا بسلاحهم، كما قال أحد الملاحظين.

تلك هي العملية الجراحية التي تمت أخيرا في الهند، وقد عدها الملاحظون بمثابة انقلاب سياسي بارع دبره ونفذه الرئيس نهرو بإقدام ومهارة ودهاء وبهذا تمكن من إنقاذ مركزه، وسلطته، ونفوذه قبل أن يمكن (ضحايا) هذا الإنقاذ من الانصراف عن الحكم لإنقاذ الحزب باسم التصميم المعدل، وهكذا استطاع نهرو أن يصطاد عصفورين بحجر واحد، كما يقال، فيتخلص بلباقة ممن يضايقونه داخل الحكومة، ويسعى بواسطة الذين تخلص منهم في خلاص الحزب مما يعانيه من مشاكل وأزمات مخيفة.

ولسائل أن يسأل: ما هي علاقة كل هذا بما تحدثنا به عن ثورة الملك والشعب؟ والجواب عليه هو أننا أردنا أن نستنتج من الانقلاب السياسي كما حققه الزعيم نهرو في حكومته استنتاجات للعبرة والقدرة، ونختصر القول فيها بالإشارة إلى هذه الحقيقة، وهي أن الانقلابات السياسية لا تنبعث دائما من أسفل، بل تدبر أحيانا من أعلى...

فقد أجملنا الحديث يومئذ عن الأوضاع في المغرب دولة ومجتمعا يشبه (الرجل المريض) المصاب بداء عضال هو (الفساد الداخلي) كبرى تستأصل الجرثوم، وتطهر منه جسم الدولة والمجتمع، وما هذه العملية الجراحية إلا (انقلاب) يتم على يد قيادة صالحة بكل ما في الكلمة من معنى".

أدوات الانقلاب السياسي من أعلى

من خلال استحضار هاتين التجربتين يرى الوزاني أنه بالإمكان إحداث انقلاب سياسي من أعلى يتم من خلاله اللجوء إلى الوسائل التالية :

أولا، قيادة جديدة صالحة من أعلى إلى أسفل، وتتمثل في نخبة ثورية مؤمنة فعالة تتألف من رجال نزهاء وأكفاء يصلحون للقيام بمهام ومسؤوليات الانقلاب المنشود بالوسائل المشروعة: السياسية، والتشريعية، والإدارية.

ثانيا، برنامج ثوري صحيح يكون واضح الأهداف محكم الخطط والوسائل، صالحا للعمل والتنفيذ في الحاضر والمستقبل.

ثالثا، ثقة ومساندة الشعب في نطاق تعبئة جماهيرية حقيقية ذات أنظمة محكمة وقيادات ووسائل فعالة وإمكانيات وافرة.

رابعا، هزة نفسية في جو من الحماس العام وبروح نهضة وثابة نتيجة ما يحدثه أثر الانقلاب في النفوس مما هو ضروري لبث الانطلاقة الجديرة البناءة التي تستهدف القضاء على الفساد وخلق الأوضاع السليمة التي يتطلبها حاضر المغرب ومستقبله.

ويبدو أنه على الرغم من أمل الوزاني في أن يجنب هذا الانقلاب السياسي أخطار الانقلابات العسكرية التي عرفتها بعض الدول العربية كسوريا والعراق وليبيا وغيرها في بداية سبعينيات القرن الماضي، فإن هذا لم يمنع من أن يتعرض نظام الملك الراحل الحسن الثاني لمحاولة انقلاب الصخيرات في صيف 1971، التي ذهب ضحيتها العديد من الشخصيات العسكرية والمدنية في المملكة، في حين كلفت الوزاني، الذي كان ضمن مدعوي الملك بمناسبة احتفاله بعيد ميلاده، بتر يده اليمنى، مما اضطره إلى مواصلة الكتابة بيده اليسرى للتأكيد على ضرورة محاربة الفساد السياسي الذي يعتبر، في نظره، أحد الأسباب الرئيسية وراء كل الانقلابات الدموية والانفجارات الاجتماعية.