عندما أشهر الوزاني "سيف النقد" على الفساد السياسي في المغرب

عندما أشهر الوزاني "سيف النقد" على الفساد السياسي في المغرب

6/4

على غرار ربط الوزاني مسألة الحصول على الاستقلال بمسألة إقامة نظام ديمقراطي، ربط أيضا بين إرساء نظام ديمقراطي حقيقي وبين القضاء على كل أشكال الفساد السياسي داخل البلاد.

وبهذا الصدد، كتب ما يلي: "وبالإضافة إلى العيوب الأساسية التي تنطوي عليها الهيئة الناخبة المغربية وهي عيوب لا يستطيع أن يصلحها القانون وحده؛ بل تحتاج إلى التربية المثلى وحنكة التجارب وطول الممارسة توجد عيوب أخرى لا تقل عنها فسادا وخطورة، وهي عيوب الأوضاع العامة في المغرب من اجتماعية وخلقية، سياسية –حكومة وحزبية- واقتصادية؛ فجميع هذه الأوضاع السيئة تشكل ما سميناه مرارا بالفساد الداخلي الذي يتفاقم شره، ويشتد خطره مع الأيام والليالي، فكيف يمكن مع هذا أن يقوم صرح الديمقراطية عاليا في بلادنا المنكودة الحظ، لأنها منكوبة على يد أهلها قبل أعدائها؟

وهل يرجى مع الفساد خير وصلاح؟ وعلى فرض أن المغرب قد زود أو قد يزود بدستور يكون المثل الأعلى في بابه؟ فهل يمكن أن يظفر هذا الدستور بالحياة في ميدان التطبيق الكامل السليم؟ إن أي عاقل لا يستطيع أن يتصور شيئا من هذا مطلقا، لأن الفساد والصلاح لا يمكن أن يلتقيا في مواءمة ويقترنا في توأمة... ومن هنا، يتضح لنا جليا أن المسألة في بلادنا ليست مسألة دستور، ولا مسألة انتخابات وما بعدها بل هي مسألة قضاء على الفساد أولا، وإصلاح الأوضاع ثانيا".

الرشوة وفساد الحكم والسياسة

اعتبر الوزاني أن من بين أهم مظاهر الفساد السياسي التي يمكن أن تقوض نظام الحكم بالمغرب هي آفة الرشوة التي استفحلت في نظره في كيان الدولة والمجتمع، حيث كتب بهذا الصدد أن "المغرب – بكل أسف – من البلاد التي ابتليت بالرشوة وتكاثر فيها الرشاة والمرتشون، خصوصا في عهد الاستقلال الذي اندست فيه كثير من عناصر السوء في الوظائف العامة ن وانحطت فيه مستويات الأخلاق والمعاملات واشتد فيه التنافس على الثراء غير المشروع...".

وقد أرجه الوزاني انتشار هذه الآفة السياسية ليس في عدم وجود قوانين وتشريعات لمحاربة هذه الظاهرة؛ بل لبقاء هذه القوانين "حبرا على ورق وغياب الإرادة السياسية التي تنعكس من خلال عدم إعطاء المسؤولين الأولوية لمحاربة هذا الداء السياسي.

وبهذا الصدد، كتب بأن "الشرور والأخطار لا تحتاج إلى فضحها والتشهير بها في الخارج ليسرع المسؤولون إلى الاهتمام بالبحث عن المتعاطين لها، أو المتلبسين بها لمعاقبتهم إداريا وقانونيا؛ بل يجب أن تجعل مشكلة الرشوة ضمن المشاكل الأولى والمهمة التي يعني بها المسؤولون، لأنها فساد عظيم لا يصلح معه حكم، ولا تستقيم سياسة، فكلما أثرت الرشوة في الحكم والسياسة خرجت بهما عن الجادة المثلى، وطبعتهما على الانحراف عن القوانيـن، وعلى الإخلال بالأنظمة، وهونت عليها إهدار حقوق المواطنين والتضحية بمصالحهم المشروعة".

ولمحاربة هذه الآفة، أشار الوزاني إلى ضرورة اتخاذ بعض الإجراءات الإدارية؛ من خلال "العمل بجد وباستمرار لتطبيق القوانين والأحكام والقضاء على الرشوة بمنتهى الشدة والصرامة وعلى جميع الراشين والمرتشين كبارهم وصغارهم، وتشديد البحث والرقابة على جميع الإدارات بدون استثناء لكشف جرائم الارتشاء... وإفساح المجال إداريا لشكاوى جميع المواطنين الذين تعرقل مصالحهم، وتمنع عنهم حقوقهم من الموظفين العاملين بهذه التصرفات لانتزاع الرشوة منهم طوعا أو كرها، وإعادة النظر في الإطارات لتطهيرها من عناصر الارتشاء ومن العناصر التي تحوم حولها شبهات التلاعب بحقوق وبمصالح المواطنين، والقيام بالإصلاح الإداري على أساس يضمن إسناد الوظائف العامة للعناصر التي تتوفر فيها جميع شروط النزاهة، والعفة، والاستقامة مما تتطلبه واجبات ومسؤوليات الوظيفة العمومية"؛ غير أن محاربة الرشوة لا تقتصر، في نظر الوزاني، على الدولة فقط بل هي مسؤولية المجتمع أيضا، حيث يرى بأنه "إذا كانت مقاومة الرشوة من طرف المسؤولين من آكد الأشياء، فإنها كذلك أول ما يفرضه الواجب على المواطنين الذين من بينهم يوجد الراشون ولو لم يوجد في الحكام مرتشون . لهذا نرى أن تحارب الرشوة في المجتمع والدولة معا".

تبذير المال العام وغياب الحكم الرشيد

لاحظ الوزاني أنه من بين المظاهر الكبرى للفساد الداخلي بالنظام المغربي هو تبذير المال العام الذي يطال مختلف دواليب الدولة وإدارتها والمؤسسات التابعة لها. ويتجسد هذا الإشراف والتبذير من خلال:

ـ كثرة الوظائف والموظفين،

ـ استنزاف الأطر الأجنبية للميزانيات،

الإكثار من الحفلات والمآدب والتنقلات والرحلات في الداخل والخارج،

ـ لعبث بأموال وأملاك الدولة،

ـ المبالغات في المصاريف والسمسرات.

ويضيف الوزاني بأن مظاهر هذا التبذير لم تؤد فقط إلى إهدار أموال الدولة؛ بل أيضا إلى خلق شريحة اجتماعية اغتنت من خلال التلاعب بممتلكات الدولة وإثراء غير المشروع، وكذا "احتكار الثروات في أيدي الحكام والمحظوظين". ومما ساعد على استفحال هذه الظاهرة عدة عوامل من أهمها: غياب نظام مالي ضرائبي معقلن، وعدم التوفر على حكم صالح سواء على الصعيد الحكومي أو النيابي، وانعدام أساليب للمتابعة والمراقبة المالية الفعالية.

وفي هذا السياق، أكد الوزاني على ما يلي: "وغني عن البيان أن ميدان المالية هو أحد الميادين التي يتجلى فيها الفساد بصورة بارزة يتجسم فيها شره المستطير، وكلما ذكرنا فساد المالية العامة تصورنا سياسة الإسراف والتبذير التي سارت عليها الحكومات في عهد الاستقلال بدون استثناء، وقد كان هم تلك السياسة جلب أكثر ما يمكن من الأموال بالحق أو الباطل وعدم الاعتدال والاقتصاد في المصاريف والنفقات العامة هذا من جهة.

ومن جهة أخرى، فإن المالية العامة، سواء منها ما جني من الشعب عن طريق نظام الضرائب المباشرة أو ما جلب من المداخيل القومية أو أخذ من المصادر الخارجية قد كانت وما فتئت عرضة لما لا يخطر ببال من أنواع الإتلاف، وأساليب الاختلاس من طرف بعض الموظفين الذين لم يتورعوا في الماضي، ولا يتورعون في الحاضر في خيانة الواجب والعهد والأمانة وغير خفي أن من وسائل إتلاف الأموال العامة عدم صرفها فيما هو ضروري، وأكيد، ونافع.

ومما ساعد على الفساد في ميدان المالية بصفة عامة، نظام الضرائب والجباية بصفة خاصة، وعدم توفر البلاد في عهد الاستقلال على حكم صالح سواء على الصعيد القومي الحكومي منه والنيابي أو على الصعيد الشعبي عن طريق المجالس التمثيلية والمنظمات الجماهيرية ذات الكفاءة والصلاحية لأداء واجبها في المراقبة والمحاسبة".

ولمعالجة هذا الوضع، آمن الوزاني إيمانا شديدا بأن الفساد الذي ينخر بنية الحكم بالمغرب يمكن أن تتم معالجة انحرافاته والحد من تأثيراته السياسية من خلال الإصلاح. وهكذا، طرح الوزاني ثلاثة إجراءات سياسية لإصلاح الحكم تتمثل في: ديمقراطية حقة، والانقلاب من أعلى، وتعددية حزبية.