بلحسن الوزاني .. مفكر سياسي دافع عن التعددية الحزبية بالمغرب

بلحسن الوزاني .. مفكر سياسي دافع عن التعددية الحزبية بالمغرب

6/3

إلى جانب الدعوة إلى إرساء نظام ملكية دستورية حقيقية بالمغرب، دافع محمد بلحسن الوزاني، رئيس حزب الشورى والاستقلال، عن ضرورة إرساء نظام تعددية حزبية حقيقية يحرك مكونات المشهد السياسي الوطني. وهكذا، ينطلق الوزاني من مبدأ التعددية كأساس لمجتمع سياسي سليم. وهذه التعددية تصدق بالأساس على المنظومة الحزبية التي ينبغي أن تترسخ وتتجذر في النظام السياسي المغربي؛ فهذه المنظومة تبررها، في نظره، الروح الوطنية وكذا نظام الحكم في الإسلام.

إن الوطنية تقتضي، في "المنظور الوزاني"، وجود الأحزاب وتعددها؛ فإذا كانت الحزبية، كما نفهمها ونطبقها، هي الوطنية أساسا ونظاما وسلوكا ومنهاجا فإنها بدون شك حزبية فاضلة ومشروعة؛ لأنها باعتبارها من الوطنية الحق وإليها، جماع كل خير وصلاح وفلاح".

الوحدة المذهبية والتعددية الحزبية

للرد على كل مفهوم أو فكرة ترى في التعددية الحزبية تعارضا مع الروح الإسلامية، اعتبر الوزاني أن التعددية الحزبية لا تتناقض مع مفهوم وحدة الأمة الذي ينص عليه الإسلام، خاصة إذا كان هذا التعدد يستند إلى تعاقد سياسي بين الأمة وقيادتها.

وفي هذا السياق، أورد الوزاني ما يلي: "وحدة الأمة والقيادة فيها لا تتنافى مع وجود الأحزاب واختلافها في الآراء والمناهج الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ولا مع قيام الأغلبية والأقلية في رأيها العام ومجالسها التمثيلية.

وإذا كان الرسول (ص) يقول: (أن يد الله مع الجماعة) و(عليكم بالجماعة والعامة)، فإنه كذلك يقول: (اختلاف علماء أمتي بالجماعة والعامة)، فإنه كذلك يقول: (اختلاف علماء أمتي رحمة) و(اتبعوا السود الأعظم) وإذا كان القرآن يتحدث عن (أولي الأمر) وهم الولاة والحكام الذين يطيعون الله في أوامره ونواهيه مما يجعل الطاعة واجبة لهم في الدرجة الثالثة بعد الله والرسول، فإنه يتحدث كذلك عن (أولي الألباب) وهم قادة الرأي في الأمة من غير الولاة والحاكمين المسؤولين أو أهل الحل والعقد وأهل الشورى، كما يسمون في الدستور الإسلامي. ويتضح من هذا أن وحدة الأمة والقيادة السياسية فيها إنما تقوم على نظام محكم بين طرفي (العقد) الذي يبين حقوق وواجبات كل منهما بالنسبة للآخر وهذا ما يصطلح عليه في دستور الإسلام (بأداء الأمانات إلى أهلها) من جهة، و(بطاعة أولي الأمر) من جهة أخرى".

محاربة نظام الحزب الوحيد

يبدو أن المعاناة السياسية لحزب الشورى والاستقلال من هيمنة حزب الاستقلال، وتعرض بعض قيادييه ونشطائه للاضطهاد والتصفية، كرست لدى الوزاني كمنظر ورئيس هذا الحزب قناعة راسخة بمحاربة وعدم القبول بنظام الحزب الوحيد؛ فقد أعلن الوزاني عن معارضته الشديدة لقيام الحزب الوحيد كيفما كانت طبيعته. مستندا في ذلك على ثلاثة اعتبارات :

* اعتبار سياسي، إذ إن الحزب الوحيد يعتبر "مضادا للحرية بصفتها حقا لكل إنسان ومواطن، وأنه أساس تقوم عليه الدكتاتورية لفرض السيطرة والعبودية، وأنه بسبب هذا وذاك عدو للأمة والملكية في كل عصر ومصر"

*اعتبار قانوني يتجسد في أن "قانون الجمعيات الصادر في سنة 1958 قد أباح تأسيس الأحزاب، وكان في الاعتراف قانونيا بهذا الحق لجميع المواطنين قطع السبيل على نظام الحزب الوحيد" كما أن إعلان العهد الملكي للأمة، ثم إصدار القوانين الأساسية للحريات العامة أمكن للأحزاب الموجودة أن تتأسس قانونيا ". ثم "جاء الدستور أخيرا فحرم صراحة- دستوريا- قيام نظام الحزب الوحيد فلي المغرب ".

*اعتبار ديني يقوم على "أن الاختلاف في الرأي ظاهرة بل ضرورة اجتماعية- لأنها فطرة الله فطر الخلق عليها- أفليس من أكمل واجبات القيادة في الأمة أن تبني سياستها على الاستفادة من الآراء، والتوفيق بين الاتجاهات الصالحة خصوصا إذا كانت الدولة لا تملك مذهبا خاصا أي إيديولوجية معينة تفرضها بالكره والضغط، القوة على الأمة مباشرة أو عن طريق الحزب الوحيد".

ومن خلال هذه الاعتبارات، انتقد الوزاني إقامة أي شكل من أشكال الحزب الوحيد، سواء ذلك الذي حاول حزب الاستقلال فرضه أو ذلك الذي حاولت جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية إقامته. وهكذا، كتب الوزاني عدة مقالات سجالية ينتقد فيها تجربة الاستقلال بهذا الصدد منها تلك التي ألمع من خلالها إلى ما يلي:

"وتذكيرا بهذا الماضي وبما فيه من السوابق، وعملا بالمثل: عند الشدائد يعرف الإخوان، نريد أن نلقي هنا ضوءا كشافا على مواقف سياسية سجلها التاريخ على أصحابها سواء في أواخر محنة الملكية المغربية أو في عهد الاستقلال.. وفي بيان هذا، نقتصر على الأسئلة الآتية: من نسي تلك التصريحات التي أفضى بها بعضهم لمراسلي الصحف الفرنسية والتي كان أصحابها لا يطالبون بأكثر من عودة جلالة الملك محمد بن يوسف رحمه الله من منفاه السحيق إلى فرنسا لا إلى العرض بالرباط؟ ومن كان يعمل بكل وسيلة ليحول دون هذه العودة طمعا في الاستيلاء على الحكم وفرض السيطرة على البلاد في غيبة الملك وأسرته بفرنسا التي يراد أن تصبح لهما منفى جديدا لأمد غير محدود؟ ومن كان يعمل في عهد الاستقلال لفرض نظام الحزب الوحيد الذي كان خطرا على البلاد والأمة كما كان خطرا على الملكية وصاحبها؟ ومن كان يعمل لإخراج السلطة والنفوذ والأمر كله من يد جلالة الملك محمد الخامس رحمه الله وولي عهده مولاي الحسن؟ ألم يكن حكم الانسجام آفة على البلاد والشعب كما كان خطرا هدد كيان الملكية بسوء المصير؟".

كما ذكر الوزاني في مقالات أخرى بموقف حزبه الذي عارض بشدة محاولة حزب الاستقلال فرض نظام الحزب الوحيد من خلال المطالبة بتعيين حكومة منسجمة"، ومساندته للملكية في إصدار كل القوانين والإجراءات التي ساهمت في إرساء نظام التعددية الحزبية ؛ حيث كتب ما يلي: "وإذا كنا، كحزب ديمقراطي حر هدفه ذلك الصراع العنيف الذي قام بين قوات الخير والحرية والديمقراطية ممثلة كلها فينا وفي غيرنا من أحرار المغاربة، وبين قوات الشر مجسمة في شيعة الدكتاتورية وحزبها الوحيد.. وإذا كان الكثير من رجالنا المناضلين والمقاومين قد ذهبوا ضحية ذلك العدوان بل الإجرام فقتلوا أو ماتوا أو فقدوا لحد اليوم فإن هذا وذاك لم يذهبا سدى ولم يكونا في الواقع عبثا، بل كان عراكنا وكانت تضحيتنا كسبا لقضية الحق، والحرية، والديمقراطية كما كانت نصرا عزيزا مؤزرا لقضية مقدسة هي إنقاذ الكرامة الإنسانية والعزة الوطنية والحركة التحريرية في هذه البلاد من أن يتطاول إلى العبث بها أولئك الذين تنكروا لجميع القيم السامية وأنكروا حق الله، والوطن والأمة وقلبوا ظهر المجن لكل من كان (ذنبهم) الوحيد مخالفتهم في الرأي والوجهة "...".

وقد أمنت الملكية –إزاء خطر الحزب الوحيد الذي كان متربعا على كراسي الحكم بحكومة الانسجام التام – بأن من أنجح الوسائل لدرء الخطر، واتقاء الشر، وتأمين حياة الأمة من فتنة الظلم والاضطهاد والدكتاتورية، حماية الملكية الاستجابة لمطلب الأمة الذي طالما نادينا به، وهو تشريع ميثاق الحقوق والحريات العامة، وفعلا تم هذا على يد جلالة الملك محمد الخامس رحمه الله بالرغم عن جميع العراقيل التي وضعتها في طريقه الحكومة المنسجمة والحزبية المتواطئة معها. ولكن إرادة الملك والشعب كانت في النهاية أقوى من إرادة الطواغيت، فأصدر الملك ما عرف في التاريخ بالعهد الملكي الذي طبق بقوانين أساسية لضمان حرية الاجتماع العام، وحرية الرأي والتعبير، وحرية الجمعيات وكل هذا سمح بوجود صبغته القانونية والرسمية.. وبهذا خسرت يومئذ دعوة الحزب الوحيد صفقتها، وباءت بالفشل الذريع، وانتصرت عليها قضية الحرية والديمقراطية انتصارا كان له ما بعده".

معارضة تأسيس حزب ملكي

على غرار موقفه من محاربة نظام الحزب الوحيد المتمثل في هيمنة حزب الاستقلال كان للوزاني الموقف المبدئي نفسه في معارضة تجربة تأسيس حزب ملكي؛ مبررا ذلك بمجموعة من الاعتبارات السياسية التي تظهر تعارض وجود حزب ملكي في نظام ملكي كنظام الملكية بالمغرب. وبهذا الصدد كتب مقالا طويلا بصحيفة الدستور بتاريخ 31 دجنبر 1962 يعدد به مساوئ تأسيس مثل هذا الحزب وتأثيراته السلبية على الملكية بالمغرب، حيث جاء فيه ما يلي: "إننا نفهم ونتصور أن يقوم حزب ملكي في دولة جمهورية كفرنسا وإسبانيا – يوجد فيها فريق من الأمة يتمذهب بالفكرة الملكية ويحن إلى عودة الملكية كشكل وإطار لنظام الحكم فيها؛ ولكننا لا نستطيع أن نفهم، ولا أن نتصور قيام حزب ملكي في مملكة كالمغرب، خصوصا ودستوره ينظم ملكيته، ويجعلها وراثية، ويمنع إدخال أي تغيير وتعديل في النظام الملكي الذي يسويه في هذا المجال مع الإسلام نفسه. فهل مع هذا كله يحتاج النظام الملكي المغربي إلى نشوء حزب خاص به؟ . لقد عهدنا أن يقوم حزب ملكي في البلاد التي انتقل فيها النظام من الملكية إلى الجمهورية والتي يوجد فيها ملكيون ضد الجمهوريين، كما يوجد لها أمير يطالب بالعرش سواء في الداخل أو الخارج، وهذا ما نجد ممثلا في كل من فرنسا وإسبانيا.. أما في المغرب، فالنظام الملكي قائم وقد أصبح مضمونا أكثر من ذي قبل بالدستور نفسه، فأي داع مع هذا لإيجاد حزب ملكي؟. وإذا وجد هذا الحزب فهل معناه أن غيره من الأحزاب المغربية سيعتبر غير ملكي؟. وإذا صح الاعتبار فهل ستكون نتيجته هي حل غير الحزب الملكي الجديد من الأحزاب الموجودة أو التي قد توجد فيما بعد؟ وإذا تم هذا فإن الحزب الملكي الجديد سيصبح حزبا وحيدا في البلاد، وهو ما يحرمه الدستور تحريما صريحا تاما مطلقا.. وإذا أصبحنا أمام حزب وحيد فمن سيكون رئيسه أو كاتبه العام غير جلالة الملك الذي صرح أخيرا بأنه لا يجوز له أن يترأس أو يتحمل مسؤولية أي حزب.. إنه رئيس للدولة والحكم الأعلى... وبالإضافة إلى تلك فإن قيام حزب ملكي ليس من شأنه إلا أن يخلق في البلاد- عاجلا أو آجلا- ما يمكن الاصطلاح عليه بـ(المسألة الملكية)، ثم في أية مملكة دستورية يوجد الملك رئيسا فعليا أو شرفيا لأي حزب من أحزاب الأمة حتى يمكن أن يوجد هذا في المغرب؟

وإذا ترأس ملك حزبا معينا فمهام ومسؤوليات الرئاسة تقتضي أن ينزل إلى الميدان السياسي لينشط فيه ويخاصم ويعارك، مما لا يتفق مع منصب الملك ورئاسة الدولة، أي مع وظيف الحكم الأسمى والقيادة العليا في البلاد والأمة، ونزول الملك في أي بلد إلى ميدان النشاط الحزبي والعراك السياسي مع فرقة ضد الفرق الأخرى يعرضه لكل ما يتعرض له قادة الأحزاب مما يسمى (بأخطار الحرفة)، وكيف هذا في مملكة كالمغرب يجعل دستورها شخص الملك مقدسا لا تنتهك حرمته؟

وإذا أمكن لملك ما أن يكون متحزبا لطائفة معينة ضد الهيئات السياسية الأخرى فهل يستطيع أن يؤدي الأمانة على وجهها، ويقوم بواجباته ومسؤولياته كرئيس وحكم أعلى؟ وإذا كان الملك يملك بمقتضى الدستور أكثر ما يمكن من الاختصاص والامتياز والسلطة والنفوذ فهل يستعمل هذا كله لصالح الحزب الذي يعتبر حزبه؟ وإذا كان هذا فمعناه أن الحزب الملكي أصبح بمثابة الحزب الوحيد حيث يكون الأكثر حظوة وتفوقا وسيطرة؟ حيث يفلت الدستور البلاد من خطر الحزب الوحيد ويعمد "المتدسترون" في الوقت نفسه إلى إقحامها فيما هو له شبيه ومثيل. وكيف يحرمون على غيرهم في الدستور باليد اليمني ما يحلونه لأنفسهم فيه باليد اليسرى. وخلاصة القول إن قيام حزب ملكي في المغرب ليس في صالح الملكية نفسها لا في الحال ولا في المآل وأن الملك بالجميع وللجميع وفوق الجميع".

داء الحزبية

يعتبر الوزاني أن التعددية الحزبية المتمثلة في وجود عدة أحزاب تضفي حيوية سياسية وتخلق مناخا ديمقراطيا داخل النظام السياسي، إذ إن هذه التعددية تحظر الحزب الوحيد وتشجع على التنافس بين الفاعلين السياسيين وتوسع من هامش الاختيار لدى الراي العام؛ لكن هذه التعددية الحزبية ينبغي أن لا تتحول إلى تناسل حزبي وتفريخ للكائنات الحزبية مما قد يميع الحياة السياسية وينشر داء الحزبية. وبهذا الصدد كتب الوزاني ما يلي: "مما لا شك فيه أن في التعدد ضمانا للحرية، ولكن المصلحة تقتضي أن لا يتجاوز التعدد حد المعقول والمطلوب، فالتعدد الصالح هو ما كان وسطا بين الحزب الوحيد وتكاثر الأحزاب التي يتشعب معها الرأي العام ويضعف ويفسد بقوة الانقسام، وشدة الاختلاف، مما يؤدي حتما إلى التطاحن الذي قد يكون في النهاية وبالا على الأحزاب، والحريات، ويسير بالبلاد وأهلها نحو قيام ما يسمى (بالحكم القوي) بل بالدكتاتورية التي لا غبار عليها ولهذا يكون شر الحرية في سوء استعمال الأحرار لها، وهو ما استطاع المغرب في عهد الاستقلال أن يتجنبه بفضل كفاح الأحرار منا، وعلى رأسهم جلالة الملك محمد الخامس رحمه الله، فلا نريد أن يكون الدستور الذي حرم قيام الحزب الوحيد في بلادنا سبيلا في نفس الوقت إلى استفحال داء الحزبية وانتشار عدواها وتفاقم شرها في الحاضر والمستقبل بسبب تكاثر الأحزاب والطوائف السياسية والملل والنحل المذهبية".