هكذا حصر الوزاني دستور المغرب بين سيادة الأمة وإلجام السلطة

هكذا حصر الوزاني دستور المغرب بين سيادة الأمة وإلجام السلطة

6/2

بخلاف باقي منظري وزعماء الحركة الوطنية بالمغرب كعلال الفاسي، وعبد الله ابراهيم، والمهدي بن بركة... تميز محمد بلحسن الوزاني بتكوينه السياسي الحديث وغزارة إنتاجه الفكري حيث خلف تراثا ضخما من الدراسات والأبحاث والتحقيقات الصحفية تتعلق كلها بإصلاح نظام الحكم بالمغرب من خلال: إقرار ملكية دستورية، إقرار تعددية حزبية، الثورة من الأعلى، وإرساء ديمقراطية حقيقية.

وهكذا شكلت المسألة الدستورية إشكالية مركزية في الفكر السياسي للوزاني، إذ يعتبر هذا الأخير أول من طرح هذه المسألة بالمغرب منذ تقديمه على رأس حزبه في 23 شتنبر 1947 مذكرة ربط فيها ما بين الاستقلال والديمقراطية. فالمسألة الدستورية في نظر الوزاني ليست شكلا لنظام الحكم بل هي بالأساس مرتبطة بطبيعة السلطة ومصادر شرعيتها، وكذا بتحديد الضوابط السياسية لعلاقة المؤسسات فيما بينها، وتحديد قواعد اللعبة بين الفاعلين السياسيين.

وبالتالي، فالدستور يبقى في نظر الوزاني مقياسا للتطور السياسي للدول، إذ إن أي "أمة التي لا دستور لها إنما هي أمة متأخرة، وكل نهضة تقوم فيها تكون ناقصة ومعرضة في كل حين إلى التعثر... فنحن لا نعلم أمة شرقية أو غربية نهضت من غير دستور مقرر لها".

وفي هذا السياق، اعتبر الوزاني أن نظام الملكية الدستورية يجد جذوره السياسية في مؤسسة الشورى التي عرفها المغرب، حيث كان "ملك المغرب في كثير من المناسبات يدعو مؤتمرا شوريا يحضره أعيان المملكة وقضاتها وأساتذة كلية القرويين بجانب أعضاء الحكومة وكبار الموظفين، ويعمل على العموم بمشورتهم، وعلى هذا المنهاج سار المولى عبد العزيز وقتما اشتدت الأزمة السياسية الداخلية، فقد كان يعقد مؤتمر الشورى ما بين الفينة والفينة في عاصمة فاس".

وقد شكل مجلس الأعيان، في نظر الوزاني، خير مثال على نظام الشورى الذي نهجه السلطان المولى عبد العزير في تسيير أمور البلاد التي كانت تواجه العديد من الأخطار الدولية والأزمات الداخلية، حيث كان يرجع في تدبير الأمور، من إعلان الحرب والتوقيع على المعاهدات، إلى أهل الحل والعقد.

فإذا "نظرنا إلى تاريخنا القومي المغربي قبل نكبة الوطن بالحماية والحكم الأجنبي الدخيل، رأينا بصورة مكبرة واضحة أن سلطة القانون وممارسة السيادة الشعبية كانتا دائما حقيقيتين قائمتين لا سبيل إلى إنكارهما وأنهما تجلتا في قوة وجلال كلما سنحت الفرص وسمحت الظروف بذلك".

وهكذا يرى الوزاني أنه لإعادة إقرار نظام الملكية الدستورية بالمغرب بعد حصول البلاد على استقلالها، أصبح من الضروري وضع دستور للبلاد تتوفر فيه الشروط السياسية الضرورية والحقة. ولتحقيق ذلك، أكد على ضرورة أن يستند هذا الدستور إلى المبادئ الأساسية للديمقراطية التي تقوم على اعتبار "الأمة مصدر السلطات، وضامنة الحقوق والحريات للفرد والجماعة والفصل بين السلطات".

الدستور بين سيادة الأمة وكبح جماح السلطة

يرى الوزاني أن أي دستور لا يعبر فقط عن إرادة الأمة، بل يعتبر أيضا آلية لكبح جماح السلطة

- الدستور كتعبير عن إرادة الأمة:

يعتبر الوزاني أن كل الدساتير هي أساس أي نظام سياسي لأنها تعكس وتعبر عن إرادة الأمة. وبهذا الصدد أشار إلى أن "جميع الدساتير الحرة السليمة في الدول الراقية، وحتى في بعض الدول المتخلفة، تجعل من سيادة الأمة أساس النظام السياسي في البلاد، والخطب الذي تدور عليه رحى الحكم في خدمة الصالح العام للأمة جمعاء، ولم يكن الدستور المغربي الأول ليشذ عن ذلك، حيث أعلن في فصله الثاني أن السيادة للأمة، وكذلك فعل مشروع الدستور المعروض على الاستفتاء العام".

ولكي يعكس الدستور السيادة الحقيقية للأمة، حدد الوزاني مجموعة من الشروط التي ينبغي أن تتوفر في هذه الأمة، حيث كتب يقول: "لا سبيل إلى هذه الممارسة العملية الصحيحة التامة للسيادة من طرف الأمة إلا إذا كانت هذه الأمة سيدة نفسها، ومالكة زمام أمرها، وقادرة على التصرف في شؤونها، وحرة في تقرير أنظمتها، وإقامة أجهزة التمثيل والحكم فيها، وإجراء الرقابة على المسؤولين عن تدبير الشؤون العامة فيها. فإذا حقق الدستور هذا، كانت السيادة للأمة حقا ويقينا، وإذا لم يفعل كانت السيادة المنسوبة للأمة مجرد مبدأ معلن عنه لا نصيب له من الحقيقة والواقع".

- الدستور وكبح جماح السلطة:

اعتبر الوزاني أنه متى عكس الدستور السيادة الحقيقية للأمة، فإنه يتحول إلى كابح لجماح السلطة والحد من تجاوزاتها. وهكذا اعتبر الوزاني أن الهدف من وضع الدساتير هو أن تشكل "حصّارا" لفرملة تغول السلطة وتجبرها، حيث كتب بهذا الصدد ما يلي:

"إذا بحثنا عن السبب الأصلي في قيام الدساتير وجدنا أنه يتمثل في القيام بوظيفة الحصار بالنسبة للجهاز المحرك الذي ينبني عليه الحكم والسياسة، وبوجود أنواع الحصارات الدستورية المعهودة بكون الدستور منبثقا من سيادة الأمة، وضامنا لممارستها على الوجه الأصلح، ويستحق بهذا أن يعتبر من صميم الديمقراطية السليمة، ونظام الحكم الصالح، والعكس بالعكس".

ووفق هذا المنظور، عرف الوزاني الدستور بأنه "منهاج من الحصارات القانونية والتنظيمية الصريحة بالنسبة للعمل السياسي والنشاط الحكومي وكل دستور صالح بالمعنى المذكور، أي المطابق حقا لسيادة الأمة والمتوفر فعلا على سائر الحصارات الضرورية لكبح جماح السلطة وردع تصرفاتها الجائرة وحصرها في نطاق حدودها المرسومة، إنما يقوم على ضمان التوازن والتناسق بين مختلف السلط الدستورية من تشريعية، وتنفيذية، وقضائية. كما يكون في نفس الوقت ضامنا لحسن سيرها على أساس من التعاون سليم ومتين، وبفضل هذا كله يكون الدستور عهدا وميثاقا بين الأمة والدولة والحامين فيها".

الدستور وانتخاب جمعية تأسيسية

اعتبر محمد حسن الوزاني أن الطريقة الطبيعية والديمقراطية في وضع أي دستور هو المجلس التأسيسي المنتخب انتخابا حقيقيا عاما وحرا ونزيها. وبهذا الصدد، كتب في صحيفة الدستور بتاريخ 12 نوفمبر 1962 مدافعا عن ضرورة انتخاب جمعية تأسيسية لوضع أول دستور للبلاد ما يلي:

"... قطعت الدولة بالمغرب المرحلة الأولى من معركة الدستور وهي مرحلة التسجيل الذي دعي إليه المواطنون البالغون إحدى وعشرين سنة، وقد تجلت بداية تلك المعركة من طرف الدولة فيما عبأته من وسائل وإمكانيات ورجال وإطارات خاض بها طور التسجيل من معركة الدستورية، غير مدخرة في هذا أي جهد، وأي أسلوب في الدعاية، وأي نوع من التأثير والإغراء، بل الضغط والإكراه المعنوي والعملي، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على بعد هذه الحركة المدبرة، وهذه الضجة المفتعلة وهذه المغامرة المحبوكة عن حقيقة الحرية وأبسط مبادئ الديمقراطية، ولا بدع في هذا ولا غرابة ما دامت الأمور قد سارت وتسير في غير نطاقهما مهما ادعى الحاكمون في الإذاعة المسخرة والصحافة الموالية أو المواجهة ونحن نلتقي هنا بمجرد الإشارة إلى ذلك عملا بالقول: من جاء على أصله فلا سؤال عليه. ومرة أخرى نعيد الكرة ونسأل: لماذا تصر الدولة على وضع مشروع الدستور دون أن يكون هذا من حقها ولا من اختصاصها ودون أن تعهد الأمة إليها بذلك تنازلا منها عن حق هو أقدس الحقوق على الإطلاق في عصر الرقي والتحرر والديمقراطية؟ إن الدولة تجيب عن هذا يجعل الأمة أمام الأمر الواقع مستبدة عن طريقه بحق لا تملكه مطلقا، وهو عدوان صريح على أكبر حق من حقوق الأمة وانتهاك فظيع لكل حرية وديمقراطية روحا وجوهرا، وقانونا، ونظاما واختلاف شنيع لكل المقطوعة سابقا للأمة –في عهد استقلالها– بأن تتولى هي وضع الدستور بواسطة مجلس يمثل مختلف نزعاتها واتجاهاتها وفعلا أسس مجلس للدستور احتفظت به الدولة سنوات ولم نعد نسمع له حسا ولا ذكرا حتى فوجئنا بقرار استفتاء عام في مشروع دستور معد باسم الدولة نفسها".

ويتابع: "إن كل من يقول بحق الدولة في وضع الدستور يقول في نفس الوقت بوجود دولة في المغرب لا تتصرف كدولة عصرية تنصر الحرية باحترامها وتخدم الديمقراطية بتطبيقها، ودولة هذا شأنها إنما تريد أن تحكم بروح وأسلوب ونظام الدول في عصر الانحطاط والاستبداد، هذا العصر الذي كانت فيه الشعوب مغلوبة على أمرها، وكانت الدولة فيه حاكمة بأمرها إن شاءت. إننا إذ ننكر على الدولة العصرية تطاولها إلى أخذ حق أمة في وضع دستورها بواسطة من تنتدبهم لهذا العمل فإنما نتحدث كأبناء عصرهم الذي هو عصر النور لا الظلام، والحرية لا الاستبداد، والديمقراطية لا الطغيان، والاختراعات النووية لا الجهالة العمياء، وبعبارة أخرى، إن عصرنا عصر الشعوب الدول والحكومات فيه إنما هي منبثقة عن الأمم باعتبار أنها مصدر السيادة وما يتفرع عنها من السلطان، كما أن الدساتير فيه توضع عن الأمم باعتبار أنها مصدر السيادة وما يتفرع عنها من السلطان، كما أن الدساتير فيه توضع من طرف السلطة التأسيسية والتشريعية وهما غير السلطة التنفيذية، وبما أن المغرب يملك قانون ونظام فصل السلطات فإن تولي الدولة فيه وضع الدستور خرق صريح لهذا. وفي الحقيقة إن تولى الدول أمر وضع الدساتير إنما عرف في التاريخ بما سمي بـ(الديمقراطية القيصرية)، وهي غير الديمقراطية الحقة السليمة الصحيحة، بل هي نوع من الديمقراطية كما يفهمها ويريدها (القياصرة) أمثال نابليون في فرنسا وأشباهه غيرها قديما وحديثا، فهل هذه الديمقراطية الأثرية المسيجة المشوهة هي التي يراد بعثها من مرقدها ليحكم المغرب باسمها وتحت سيطرتها؟ إننا نجل المغرب عن هذا المصير في عصر تحرره وتطوره".

ومن خلال هذا النص، يتضح ليس فقط ترسخ القناعة السياسية لدى الوزاني بضرورة انتخاب جمعية تأسيسية لوضع الدستور، بل أيضا الشراسة التي دافع بها عن هذه القناعة نظرا لاعتباره أن الدستور هو قبل كل شيء تعبير عن سيادة الأمة.