محمد بلحسن الوزاني .. شخصية رائدة لـ"الفكر الليبرالي" في المملكة

محمد بلحسن الوزاني .. شخصية رائدة لـ"الفكر الليبرالي" في المملكة

6/1

تميز محمد بلحسن الوزاني عن باقي دعاة الإصلاح بالمغرب بتكوينه السياسي الحديث وغزارة إنتاجه الفكري، حيث خلّف تراثا ضخما من الدراسات والأبحاث والتحقيقات الصحفية تتعلق كلها بإصلاح نظام الحكم بالمغرب.

فبخلاف زعماء الحركة الوطنية، كالزعيم علال الفاسي ومحمد المختار السوسي، الذين تخرجوا من جامعة القرويين، درس الوزاني العلوم السياسية في مهدها الأصلي بفرنسا بعدما التحق بالمدرسة الحرة للعلوم السياسية، حيث كان أول مغربي حصل على الإجازة في هذه العلوم. بالإضافة إلى ذلك، استغل الوزاني وجوده بالديار الفرنسية، فدرس الصحافة والتاريخ.

ولعل هذا ما جعل منه مفكرا سياسيا متميزا أصل للفكر السياسي الليبرالي بالمغرب، وعمل على نشره داخل شرائح المجتمع المغربي؛ على غرار لطفي السيد وسلامة موسى اللذين عملا على نشر هذا الفكر بمصر منذ بداية القرن العشرين.

الوزاني ونشر الفكر الليبرالي

عمل الوزاني على محاولة نشره لهذا الفكر من خلال جريدته "عمل الشعب" (l’action du Peuple) التي أسسها في سنة 1937. وإرساء هذا الفكر من خلال تأسيسه لحزب الشورى والاستقلال وإصداره لصحيفة ناطقة باسمه "الرأي العام".

كما حاول، من خلال تجربته السياسية باعتباره وزيرا للدولة في الحكومة التي ترأسها الملك الراحل محمد الخامس وإسراعه في تقديم استقالته منها، وانتخابه نائبا عن مدينة وزان في أول تجربة برلمانية للمغرب في سنة 1964، أن يجسد ملامح هذا الفكر السياسي الليبرالي الذي كان ينادي به ويدعو إلى تطبيقه.

وقد تفردّ عن باقي رجالات الحركة الوطنية بالمطالبة بإرساء أسس النظام الديمقراطي بنفس درجة مطالبته بالاستقلال، مبيّنا أن هذه المطالبة الثنائية لا تعني رغبته في مواجهة المؤسسة الملكية أو معارضتها من حيث المبدأ، وإنما تدل على رؤية سياسية محددة.

الوزاني وتأصيل الفكر الليبرالي

أشار عبد الله العروي إلى أن ما يميز المفكرين الليبراليين العرب عن نظرائهم الغربيين هو دفاعهم عن الحرية ضد خصومها في مجتمعاتهم، مؤكدين أن الإسلام في صميمه دعوة إلى الحرية، وكذا إرادة تأصيل الحرية في عمق المجتمع والتاريخ الإسلاميين. ولعل هذا الوصف ينطبق بشكل جلي على الوزاني في تشبثه بالدفاع عن مبدإ الحرية التي يعد من المرتكزات الأساسية في فكره السياسي.

الدفاع على مبدأ حرية الأمة

لجأ الوزاني في تأصيله للفكر السياسي الليبرالي في منظومة فكرية مغربية محافظة إلى الاعتماد على التراث السياسي الإسلامي، من خلال التأكيد على أن «الإسلام بصفته شريعة الإنسانية الفاضلة ودين الحق المطلق يرتكز على مبادئ الإخاء والمساواة والعدل والحرية».

وتبعا لذلك، فإن «سلب الناس حرياتهم واستقلالهم؛ وهو ما يعبر عنه سياسيا بالاستبداد والاضطهاد، والاستعباد، ينكره الإسلام إنكارا شديدا وتأباه شريعته إباء مطلقا»، إذ «لا طاعة (في الإسلام) إلا ضمن العدل والحرية»، فضلا عن أن «اتباع الكتاب والسنة لا يسوغ مصادرة الآراء مطلقا»؛ فقد كان الرسول (ص) لا يفتأ «ينادي بحرية العقل، ويعمل لتثبيتها في النفوس وإدخالها في التقاليد العامة».

كما اعتبر الوزاني بأن القرآن بوصفه «دستور الإسلام الخالد»، فهو «لا يتنافى مطلقا مع ما يخوله الإسلام نفسه، نصا وروحا، للمسلمين من حق التفكير في تكييف نظام دولتهم وفق ما تتطلبه حياتهم في كل عصر، أي في وضع دستور يكون القانون الأساسي لأنظمة الحكم والسياسة في الدولة.

كما يرى أن «الشريعة لا تحرم على المسلمين اقتباس ما ينفعهم في دنياهم من الأمم الراقية. ووعيا منه بالأهمية التي يكتسيها مبدأ احترام حرية الأمة وإرادتها، فقد اعتبر هذا المفكر أن عدم تحديد الرسول لمن يخلفه لا يعبر عن تغافل منه (ص) لهذا الأمر الجلل، وإنما يعبر عن مدى «الاحترام الواجب لإرادة الأمة في تقرير مصيرها، وصونا لحقها في إسناد رئاستها إلى من تراه الأصلح لسياستها، ونصرا لمبدأ الحرية التي يقدسها الإسلام تقديسا".

علاقة الدولة بالحرية

بالنسبة إلى حدود العلاقة بين الحرية والدولة، نجد أن الوزاني ينطلق من وجود علاقة وظيفية بينهما محكومة باستقلالية مجالية واضحة؛ «فالحرية تتعزز بقيام الدولة، فكما أن الحرية لها نطاق معقول لا تتعداه فكذلك للدولة حد معين لا تتجاوزه وإلا تكون مطلقة التصرف والمشيئة.

وهذا هو عين الاستبداد والاضطهاد..» ذلك أن «السلطة الحاكمة ليست مطلقة التصرف في أمر الأمة، لأنها تستمد نفوذها من الشعب مصدر الحكم والسلطان، ولا تستعمل ذلك النفوذ إلا في الخير العام، وهو ضمانة الحقوق الإنسانية وحراستها من كل عدوان وإتلاف».

وتبرز حدود سلطة الدولة في مواجهة حريات وحقوق الأفراد، في فكر الوزاني حينما يشير إلى أن أي «حكومة لا يمكنها أن تجود إلا بما تملكه ملكا»، وحينما يشدد على أن «الحقوق ملك الأفراد والجماعات لا يجوز مطلقا أن تستبد بها السلطة التي إنما تنحصر وظيفتها في القيام على الجماعة بتدبير شؤونها العامة وفق المصلحة المشتركة بين الناس كافة".

أما بالنسبة إلى العلاقة بين الحرية وتطور المجتمع، فإن الوزاني ينطلق من أن السلطة إذا كانت «لازمة لنظام المجتمع»، فإن «الحرية ضرورية لحياة الأمة.. وحيثما تلاشت الحرية بالظلم والإرهاب خيم الجمود، وساد الخمود، واستحكم الانحلال في الأفراد والجماعات واستحال مع هذا كل حركة ونمو وتعرقل كل رقي وسير مطرد إلى الأمام». أكثر من ذلك فإن الحرية تغدو بالنسبة إلى الوزاني «وسيلة فعالة لتحقيق النهضة الاقتصادية والاجتماعية الضرورية لتحرير الجماهير المغربية من الفقر والجوع والبطالة".

ممارسة الوزاني للعمل السياسي

بخلاف زعماء الحركة الوطنية، مارس الوزاني العمل السياسي بشكل شفاف، حيث كان "يعتبر السياسة ممارسة للحقيقة، ويجب مصارحة الجماهير بكل الحقائق، ولو كانت مرة، وخطابه السياسي ما هو إلا انعكاس لقناعاته؛ فافتتاحياته وخطبه تعكس هذه القناعة السياسية. وبهذا الصدد كتب الدكتور علي حسني في مؤلفه (محمد حسن الوزاني وإشكالية البناء الديمقراطي 1947-1978) أنه كان "للزعيم محمد حسن الوزاني مفهوم للسياسة، مغاير لما تمارسه النخبة الوطنية ...

فلربما كان خطأه أنه مارس التفكير والممارسة السياسيتين بصوت مسموع. فما لا يقال عادة لدى الطبقة السياسية المغربية شيء عادي قوله من طرف الزعيم محمد حسن الوزاني. لقد كان صريحا أكثر من اللازم، فخرج عن طبيعة الممارسة السياسية السائدة بالمغرب". ولعل هذا ما جعل شخصية الوزاني تقابل بنوع من التجاهل والتهميش حتى من بعض أعضاء حزبه.

وعموما، فقد انفرد الوزاني في منظومة سياسية سادت فيها الأصولية بكل تلويناتها السلفية والماركسية والإسلامية... بمحاولة ترسيخه للفكر الليبرالي ونشره بين مكونات نخب الدولة والمجتمع من خلال دعوته إلى تبني المفاهيم السياسية الحديثة في الفكر السياسي المغربي؛ كالقومية، والديمقراطية، والتعددية الحزبية، إلى جانب ممارسته للسياسة كخدمة للأمة، بعيدا عن الجري وراء المناصب والانتفاع الشخصي والارتزاق السياسي. كما تميز فكره السياسي ليس فقط بربطه المطالبة بالاستقلال بإقامة نظام سياسي ديمقراطي تتوزع فيه السلطة بين مؤسسات تمثيلية لا تطغى فيها سلطة على أخرى ويقوم على دستور غير ممنوح تضعه جمعية تأسيسية منتخبة، بل أيضا بإثارة قضايا سياسية ما زالت تناقش إلى حد الآن من ملكية دستورية، ومظاهر الفساد السياسي، والبلقنة الحزبية...، الشيء الذي يضفي على فكره السياسي راهنية خاصة.