وثائق فرنسية تكشف تفاصيل معركة "بوكافر" وتاريخ قبائل آيت عطا

وثائق فرنسية تكشف تفاصيل معركة "بوكافر" وتاريخ قبائل آيت عطا

تحلّ هذه الأيام ذكرى معركة "بوكافر" التي قهرت فيها قبائل آيت عطا المستعمر الفرنسي، حيث عملت فرنسا على توثيق جميع حيثيات المعركة التاريخية.

وتبرز الوثائق الموجودة في الأرشيف الدبلوماسي الفرنسي أدق تفاصيل التكاليف الضخمة التي همت تجهيز الجيش الاستعماري بالعتاد والمؤن وصرف الرواتب وغيرها؛ كما تكشف بعض المراسلات والبرقيات السرية الموقف المتأزم للقوات الفرنسية، بعدما أكدت أكثر من مرة ضرورة البحث عن إمكانية التفاوض مع زعماء المقاومة.

وأفردت الوثائق سالفة الذكر معلومات مفصلة حول المعركة، سواء تعلق الأمر بالقتلى أو المعطوبين والأسر، إذ تعكس معاناة الأطفال والنساء خلال الحرب، وما ترتب عن ذلك من أضرار نفسية واجتماعية للساكنة، إلى جانب تسليط الضوء على التاريخ الديمغرافي لقبائل آيت عطا.

وفي هذا السياق، قال محمد لطيف، أستاذ التاريخ في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة ابن زهر بأكادير، إن "أهمية الأرشيف الخاص بقبائل أيت عطا المودع في مركز الأرشيف الدبلوماسي لا تكمن في كميته الضخمة فحسب، وإنما كذلك في قيمته المعرفية وفي ما يفاجئنا به من مادة تاريخية متدفقة، ومعلومات مفصلة، وإفادات متنوعة كفيلة بتسليط الضوء على جوانب ما زالت معتمة في تاريخ هذه القبائل زمن الحماية".

وأضاف لطيف، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن "الأرشيف الخاص بمعركة بوكافر، على الرغم من كونه لا يمتد من الناحية الزمنية إلا على الأربعة أشهر الأولى من سنة 1933، فهي تعد في المقابل الأغنى من حيث الكم الوثائقي بثروة مهمة تقدر بمئات الوثائق متنوعة الطبيعة والمعلومات والمواضيع".

ويعزى ذلك، حسب الأستاذ الجامعي، إلى ما "شهدته هذه المرحلة من أحداث ومستجدات عمل من خلالها الاحتلال الفرنسي على الاصطدام المباشر بالقبائل المتحصنة في بوكافر، والقضاء على مقاومتها. وعلى هذا الأساس، فقد كانت المستجدات تتسارع وخاصة ما يتعلق منها بالغزو العسكري الذي وصف تمويها بـ"التهدئة"".

وأوضح المتحدث أن "بعض الوثائق الفرنسية تتمثل في مجموعة خرائط وتصاميم موضوعاتية ورسوم تخطيطية فريدة. ويتجلى من مضامينها أنها تتعلق بمنطقة صاغرو بشكل عام وكتلة بوكافر بشكل خاص، وتعود إلى مرحلة التحضير وبداية الاكتساح والغزو، فتبين مجالات تمركز القوات الفرنسية، ومواقع المقاومين، وأماكن التحصن، ونقط الماء، وكذلك الفجاج والمسالك التي تخترق صاغرو في اتجاه بوكافر، والطرق التي تربطها بالواحات القريبة".

وأردف الباحث الأكاديمي: "تأتي، بعد هذه الخرائط، مجموعة من المراسلات والبرقيات معظمها مؤرخ بشهر يناير 1933، تندرج في إطار التوجيهات الواجب الأخذ بها لتطويق صاغرو وحسم أمر المتحصنين فيه".

"نسوق في هذا الاتجاه واحدة من المراسلات المهمة، سواء من ناحية عدد صفحاتها الذي قارب العشر صفحات أو من حيث ما تضمه من معلومات. هذه المراسلة التي موضوعها "عملية صاغرو Opération du Sagho"، والمؤشر عليها بعبارة "سري Confidentiel"، أرسلها الجنرال CATROUX إلى المصالح المركزية بالرباط بتاريخ 28 يناير 1933، تحتوي على مقترحات تفصيلية وذات صبغة استعجاليه عن كيفية تنظيم عملية تمشيط صاغرو، وهي مقترحات مبنية على مسح جوي ودراسات دقيقة انصبت على تحديد حجم القدرات العسكرية لمعسكر المقاومين وأماكن تحصنهم"، يؤكد المصدر نفسه.

ويوضح لطيف بأن "مختلف الوثائق التي ينفرد بها هذا الصندوق، وتحديدا Note de service، وثائق حية، ليس لأنها تشهد، أولا وقبل كل شيء وبصراحة متناهية، عن الترسانة الهائلة التي أعدتها السلطات الفرنسية لمعارك بوكافر وحسب، بل ولأنها ساقت إلينا جزئيات مقاصد السطو الاستعماري على صاغرو، وأدق تفاصيل التكاليف الضخمة التي تطلبها تجهيز الجيش بالعتاد والأسلحة وصرف الرواتب حسب كل فرقة، بالإضافة إلى مصاريف المؤن، والأدوية، والتنقل، وبناء التحصينات".

ويزيد الفاعل الأكاديمي بالقول: "وبالمثل تفصح بعض الفقرات ضمن هذه المراسلات عن الانشغال الكبير للمصالح المختصة لدى كل من وزارتي الحربية والداخلية الفرنسيتين، اللتين سخرتا كل ما تراكم لدى خبرائهما من الحنكة والتجربة الاستعمارية لطي ملف بوكافر، خاصة في سياق تاريخي صعب ومتوتر بدأت تعرفه العلاقات بين الدول الأوروبية آنذاك".

ويلفت لطيف الانتباه إلى أن معلومات البرقيات والمراسلات تكشف عن "الموقف المتأزم لدى القوات الفرنسية، ويتضح ذلك في ما تقدمه من وجهات نظر الضباط الميدانيين المتناقضة، والمعبرة عن التردد الواضح في اتخاذ القرارات، وأحيانا في الاعترافات الصريحة بتعقد الموقف في ساحة العمليات والتأكيد أكثر من مرة على ضرورة المزاوجة بين الاستمرار في فرض الحصار، والبحث عن سبل التفاوض المباشر مع زعماء المقاومة".

ويختم أستاذ التاريخ تصريحه: "تفصح مجموعة من الوثائق عن جولات التفاوض التي جمعت المقاومين والفرنسيين أو العطاويين مع الجانب الفرنسي على امتداد مدة المعركة.

والملاحظ أن المفاوضات بين الجانبين ابتدأت منذ المواجهات الأولى في بوكافر؛ فقد أوردت بطاقة استعلامية ليوم 27 فبراير من سنة 1933 أعدها القبطان THIABAUD من واد تازلافت، أن أحد الوسطاء الذين تولوا دور الوساطة في المفاوضات، حمل عند عودته من معسكر المقاومين مجموعة من الشروط رآها الجانب الفرنسي تعجيزية من أجل وقف المعركة".