هكذا روت دماء وتضحيات جنودٍ ومحاربين مغاربة الأراضي الفرنسية

هكذا روت دماء وتضحيات جنودٍ ومحاربين مغاربة الأراضي الفرنسية

تضحيات جليلة قدمها قدماء المحاربين المغاربة في صفوف الجيش الفرنسي، المعروفون بتسمية "الكوم"، لعاصمة الأنوار، سواء خلال مشاركتهم في الحرب العالمية الثانية أو الحرب الهند-الصينية، إذ يُشكلون ذاكرة حية مشتركة تجسد الروابط المتينة التي جمعت الدولتين.

وخصصت جريدة "لوفيغارو" الفرنسية تحقيقا شاملا، تطرق إلى شهادات بعض المحاربين القدامى في مجموعة من المدن المغربية، ليعيد إلى الواجهة التاريخ الحافل بالأمجاد والبسالة بغرض الدفاع عن الوحدة الفرنسية؛ في حين أكدت الصحيفة أن المكتب الوطني الفرنسي لقدماء المحاربين وضحايا الحرب في المغرب يولي أهمية كبرى لهذه الشريحة المجتمعية.

التحقيق الصحافي، الذي يحمل عنوان: "بالمغرب، فرنسا ظلت وفية لجنود التحرير"، انطلق من إقليم أزيلال، حيث مازال يقطن الجندي الأمازيغي السابق المدعو باسو زوزا، الذي كان عضوا أساسيا في وحدة عسكرية بالمنطقة، في إطار الوحدات الجبلية التي أنشئت سنة 1908، وقد خلّفت ما يزيد عن 9000 جريح وميّت من أصل 22 ألف جندي، خلال الفترة الممتدة من 1943 إلى غاية 1945، في كل من صقلية وفرنسا وإيطاليا وتونس وألمانيا.

وأماط التحقيق اللثام عن بعض تفاصيل حياة الجندي الأمازيغي، الذي ازداد سنة 1918، ما يجعله يبلغ من العمر 101 سنة، إذ انخرط في القوات الفرنسية سنة 1939، وقال: "وصل الفرنسيون إلى قريتنا، ما دفع والدي إلى الرحيل صوب الجبال، لتلدني أمي في الطريق".

ويعود التحقيق بالقارئ إلى سنوات الأربعينيات، حينما دعا السلطان الراحل محمد الخامس المغاربة إلى الالتفاف على القضية الموحدة، على اعتبار أن المملكة كانت خاضعة للحماية الفرنسية. وعرّجت الصحيفة الفرنسية واسعة الانتشار على مختلف الحروب التي خاضها الجنود المغاربة، خلال تلك الفترة، مشيدة بتضحياتهم الكبيرة الموسومة بنكران الذات.

وذكر المصدر ذاته بأن المقاوم الأمازيغي قاتل بشراسة في إحدى المعارك التي اندلعت بجزيرة "إلبا" الإيطالية، حيث وقع جريحا بعدما اخترقت رصاصة صدره في يونيو من سنة 1944؛ كما شارك في الحرب الهند-الصينية، ليعود بعدها إلى مسقط رأسه.

ويقول باسو زوزا، بخصوص انطباعه عن المشاركة في أتون الحرب رفقة "بلد الأنوار": "كنّا أكثر من إخوة..كنّا بمثابة عائلة موحدة..نحمي بعضنا البعض، فرنسيين ومغاربة معا".

من جهته، تحدث محمد البطاوي، البالغ 96 سنة، ويتحدر من منطقة أزيلال، على غرار الجندي سالف الذكر، عن حيثيات تجنيده داخل القوات الفرنسية سنة 1941، ليخوض بذلك أول معركة له في نابولي بإيطاليا سنة 1943، إلى جانب مشاركته في تحرير مدينة مارسيليا الفرنسية خلال غشت 1944.

ويقول المحارب السابق للجريدة: "كان الفرنسيون والمغاربة إخوة"، قبل أن يضيف بتحسر: "لكن الشباب الحالي لا يعرفون حجم الأهوال التي عاشها آباؤهم"، في إشارة واضحة إلى ضرورة حفظ الذاكرة المشتركة من قبل الشباب.

وتوضح الصحيفة الفرنسية أن عدد المحاربين المغاربة القدامى داخل الجيش الفرنسي يناهز 12 ألفا، لاسيما المشاركون في الحرب الهند-الصينية، إلى جانب وجود ما يقارب 20 ألف أرملة، مشيرة إلى وجود وحدة عمل خاصة (فرنسية مغربية) في مدينة الدار البيضاء، يصل عدد أفرادها إلى عشرين شخصا، تُناط بها أربع مهام أساسية؛ تتمثل في توفير "بطاقة المُحارب" ثم معاشات الجنود والأرامل والأيتام؛ فضلا عن تقديم المساعدة الاجتماعية (قوافل طبية وغيرها)، إلى جانب توثيق مختلف مراحل مشاركة الجنود المغاربة، عبر تأليف الكتب وتنظيم المعارض وعرض الأفلام الوثائقية.

وأكدت رئيسة المكتب الوطني الفرنسي لقدماء المحاربين وضحايا الحرب في المغرب أن "القبر الحقيقي لهؤلاء الموتى هو القلب النابض بالحياة، لأن هذا الشغف من شأنه أن يساعدنا على تذكر تضحياتهم، بحيث لا يمكن أن ننسى أنهم قاتلوا من أجل تحرير فرنسا، ومن ثمة الدفاع عن الحرية التي وفّروها لنا".