ديمقراطية أمازيغية عريقة بالمغرب .. دستور لا يحكم بالسجن والإعدام

ديمقراطية أمازيغية عريقة بالمغرب .. دستور لا يحكم بالسجن والإعدام

يبحث كتاب الأكاديمي المغربي عمر أمرير، المُعنوَن بـ"جذور الديمقراطية في المغرب منذ ألف سنة" في "الديمقراطية التي قضى عليها نظام الحماية الفرنسية"، وهي "الديمقراطية المحلية التشاركية المباشرة"، التي توارثتها القبائل، ومن بينها قبائل جنوب جبل الأطلس الكبير المشرف على سهل سوس.

ويذكر أمرير، الذي وُلد في منتصف القرن الماضي، أن جيل الآباء كان آخر ممارسي هذه الديمقراطية التي كانت تضمن حقوق الأفراد والجماعات بالعدل، والمساواة، والتآخي، والتضامن، وغيرها من القيم النبيلة.

ويشير الأكاديمي إلى خطورة قضاء نظام الحماية الفرنسية على ما توارثه السكان من ديمقراطية، وهو ما استوعبَه لاحقا، وتلاه فهم واضح لمعجم آليات هذه الديمقراطية وأدواتها المنقَرِضة، التي ظلّت نماذجُ من بنود قواعدها محفوظة عن ظهر قلب، ومستشهَدا بها، ومستَمتَعا بجودة أشعار وحكايات استوحت قيمَها النبيلة من صميمها.

وانطلق الباحث، في كتابه الذي نشرته دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع بالرباط، من نموذج قبيلة "آيت عبد الله"، لكونها تحتوي على أقدم ما عثر عليه الباحثون من آليات وأدوات تلك الديمقراطية، وأطلال "أكادير أوجاريف"، المبني في القرن الثالث عشر الميلادي، ومخطوط "اللوح" الذي يعتَبَر دستورا محليا مكتوبا في القرن الخامس عشر الميلادي.

دستور محلي

"اللوح" وثيقةُ بنود أحكام تحدّد واجبات الأفراد نحو الجماعة في شأن يهم الحياة الزراعية أو التعاضد أو الدفاع، وما يتعلّق بالجنايات والجنح وما يترتّب عنها من عقوبات، حسب كتاب أمرير. ويتّفق جميع السكّان على وضع هذه الوثيقة، فيعيّنون مجلسا من الرّجال الثقاة الأكفاء للإشراف على التّطبيق النّزيه لبُنودها التي تتمّ كتابتها بحريّة في ألواح خشبية قديما ثم في مخطوطات ورقيّة بعد ظهور الورق.

وترجع أقدم الألواح التي تمّ العثور عليها، إلى حدود اليوم، إلى القرن الخامس عشر الميلادي. ويرجّح أمرير أن الألواح المخطوطة في الورق امتداد لما سبقها من زمن اقتصار كتابتها على الألواح الخشبية، مستدلّا على ذلك بعدم تغيّر اسم اللوح ذاته وإطلاقه في الأمازيغية على المخطوط الورقي.

القواعد الخاصّة بوضع اللوح من صميم تجليّات الديمقراطية عميقة الجذور في قبيلة آيت عبد الله إلى آخر سنوات مقاومتها في عام 1934، بالنسبة للكاتب، فيحدّد مجلس "إينفلاس" يوما خاصّا لجمع عام يضع فيه السّكان اللوح الجديد الذي ستطبّق بنوده في سنة نيابتهم، وفي يوم اجتماعهم بساحة "أكادير" تلتحق لجنة الإشراف على صياغة بنود اللّوح التي تتركّب من أعضاء مجلس إينفلّاس الجديد، وإمام المسجد، أو فقيه المدرسة، أو شاهد عدل لكتابة اللّوح.

ويبيّن كتاب أمرير أنّ أعمال وضع اللوح تنطلق بكلمة يلقيها رئيس مجلس "إينفلاس"، يذكّر فيها بأهميّة هذا اللوح في استقرار أمن السكان، وتماسك المجتمع، ثم يأذن للفقيه الذي سيحرّر بنوده ببدء الكتابة التي قد تقتصر على تحيين اللوح السابق، أو قد تتجاوزه إلى وضع لوح جديد كلّيّا؛ وهي العملية التي يقتصر فيها دور الفقيه على ترجمة العبارة الأمازيغية إلى العربية، ثم ينهي ما توافق عليه الناس من بنود بعبارة: "هذا بينهم كلهم برضاهم ورضا شيوخهم بأمرهم من غير إكراه لواحد منهم".

مجالس "ديمقراطية"

يبيّن عمر أمرير أن "إينفلاس" في الاصطلاح الأمازيغي هم نواب سكان يقومون بتعيينهم في مجالس محلية، وفق شروط صارمة، قصد تمثيلهم في أحد المجالس التي تتقاسم وظائف التسيير الجماعي لشؤون السكّان خلال فترات لا تتجاوز سنة واحدة، وتنتهي بتقييم نتائجهم قبل تعيين أعضاء جدد غيرهم لمجالس السنة المقبلة.

وتتكوّن مجالس "إينفلاس"، حَسَبَ المصدر نفسه، من لجنتين وثلاثة مجالس تبدأ بلجنة "إينفكار"؛ وهم الأشخاص الثقاة الذين يعيّنهم السكان لحراسة المزارع في المواسم الفلاحية إلى حين وقت جمع محاصيلها، وحراسة الأشجار خلال مواسم نضج ثمارها، وتنظيم أوقات وشؤون القنص وخلايا النحل والاحتطاب والحصاد إلى غير ذلك، ومجلس "إيجماعن"؛ وهو مجلس خاص بالإشراف على التسيير المستقلّ العادل لشؤون سكّان كل قرية محدّدة، انطلاقا من بنود لوح ميثاق جماعي، ويسهر أعضاؤه على شؤون سكّانها طوال سنة كاملة يعقد خلالها المجلس، عادة، مرة في الأسبوع، ويتاح حضوره لكل راغب من السكان في متابعة أعماله ذكرا كان أو أنثى، صغيرا أو كبيرا، لتربية السكان على قيم العدل والمساواة والتضامن، حسب قراءة الكاتب.

ومن المجالس أيضا مجلس "آيت الخمس"، الذي يضمّ ممثّلي جميع القرى التي يتشكّل منها قسم من باقي أقسام الاتحادية الواحدة، ويسهر أعضاؤه على شؤون القرى بتنسيق مع مجلس إجماعن، ومجلس آيت ربعين، مع الاستعانة بخبرة "مجلس إيمزكان". وتفرض القواعد عقد اجتماع المجلس في الساحة الأمامية لـ"أكَاديرهم"، أو داخل دهليز مدخله، في إحدى قرى "الخمس" ذاته مرّة في الأسبوع، أو كلما طرأ طارئ يعجّل باجتماعهم؛ كما يحضرون السوق الأسبوعي لقرى "أخماس" قبيلتهم، حيث يصطفّ المتخاصمون خارجه في انتظار دور جلسة الفصل في كل صغيرة وكبيرة تحدث بين المتسوّقين، وكذا خلال أيّام انعقاد "موسم سيدي لحسن أو عبد الله".

ويذكر كتاب "جذور الديمقراطية في المغرب منذ ألف سنة" أن من بين المجالسِ مجلسُ "إيمزكان" الذي تتجلّى وظيفته في تزكية حكم أو موقف أو ممارسةٍ صدرت عن مجلس "آيت الخمس"، لأن كل حكم أو موقف أو ممارسة لم تنل تزكيته لا يُعمل بها. ويتم تشكيل هذا المجلس بعد تعيين جميع أعضاء مجلس "آيت الخمس"، عبر تعيين كل مجموع أسر من القرية رجلَيْن يكون أحدهما ضمن مجلس "آيت الخمس"، والآخر في "إيمزكان"، ليرشدَ قريبَه إلى الصواب وينهاه عن الخطأ. بينما يتكوّن مجلس "آيت ربعين" من 40 شخصا، وأقدم إشارة إليه في المصادر العربية كانت في سنة 777 ميلادية. ويسهر في "آيت عبد الله" على تسيير الشؤون الخارجية للقبيلة، ويمثّلها في مجلس اتحاديّة إيلالن، ومن وظائفه اختيار قرار الدخول في الأحلاف مع قبائل أخرى، وعقد معاهدات السلم.

ديمقراطية عريقة

يورد أمرير مجموعة من الإشارات البحثية إلى هذه الديمقراطية، مثل: وقوف شارل دو فوكو في 1883 بمناطق من شمال الأطلس الكبير على وحدة اجتماعية متراصة؛ هي القبيلة، وصفها بلفظة الديمقراطية، وحديث المانوزي المولود عام 1888 عن تأسيس أهل سوس "قواعد حتّموا اعتبارها وقوانين أيّدوا أعمالها وإقرارها وشدّدوا في ذلك وعيّنوا النفاليس، أي ممثلي السكان، فانجَبَرت بعد ذلك أحوال سوس"، وذكر المختار السوسي أن الألواح "قديمة في سوس من قرون عديدة"، وتصريح أحمد التوفيق سنة 1992 حول الأوساط التي عرفت "التسييس المتأصّل، المنبثق من ممارسة تاريخية لا من قاموس مصطلحيّ فضفاض غير مكيّف"، إلى غير ذلك من الاستشهادات التي وردت في الكتاب.

ويتحدّث الكتاب عن جذر ديمقراطية "أكادير"، موضّحا أن ترجمة هذا الاسم إلى العربية يكون بالحصن أو المخزن؛ وهو بناية تكون بضخامتها وهندستها المعمارية الخاصّة أبرز ما يظهر من معالم القرية للناظر إليها من بعيد، وتعتبر هي وحدود مرافقها أماكن مقدّسة مثل المسجد والضريح، ويتمّ بناؤها بتعاون الجميع في مرتفع من الأرض يسهل الدفاع عنه ويصعب اقتحامه، وتوزّع غُرَفُها بالقرعة على الأسر وتوثّق نتائج ذلك كتابةً. وتتعدّد الغرف بتعدّد أسر العائلات التي تخزن فيها الزرع والأواني والوثائق وجميع ما تخاف ضياعه، ويكون لها حارس يسمّى بـ"الأمين"، يسهر على تطبيق قواعدها التي تنظّمها الألواح الأمازيغية، والتي من بينها: منع الالتفات إلى غرفة صودف بابها مفتوحا، ومنع المبيت في "أكادير"، ومنع إدخال الغريب إليها..

ومن أنواع الألواح التي تتضمّن القوانين التي اختارتها الساكنة، ألواح عامة مثل "لوح القرية" الذي يشرف على وضعه مجلس "إيجماعن"، بحضور سكّان القرية ذكرانا وإناثا؛ ويغلب على بنوده ذكر ما يمكن وقوعه من مخالفات داخل القرية، لحفظ أمن الأشخاص وسلامة الممتلكات، ووحدة التراب، و"لوح الخمس" الذي يعالج ما ليس من اختصاص مجالس القرى وما يمكن وقوعه بين سكان القرى المتجاورة من مخالفات، و"لوح القبيلة" الذي يعالج ما ليس من اختصاص الألواح الأخرى من مخالفات تقع داخل حدود القبيلة كلّها وضبط أمنها وحرمات أهلها وكيفية تمويل المدرسة العتيقة، ولوح الاتحادية الذي يعالج قضايا ضبط الأمن العام داخل الاتّحادية كلها، وحق اللجوء وحماية اللاجئ، والحكم على الجاسوس؛ فضلا عن ألواح خاصة مثل لوح المسجد، ولوح أكادير، ولوح التناوب على الرعي، ولوح الأسواق الأسبوعية..

ومن بين ما يميّز الأحكام التي ترد في الألواح عدم وجود أحكام سجن، ولا أحكام إعدام، وتعويضها بحكم "أزواك" الذي يبدأ تطبيقه بذبح بقرة القاتل لإعداد عشاء "إينفلاس"، ثمّ تخريب داره، ودفعه الديّة، فنفيِه وتغريبه خارج أراضي القبيلة، ونبذه في المجتمعات التي تعامله معاملة العبد الفاقد لحريّاته، وهو ما يشبه حكم الجاسوس، إلا في تفصيل واحد هو وضع حجر في فجوة قفل داره بدل هدمها، في ما يشبه تشميع بيتٍ اليوم، يوضّح أمرير، كما تنظّم الألواح أيضا، على سبيل المثال لا الحصر، شروط التأنّق بالسلاح والعقوبات المرتفعة للغاية في حال وضع الأصبع على زناد السلاح الناري تهديدا، أو حين استعماله.