إغلاق الموانئ أمام المهاجرين يعيد إلى الأذهان فاجعة "سان لويس"

إغلاق الموانئ أمام المهاجرين يعيد إلى الأذهان فاجعة "سان لويس"

في 13 مـاي مـن سنة 1939 خرج الألماني "غوستاف شْـرودرز"، قائد سفينة "سـان لـويس"، من ميناء هامبورغ الألماني وعلى متن سفينته حوالي 900 من اليهود الألمان الذين فروا هاربين من بطش نظام أدولف هتلر النازي بعد أحداث "ليلة الكريستال" في نونبر 1938، والتي تم فيها قتل واضطهاد اليهود الألمان ومداهمة وحرق منازلهم وتدميـر متاجرهــم.

وقادهم البحث عن مكان آمن لهم ولأسرهم إلى كوبا التي رفض رئيسها آنذاك "لاريـدو بْـروسيد" نزول مسافري سفينة "سان لويس" بنص قانون لا يسمح بدخول المهاجرين إلى بلاده سواء بصفتهم لاجئين أو سُياحا، وأيضا تحت ضغط شعبي بعد تنظيـم مسيرة تطالب بإغـلاق ميناء هافانا في وجه ركاب سفينة سان لويس.

وبعد مفاوضات سينزل 22 فقط من ركاب سفينة سان لويس إلى سواحل هافانا، بعد أدائهم حوالي 500 دولار للفرد، وسيتوجه بعدها القـائد "شرودرز" إلى سواحل ميامي بالولايات المتحدة الأمريكية، حيث سيلقى الرفض نفسه لأن ركاب السفينة خارج كوطا 2 في المائة التي يفرضها "قــانون جـونسون –رييد" المعمول به آنذاك في الولايات المتحدة الأمريكية. كما اتخذت حكومة كندا بدورها قرار إغـلاق الموانئ في وجه 900 مهاجر تقلهم السفينة الألمانية لا يبحثون سوى عن أرض تأويهم وتقيهم من شر النظام الألماني النازي.

وفي يونيو 1939 وبعد مفاوضات عديدة وضغط من فعاليات يهودية، سيتم اقتسام المهاجريـن اليهود على متن سفينة سان لويس بين كل من بريطانيا (287) وفرنسا (224) وبلجيكا (214) وهولندا (181).

الآن، وبعد مرور حوالي 79 سنة على هذا الحدث الإنساني المأساوي، أصبحنا نعيش كل يوم أحداث تعيد إلى الذاكرة هذا التاريخ المأساوي بتفاصيله الدقيقة؛ إذْ لم يعد خفيا على أحد سياسة إغلاق الموانئ الأوروبية في وجه كل السفن، وحتى تلك المملوكة للمنظمات غير الحكومية، التي تحمل مهاجرين من إفريقيا وآسيا يبحثـون بدورهم عن مكان آمن لأسرهم، هربا من مناطق العنف والصراعات الدموية، وغضب الطبيعة…

لقد أصبحت كل المحطات الإعلامية العالمية تخصص، بشكل شبه يومي، حيزا لمتابعة أخبار سفن أُغلقت في وجهها الموانئ الأوروبية، كما تنجز مختلف وسائل الإعلام تحقيقـات ميدانية وتسجل شهادات حية، في انتظار تسويات ومساومات سياسية لا علاقة لها بالجانب الإنساني، رغــم ضغوط الجمعيات ومنظمات الدفاع على حقوق الإنسان. وما يجعلنا أمام سيناريوهات مشابهة في كل شيء لسيناريو سفينة سان لويس، هو أننا نشهد اقـتسام المهاجرين بين دول أوروبية تماما مثلما حصل مع ركاب سفينة سان لويس 1939.

إن مرور كل هذه المدة (79 سنة) بين حادث سفينة سان لويس وما تعيشه اليوم كل سفن المهاجرين في البحر المتوسط، وطريقة معالجـة ملف الهجرة عموما في أوروبا، تجعلنا أمام واقع يختلف فقط من ناحية التغطيات التلفزيونية التي انتقلت من الأبيض والأسود إلى نقل المأساة الإنسانية بالألوان. أما التفاصيل فإنها تنتمي إلى أحداث سابقة " Déjà vu"، كرسالة الصغير "ديي ناي"، ذي الإحدى عشر سنة، إلى السيدة الأولى بالبيت الأبيض الأمريكي في عهد الرئيس روزفيلت، وهو يُخاطبها بالأم ويطالبها بالسماح للشعب اليهودي بالدخول إلى أمريكا للحد من معاناتهم، وبأن في منزلهم غُـرف كافية تجعل أمه سعيدة باستقبال عائلة منهم…

في مقابل هذه الرسالة، نجد رسالة الطفل الأمريكي "أليكس"، ذي الست سنوات، إلى الرئيس الأمريكي باراك أوباما في شتنبر 2016، يُـطالبه بالذهاب إلى حلب بسوريا واصطحاب الطفل "عمران" وبأنه يرحب به ليكون أحد أفراد أسرته...

كما أن مرور حوالي ثمانين سنة عن واقعة سفينة سان لويس تجعلنا من جهة أخرى أمام مقارنات خطيرة للأنظمة السياسية بين الأمس واليوم، خصوصا عندما نلاحظ الامتــداد الخطير لأحزاب اليمين المتطرف العنصرية في أكثر من دولة أوروبية، وما تتبناه من سياسات وشعارات التمييز العرقي تجاه الأجانب باعتبارهم يهددون الهوية الوطنية وأيضا سيادة الدول الأوروبية؛ وهو ما يستدعي دق ناقوس الخطر بكل قوة لإيقاظ الضمير العالمي حتى لا نستيقظ على النتيجة نفسها التي عرفها العالم بعد أحداث سفينة سان لويس لـسنة 1939، بناء على النظرية الفزيائية القائلة بأن الأسباب نفسها تؤدي إلى النتائج نفسها.