الجابري شاهدا .. علاقات عميقة مع القائد الأممي المهدي بن بركة

الجابري شاهدا .. علاقات عميقة مع القائد الأممي المهدي بن بركة

لكل مرحلة رجالها، ولا شك أن الفيلسوف المغربي محمد عابد الجابري كان من الذين حازوا مكانا وسط علية القوم من المفكرين، وكذلك من الخالدين الذين نالوا شهادة نظافة المسار السياسي رغم كل أوحال الطريق، التي سترافقكم هسبريس لسردها، في حلقات، تكشف لكم أفكارا من كتبه التسعة "مواقف سياسية" التي تكتنز مسارا حافلا بالمعاينة والمشاركة في أحداث طبعت تاريخ المغرب الراهن.

الجابري الذي وافته المنية في ماي 2010، كان قد ترك حزبه الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية منذ ثمانينيات القرن الماضي بسبب كثرة الخلافات والمشاكل الداخلية التي لحقته، إلا أنه وثق للحظات فارقة من تاريخ الحركة الاتحادية بنسختيها "الوطنية والاشتراكية"، لتبقى مدادا يحاجج روايات من عايشوا تجربة "مغرب ما بعد الاستقلال"، إلى حدود كتابة هذه الأسطر.

الجزء السادس: المهدي بن بركة الحاضر الغائب .. النقد الذاتي – مؤتمر شعوب القارات الثلاث -الاختطاف

يَحْكِي الجابري في الجزء السادس من مذكراته، الذي خصصه لسرد علاقته الوطيدة مع القيادي الاتحادي المهدي بن بركة، ودوره في تحفيز الجابري على العطاء عبر نقله إلى جوار القيادات الوطنية منذ سن مبكرة، بعد أن اكتشف من خلال كتاباته القوية فطنة وذكاء متقداُ جَعَلَهُ يُطَالِبُ بإلحاقه بحزب الاستقلال.

ويَسْرُدُ الجابري أن أول لقاء مباشر جمعه بالمهدي كان في ملعب سيدي معروف بالدار البيضاء سنة 1955، حيث كان الجابري مكلفا بحراسة المنصة التي أقامها حزب الاستقلال، لكن الاحتكاك الحقيقي بين الرجلين سيأتي سنة 1957، بعد إعلان المهدي عن نتائج الباكالوريا المُعَربة، ويطلب رسميا من الجابري الاشتغال مُتَرجِما بجريدة "العلم"، لسان حال حزب الاستقلال.

ومباشرة بعد التحاق الجابري بـ"العلم" واشتغاله آنذاك رفقة كثير من الرموز الحزبية التاريخية، مثل عبد الرحمان اليوسفي والفقيه البصري، سَيطْلُبُ منه بن بركة الالتحاق بالجماهير أثناء بناء طريق الوحدة، في إشارة سيفهم منها الجابري ضرورة الارتباط بهموم الكادحين، وبوحدة مصير النخب الحزبية الحقيقية مع عموم الناس.

ويسترسل الجابري في تأكيد حجم التأثير الذي كان يَتَمَيّزُ به بن بركة في صفوف الاتحاد الوطني للقوات الشعبية؛ ما شكل له عداوة مستمرة مع القيادات الأخرى، وعلى رأسها المحجوب بن الصديق الذي كان المواجه الأول لابن بركة من داخل حزب الاستقلال، بسبب مواقف المهدي الداعمة لطرح عدم الانفصال عن الاستقلال، مع منح فرص أكبر للشباب من أجل التسيير، وهو الأمر الذي عارضه بن الصديق بتَشَبُّثِهِ بتأسيس إطار جديد.

العلاقة المتوترة بين الفاعلين سَتَصِلُ ذروتها بعد إصرار المهدي على التشبث بكون تأسيس حزب جديد سَيُفْضِي إلى ضرب الكتلة الوطنية والعمالية، وإخبار اللجنة التنفيذية للحزب بأن الأمر مُضِرٌ، مما دفع المحجوب إلى اتهام المهدي بالعاملة والنميمة لصالح الجناح التقليدي بحزب الاستقلال.

مشاكل التوازنات المتكررة داخل التنظيم سَتَجْعَلُ المهدي بن بركة يُفَضِّلُ الانسحاب إلى خارج أرض الوطن، والعمل على مشروع أممي يَتَنقَّلُ فيه بين مصر والهند والصين، تمهيدا لمؤتمر شعوب القارات الثلاث، ثم في غفلة من الزمن سيزور الحزب بشكل مُحْتَشِمٍ سنة 1960، لكنه ما إن وجد الوضعية كما تركها، حتى أعلن قطيعة لمدة سنتين مع التنظيم ببقائه خارج الوطن إلى لحظة المؤتمر الثاني للاتحاد الوطني للقوات الشعبية.

الاختيار الثوري

شَكَّلَتْ عودة المهدي بن بركة إلى أرض الوطن، بمناسبة المؤتمر الوطني الثاني للاتحاد، فرصة لتقييم مسار مغرب ما بعد الاستقلال، وهو ما ذهب إليه المهدي بطرح لوثيقة الاختيار الثوري التي تَضَمَّنَتْ مجموعة من الخلاصات التي دونها بين 1959 و1962، وبعثها إلى الأمانة العامة قصد التحضير للمؤتمر المرتقب.

ورصد اختيار بن بركة ثلاثة أخطاء ارتكبها الاتحاديون منذ تأسيس الحزب، بداية بسوء تقدير أنصاف الحلول من خلال الموافقة على اتفاقية "إكس ليبان" التي اعتبرها حلا وسطيا وَجبَت مساءلته بشكل عاجل عوض تَسْويقِهِ على أساس أنه انتصار قطعي، فيما تمثل الخطأ الثاني في بُعْدِ الجماهير الشعبية عما يُنَاقَشُ داخل البرلمان والأجهزة التنفيذية للحزب.

وأردف بن بركة أن الخطأ الثالث هو عدم وضوح المواقف الايديولوجية، وغياب هوية لدى الحركة بسبب التسويات غير الواضحة مع الأطراف الأخرى، كما طرحت وثيقة المهدي لأول مرة مفهوم "الاستعمار الجديد"، حيث جرى تحليل حالة بلدان العالم الثالث التي مُنِحَتْ استقلالا سياسيا صوريا، دون وجود مقومات إنشاء دول قوية، مع دعم الانقلابات العسكرية وتزوير الانتخابات داخلها.

واسترسل بن بركة في تحليله منتقدا إسقاط حكومة عبد الله إبراهيم سنة 1960، ومحاولة القصر تسويق نفسه على أنه محايد وبعيد عن الساحة الحزبية، رغم انحيازه إلى جانب أحزاب الإدارة، واصفا إياها بظلال النظام الذي يَسْتَمِرُّ في تكريس الحكم الفردي وإقبار التصميم الخماسي الذي جاء به عبد الرحيم بوعبيد، والاعتماد على سياسة الانعاش الوطني الفاشلة.

وتمسك اختيار المهدي بضرورة تسييس العمل النقابي، باعتبار العمال نقيضا للبورجوازية المتحالفة مع النظام الحامي الأول لها، منتقداً بذلك قيادة الاتحاد المغربي للشغل التي تَخَلَتْ عن تحزيب العمال باتخاذها "سياسة الخبز" الفاصلة بين النقابي والسياسي، وداعياً الفلاحين المغاربة إلى تأسيس تنظيم يدافع عن مصالحهم.

ونبهت ورقة بن بركة إلى أن أي تأجيل للديمقراطية في سياق خروج حديث للدولة من مفاوضات الاستقلال، يتيح المجال أمام التمردات الاقطاعية لإعادة التشكل والانقضاض على السلطة، وزاد أن التعاقدات المقبلة مع القصر يجب أن تكون وفق برنامج محدد لتجنب استغلال التنسيق لتضليل الرأي العام.

قضية عباس المساعدي

يعود محمد عابد الجابري إلى تفكيك تفاصيل قضية اغتيال عباس المساعدي، التي لطالما ربطت بخلافاته الحادة مع المهدي بن بركة، والتناقض العميق الذي سَقَطَتْ فيه الحركة الوطنية مع جيش التحرير في مسألة استمرار الكفاح المسلح لطرد المستعمر أو التفاوض معه للتَّمَكُّنِ من الاستقلال.

خلاف الرجلين الحاسمين في استقلال المغرب، سيبتدئ سنة 1954، بعد أن طلب منسق جيش التحرير بمنطقة الريف من المهدي بن بركة تزويده بالسلاح لمواجهة تغلغل المستعمر، لكن جواب المهدي سيكون صادما، بإخباره المساعدي بأنه سياسي وليس ثوريا ولا يتوفر على الأسلحة، وهو الجواب الذي سَيَحْتَفِظُ به عباس، وسَيُفَجِّرُهُ في مؤتمر مدريد 1955، بطلبه من المهدي الانسحاب بدعوى أنه غير محسوب على حزب الاستقلال ولا جيش التحرير، ليَسْتَجِيبَ بن بركة للأمر بطلب من علال الفاسي.

معطيان حاسمان لدى الجابري في تحديد ما سيأتي من أحداث، خصوصا وأن المساعدي كان مُتَشَبِّثا بأطروحة قادة الثورة الجزائرية بوجوب استقلالية جيش التحرير عن الأحزاب السياسية، ليختار الاشتغال بشكل منفرد بعيدا على الأحزاب، مما دفع حزب الاستقلال إلى استدعائه للتحقيق معه في مدينة الدار البيضاء حول نواياه في العمل بعيدا عن الحزب.

استدعاءٌ لن تكون لهُ مخرجاتٌ في ظل تَشَبُّثِ كل طرف بمواقفه، لتَنْطَلِقَ بعدهُ محاولات صُلْحٍ بين عباس والمهدي، ستؤدي إلى وفاة الرجل الأول في جيش التحرير، حيث سَيَعْمَدُ وسيط حزب الاستقلال حجاج إلى إطلاق النار على المساعدي وقتله بمدينة فاس، بسبب مناوشات بينية، لم يكن فيها للمهدي أي دور ولا علم، على حد تعبير الجابري.

بن بركة أُمَمِياً

لم يَكْتَفِ بن بركة، حسب شهادة محمد عابد الجابري، بالعمل الداخلي فقط عبر الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، بل تجاوزهُ إلى التنسيق القاري والأممي، ليَكُونَ هو المُكَلَّفَ بالتحضير لمؤتمر القارات الثلاث الذي سَيُعْقَدَ في هافانا، حيث دعا خلال مؤتمر الشعوب الإفريقية بتونس، ضمن خطاب تاريخي، كل الشعوب المضطهدة إلى رفض "حيلة الاستقلال" والقضاء على رواسب الاستعمار.

خطاب تونس التاريخي سَيَجْعَلُ من المهدي أحد القيادات الأساسية لمؤتمر تضامن الشعوب الذي سَيُعْقَدُ بالقاهرة سنة 1961، وسَيَتَقَرّرُ فيه رسميا ضم قارة أمريكا الجنوبية إلى الحركة، وتعيين بن بركة رئيسا للجنة التحضيرية لمؤتمر القارات الثلاث، بعد تَجْدِيدِهِ بالقاهرة على ضرورة تدارك كادحي العالم لأوجه النكوص والتراجع، وتحديد الخطوط الاستراتيجية لمواجهة عزم أوروبا على الهيمنة على القارة الإفريقية.

وآمن المهدي طوال فترة تَحْضِيرِهِ لمؤتمر عَلَّقَتْ عليه دول العالم كل آمالها للوحدة والمصير المشترك، بحل جذري يصفي الاستعمار بشكل نهائي على شاكلة حركات التحرر الصينية والفيتنامية والكوبية، تَنْطَلِقُ من حركة وطنية، ثم تَتَحَوّلُ إلى حركة اقتصادية واجتماعية بفضل استيلاء الجيش الوطني على السلطة.

أحلام المهدي بعالم آخر كانت تَقُضُّ مضجع العالم، حيث فَطِنَتْ الدول الرأسمالية الكبرى إلى اتجاه الرجل نحو خلق توازنات عالمية جديدة انطلاقا من تحضيره لمؤتمر القارات الثلاث، لتعمل على إزاحة المهدي من خلال نصب كمين الاغتيال في 29 أكتوبر 1965 على التراب الفرنسي، في عملية لم تعرف تفاصيلها الدقيقة إلى حدود الساعة.

ويحكي الجابري بحسرة بادية عن رحيل بن بركة، دون سرد تفاصيل الاغتيال، لكنه أصر على أن الاختطاف خلق صداما طويل الأمد بين الحركة الاتحادية والقصر، وشكل الحدث نقطة خلافٍ وتوترٍ دائمٍ أعاقت كل محاولات بناء توافقٍ بين مكونات المشهد المغربي، في ظل اتهام الاتحاديين للملك بالضلوع في قضية اختطاف المهدي.