التاريخ المحاصر ـ 27 ـ بين أنوال وشرعنة الوجود الاستعماري

التاريخ المحاصر ـ 27 ـ بين أنوال وشرعنة الوجود الاستعماري

تقدم جريدة هسبريس لقرائها الأوفياء، داخل المغرب وخارجه، كتاب "عبد الكريم الخطابي، التاريخ المحاصر" لمؤلفه الدكتور علي الإدريسي، في حلقات، خلال شهر رمضان الكريم.

هذا الكتاب، الذي تنشره هسبريس بترخيص من مؤلفه الدكتور علي الإدريسي منجما على حلقات، لقي ترحابا واسعا من قبل القراء المغاربة ولا يزال، إلى درجة أن الطبعتين الأولى والثانية نفدتا من المكتبات والأكشاك؛ بالنظر إلى شجاعة المؤلف في عرض الأحداث، وجرأته في تحليل الوقائع بنزاهة وموضوعية.

الكتاب من أوله إلى آخره اعتمد الوثائق النادرة في التأريخ للزعيم محمد بن عبد الكريم الخطابي بأفق وطني يتسع لجميع المواطنين المغاربة، على عكس الطريقة التي "اعتاد عليها أولئك الذين حاولوا احتكار الوطنية وتأميم مستقبل المغرب، والتحكم في مصير أبنائه قرونا أخرى"، يضيف على الإدريسي في تقديم الكتاب.

الحلقة 27

بين أنوال وشرعنة الوجود الاستعماري

رحل عبد الكريم عن الدنيا في 6 فبراير 1963، واستقر جثمانه في مقبرة الشهداء بالعباسية في القاهرة؛ وودعته مصر وداع بطل من أبطال الكفاح العالميين ضد الاستعمار، ورمزا من رموز التاريخ المعاصر، ورحل رفاقه مكللين بأمجادهم في غير صخب المهرولين إلى ولائم السلطة، وبدون أوسمة أو نياشين؛ فقد كانوا هم الأوسمة وأكاليل النصر على بوابة تاريخ المغرب المعاصر والراهن في أنوال، وتيزي عزة وتفرسيت، وعين الحمرة بالشاون، والبيان وغيرها من معارك أحرار المغرب الذين كان لهم شرف الانتماء إلى الوطن المفدى؛ ففضلوا الانسحاب من زمن تنكر فيه قادة الدولة "الوطنية المستقلة" وأحزابها لتضحياتهم في سبيل استمرار الوطن في الوجود وفي وجدان أجيال المغرب المتعاقبة في الزمن، ومن أجل حفظ أمانة الآباء وعهد الأجداد الذين لم يرضوا أن يروا غيرهم لوطنهم مالكا.

وستبقى ملاحم مثلث الحرية المتوج بأنوال، وتيزي عزة، وأعروي، والشاون، والبيبان شاهدة لهم على تفانيهم في التضحية الوطنية. ولا صوت يعلو على صوت التضحية في سبيل الوطن وقيم الحرية والكرامة والعدالة، وستتعاقب ذكرى أنوال وأخواتها بتعاقب السنين في إباء، تذكّر الاستعمار بمصيره، وبما كان في وادي المخازن، كما تذكر أعوانه بقدرة الشعوب على دحر البغي والعدوان، مهما يكن مصدره، كما تذكرهم بقدرتها كذلك على كشف أباطيل مناهج الحصار وثقافة زمن النسيان، وادعاءات الانفصال وتهديد سلامة الدولة ووحدة الوطن.

وها هو العالم حولنا لا يزال يتناول بالتحليل والدرس تلك الملاحم وآثارها وتداعياتها على التحولات السياسية العالمية وتصفية الاستعمار في القرن العشرين، ومدى تأثيرها في التعجيل بطرد الاستعمار من شمال إفريقيا بصفة خاصة، وعن كل البلاد المستعمرة بصفة عامة.

لكن في المقابل لا يزال هنا في المغرب من يحاول إعادة الاعتبار للاستعمار بوصفه ظاهرة حضارية إيجابية، ويعمل على تمجيد المارشال ليوطي (Lyautey) وتقديمه للمغاربة كفاتح جديد، كما أشرنا إلى ذلك في ثنايا هذا الكتاب.

ويجدر بنا أن نشير إلى أن ما يقرأه المغاربة في عهد الاستقلال، عن مزايا وفضائل وإنجازات ليوطي أكثر بكثير عما يقرؤونه عن أي شخصية مغربية دعت وخدمت مشروع إخراج المغرب من وضع تاريخه الملتوي في أخاديد الانحطاط الاجتماعي والفكري والسياسي. فهؤلاء يُثنون، مثلا، على ليوطي لكونه بنى في مدة 13 سنة من قيادته احتلال المغرب، عشرين مدينة، ولكونه وضع الصيغة النهائية لعَلَم المغرب، وقراره الاستغناء عن النجمة السداسية، التي كانت النجمة الرسمية للمغرب الأقصى، وتعويضها بالنجمة الخماسية؛ فقد كانت مرسومة في السكة المغربية. وتبنت الدولة الوطنية نجمة ليوطي الخماسية في العلم الوطني، كما تم تبني موسيقى الضابط الفرنسي ليو مورغان Léo Morgan ، رئيس فرقة الموسيقى العسكرية بالحرس الشريفي في عهد الاحتلال الفرنسي للمغرب؛ هذه الموسيقى التي أمر الملك الراحل الحسن الثاني في أواخر الستينيات من القرن الماضي أن تؤلف لها الكلمات المعروفة اليوم بالنشيد الرسمي للمملكة المغربية.

وبالعودة إلى ليوطي، فقد اعتبر هؤلاء أن ترحيله من المغرب، أو طرده، من قبل المكافحين من أجل عزة الوطن، سببا في تردي وانحطاط المغرب الذي أسسه مجددا هذا المارشال وطوره. وراح بعضهم يسجل أن المغرب لم يعش قساوة الاستعمار إلا بعد إقدام عبد الكريم على محاربة فرنسا وخروج ليوطي منه. لكن، ما هو خطير، أن بعض الشباب لا يزالون يرددون اليوم، لأسباب تربوية خاصة بأسرهم، أو تكوينية حزبية، أو جهوية وفئوية، أن طرد ليوطي كان بمثابة كارثة على المغرب الجديد، بل أنهم يعتقدون نفس الاعتقادات المرفوعة إلى درجة اليقينيات بأن المولى إدريس أسس المغرب القديم بعاصمته فاس، وأن المارشال ليوطي أسس المغرب الحداثي الجديد بعاصمته الرباط. كما انتقد خلفاؤه كل من حاد عن خريطة الطريق التي رسمها لهم، "الفاتح ليوطي"، باعتبار مقاومتهم له ولفرنسا مقاومة ومناهضة للحضارة والحداثة، ومعاداة للنظام الملكي ولإمارة المؤمنين كذلك، ويؤكدون أن ما فعله السلطان مولاي عبد الحفيظ في تسليم المغرب لفرنسا، وما أقدم عليه شقيقه مولاي يوسف من دعوة محاربة عبد الكريم "الفتان والروغي"، وتقديم الشكر لفرنسا في الاحتفال الرسمي سنة 1926 بذكرى الثورة الفرنسية وقيام الجمهورية، حيث خاطب فرنسا الجمهورية بقوله إن فرنسا يعود إليها "الفضل في قطع جرثومة العصيان من ولاييتنا". والتعبير للسلطان مولاي يوسف هو عين الحكمة والصواب. هذا اعتقاد حزب فرنسا في المغرب. فكثيرا ما تحججوا في ذلك بعبارات للحسن الثاني، التي جاء فيها أن «حكاية الذئب والحَمل التي كتبها لافونتين، لم تكن تبدو لنا حكاية، إلا أنه بدلا أن نكره فرنسا، كنا نفكر أن هؤلاء الذين كثيرا ما عاملونا معاملة ظالمة ليسوا إلا فرنسيين من درجة سفلى، وأن الذئب لا يمكن أن يكون فرنسيا» ، كما راحوا يستشهدون بفقرات أخرى من عباراته في كتابي "التحدي" و"ذاكرة ملك" حول تقديره لليوطي ولفرنسا ؛ لكنهم حين يفعلون ذلك يتغاضون عن العبارات الأخرى للحسن الثاني التي قوّم فيها المنجزات الاستعمارية بقوله: «في تلك الأيام، مدن جديدة تنبت وتنتصب ليقطنها الأوربيون، وكانت موانئ ومطارات، وطرق وقنوات وسدود وسكك حديدية، ومعامل تنشأ، وتشق وفق مخططات تتفق خصوصا مع حاجيات وإمكانات من كانوا يحكموننا. واختار من كانوا يحكموننا آنذاك أجود الأراضي الفلاحية وفي أخصب مناطق المغرب، ومتّعوا بها المعمرين لقاء أثمان رمزية، أو نتيجة طرق احتيالية عجيبة.»

ومن أساليب تلميع صورة الاستعمار يلجأ البعض إلى تمرير الإشادات بإنجازات فترة الحماية التي لم تتجاوز 44 سنة، في مقابل ما أنجز في نصف قرن من الزمن من عهد الاستقلال. ثم تنتقل الإشادات إلى الكتابات والأفلام. وكأحد الأمثلة على ذلك عرضت علينا القناة المغربية الثانية (2M) سنة 2005 فيلما خصص أساسا للحديث عن العلاقات الفرنسية المغربية إبان الاحتلال الفرنسي للمغرب، بمناسبة الذكرى الخمسينية لعودة محمد الخامس واسترجاع الاستقلال.

ويظهر أن الفيلم الذي مولته مصالح فرنسية كان له قصد مركزي ألا وهو تقديم الاستعمار كفاعل أساسي لتحديث المغرب وتحضره. وما يزكي هذا القصد، في نظرنا، هو تصريح زعيم ورئيس حزب سياسي مغربي، يصنف نفسه ضمن الوطنيين، في هذا الفيلم، بأنه لولا الاستعمار لما دخل المدرسة ولما تعلم، ونسي أن يقول إنه لولا فرنسا لما تزوج. وكل ذلك، في اعتقادنا، يندرج في الجهود المبذولة من قبل اللوبي الفرنسي بالمغرب من أجل إضفاء الشرعية على الاستعمار، والتقليل من الانتقادات الشديدة التي وجهتها جهات مغاربية إلى فضائع الاستعمار الفرنسي، عقب صدور قانون 23 فبراير 2005 الفرنسي الممجد للدور الاستعماري في تقدم الشعوب المستعمَرة. في حين أن الفيلم الوثائقي الذي أعدته القناة نفسها حول مرحلة مقاومة المغاربة للاحتلال الأجنبي، وعن عبد الكريم الخطابي بصفة خاصة، مُنع من العرض، بل سُحبت أصوله من أرشيف القناة، وربما كان مصير هذا الفيلم شبيها بمصير جثمان المهدي بن بركة.

وما يؤكد وجهة النظر التي ترى في الاستعمار عاملا حضاريا وليس مرحلة أعلى للإمبريالية، كما قال لينين ذات يوم، استمرار محاصرة رموز المقاومة وشهداء القضية الوطنية لمرحلة ما قبل الخمسينيات من القرن الماضي، بعدم إدراجهم في سجل العمل الوطني من قبل اللوائح الرسمية للدولة؛ خاصة وأن القوانين، التي صدرت في عهد الاستقلال، والتي حددت وعرّفت المقاوم، لا تشير إلى أولئك الأبطال الذين هبوا لنجدة الوطن بالتصدي للاحتلال الأجنبي؛ حين نصّت على أن صفة "مقاوم" تخص فقط الذين تصدوا للمؤامرات الاستعمارية؛ ابتداء من 16 غشت 1953 إلى 1960 فقط. فهل هي خطط ومشاريع يهدف من ورائها إلى رد الاعتبار للاستعمار؟

هل الولاء للاستعمار وراء إبقاء الخطابي في المنفى؟

وإمعانا في التنكر لقيم العمل الوطني المعادي للاحتلال، لا يزال الأمير الخطابي منفيا عن وطنه، كما هو معلوم. وكان أجدر بالدولة الوطنية المستقلة أن تتدارك الخطأ التاريخي الذي ارتكب في حقه، وحق رفاقه في العمل الوطني، منذ اللحظات الأولى للاستقلال بتجاوز السياسات الخاطئة، التي عرقلت المغرب من القيام بالوثبة الخلاقة نحو بناء دولة المغاربة، كل المغاربة. غير أنه يبدو أن شعار "امساخط سيدنا" كان ، ولا يزال مسيطرا على من له تأثير على مراكز القرار.

لكن، يظهر أن محمدا الخامس كان شاعرا بهذا الأمر وانعكاساته على مستقبل المغرب المستقل، فقام بزيارة الرجل في بيته بـ 5 شارع قاسم أمين بحدائق القبة في القاهرة، أثناء زيارته لمصر بتاريخ 13 يناير1960. وكان اللقاء، حسب رواية أبناء الأمير الخطابي، إنسانيا وإيجابيا بين إرادتين جمع بينهما النضال والتضحية من أجل الوطن، والإرادة القوية لبناء مؤسساته، قبل حسابات الربح والخسارة الشخصية التي اعتمدها ورثة الاستعمار. غير أن الموت لم يمهل محمدا الخامس ليفعل ما تم الاتفاق بشأنه في القاهرة مع الخطابي. ثم اتخذت الأمور بعد ذلك وجهة مغايرة. خاصة بعد معارضة عبد الكريم الخطابي لدستور 1962. فعادت القطيعة من جديد، بل تأكدت بين الحسن الثاني والخطابي، وشملت كل المنطقة التي انتسب إليها. فما ذا كانت الأمور في مرحلة ما بعد الحسن الثاني؟ هذا ما سنحاول عرضه في الحلقة الموالية.