التاريخ المحاصر ـ 26 ـ الاتجاه المعادي لخيار الكفاح والخطابي

التاريخ المحاصر ـ 26 ـ الاتجاه المعادي لخيار الكفاح والخطابي

تقدم جريدة هسبريس لقرائها الأوفياء، داخل المغرب وخارجه، كتاب "عبد الكريم الخطابي، التاريخ المحاصر" لمؤلفه الدكتور علي الإدريسي، في حلقات، خلال شهر رمضان الكريم.

هذا الكتاب، الذي تنشره هسبريس بترخيص من مؤلفه الدكتور علي الإدريسي منجما على حلقات، لقي ترحابا واسعا من قبل القراء المغاربة ولا يزال، إلى درجة أن الطبعتين الأولى والثانية نفدتا من المكتبات والأكشاك؛ بالنظر إلى شجاعة المؤلف في عرض الأحداث، وجرأته في تحليل الوقائع بنزاهة وموضوعية.

الكتاب من أوله إلى آخره اعتمد الوثائق النادرة في التأريخ للزعيم محمد بن عبد الكريم الخطابي بأفق وطني يتسع لجميع المواطنين المغاربة، على عكس الطريقة التي "اعتاد عليها أولئك الذين حاولوا احتكار الوطنية وتأميم مستقبل المغرب، والتحكم في مصير أبنائه قرونا أخرى"، يضيف على الإدريسي في تقديم الكتاب.

الحلقة 26

دور الاتجاه المعادي لخيار الكفاح والخطابي

وفي مقابل شهادتي العقيد الهاشمي الطود والضابط حمادي العزيز، بصفتهما أنموذجين من النماذج التي تؤكد خيار الكفاح المسلح للجنة تحرير المغرب العربي، من جهة، ومعارضة الأحزاب المسماة وطنية لهذا الخيار، نرى كيف كانت مواقف الأحزاب من هذا الخيار؟

اتهام الخطابي وأنصاره بالنزعة الانفصالية

نتيجة لمعارضة الخطابي للاستقلال الناقص من أطرافه، الناجم عن محادثات "إيكس – ليبان" بين الأحزاب والحكومة الفرنسية، وتفاهمات "سال سان كلو" بين محمد الخامس وفرنسا، قامت جهات، محسوبة على حزب الاستقلال القديم، باختطاف كل من يشتم فيه أي انجذاب أو تعاطف مع رؤية الخطابي لتحقيق الاستقلال الكامل، والالتزام بميثاق لجنة تحرير المغرب العربي. وكثير من أولئك المختطفين أعدموا بدون محاكمة.

صدر هذه السنة، وتزامنا مع محاكمات 2017 و 2018 للمشاركين في احتجاج حراك الريف، عن مركز بنسعيد أيت يدر للأبحاث والدراسات، كتاب تحت عنوان "الهيأة الريفية، ملف وثائقي" يكشف جانبا من جوانب تلك الاختطافات دون أن يشير إلى الاغتيالات والإعدامات، التي رافقتها، بعد أن نسبت إليهم مليشيات حزب الاستقلال القديم، وبنسعيد كان عضوا فاعلا فيها، "اعترافات" ومحاضر ناجمة عن الاستنطاق، وتقارير منسوبة إلى أعضاء في حزب الشورى والاستقلال، الخصم السياسي الأول لحزب الاستقلال، لا يعلم أحد كيف انتزعت منهم.

لكن، ما يلفت الانتباه أن ما سمي باعترافات المختطفين المنشورة في الكتاب (كتب عليها "أرشيف محمد بنسعيد أيت يدر"). أما ما أطلق عليه صفة تقارير فليس لها أي مرجع.

إن ما أُطلق عليه "محاضر استنطاق وتقارير"، المتعلقة بما يسميه الكتاب "الهيئة الريفية"، تقدم صورة غير وطنية عن مواقف المؤيدين لرؤية الخطابي لما يجب أن يكون عليه استقلال المغرب. ولعل "الخلاصة" التي وردت في نهاية ما سمي بـ"تقرير عن حدو أقشيش"، أحد ضباط عبد الكريم المتخرج من العراق، الذي اختطف سنة 56 وأُعدم دون محاكمة، تبين (الخلاصة) مدى تشكيك الاتجاه المناهض للخطابي في مواقفه الوطنية وتجريم مناصريه. تقول الخلاصة:

"وجدت لديه (عند حدو أقشيش) أربعة رسائل ممضاة باسم عبد الكريم الخطابي وباسم إدريس الخطابي؛ وهذه الرسائل كلها تهجُّم وإثارة العواطف وإغراء أهل الريف بالقيام بالثورة ضد جيش التحرير وضد الفرنسيين كما يزعمون، والسياسة التي اتخذتها الحكومة المغربية في شأن إيقاف جيش التحرير، عندما اقتضى نظر صاحب الجلالة ذلك. وتزعم الرسائل كما يزعم من توصل بها، أن السياسة التي يتمشى عليها صاحب الجلالة إن هي إلاّ وحي من بعض الهيئات، وأن صاحب الجلالة عاجز عن تسيير الشؤون مستقلا عن هذه الهيئات، كما وجد لديه مناشير ضد سلامة الدولة، وضد حتى جلالة السلطان. وقد جاء في هذه النشرة أن حزب الاستقلال يستمد نفوذه من السلطان الأجنبي ويعني بذلك صاحب الجلالة كما يطلقون على صاحب الجلالة اسم (بويشرذان) وهي باللغة الريفية أبو البراغيث ويقولون (من هم الذين يقولون؟) هذه الكلمة لمن يقصدون إهانته.

كما أن عبد الكريم الخطابي يأمرهم (يأمر من؟) بالتظاهر بالمسالمة مع صاحب الجلالة عندما لقبه باللقب المذكور سابقا أي يظهرون له خلاف ما يبطنون". انتهى النص المنقول عن كتاب "الهيئة الريفية، ملف وثائقي". التقرير رقم 18. فما أشبه الأمس باليوم؟!

نموذج من التقارير التجسسية المرفوعة من خارج المغرب

إذا كان هذا نموذج من نماذج قطع الطريق على الخطابي وجيش التحرير داخليا، كما أشار إلى ذلك الفقيه البصري في مذكراته، التي أشرنا إليها في حلقة سابقة، فإن التقارير التجسسية ضد الرجل كانت تلاحق نشاطه في القاهرة وغيرها كذلك. وهذا نموذج منها:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

حضرة الأخ العزيز السيد أحمد المليح

تحية زكية وسلاما عاطرا راجيا لك دوام العافية والسرور

وبعد؛

ليس من حقي أن أغادر القاهرة من غير أن أودعك ولكن الظروف الصعبة التي كانت محاطة بي لا تسمح لي بذلك، إذ كنت غير متيقن من هذا السفر المفاجئ إلى بغداد، فأرجو منك العفو والصفح عني.

هذا وأنا اليوم موجود في مدرسة المشاة حيث نقضي فيها مدة ستة شهور نتعلم خلالها على 7 أسلحة مختلفة وبعدها نذهب إلى الموصل لتقضي هناك شهرين حيث نتدرب على الحروب الجبلية والتعبئة وعندما نرجع إلى بغداد نجري امتحان وأخيرا يمنحوا إلينا شهادة بدرجة ضابط احتياطي.

هذا كلما في الأمر أو ما يتعلق بالدراسة إذ نقضي يوميا ست ساعة أربع منها عملي والأخريين نظري، إننا نتعب كثيرا وهذا البرنامج (...)جهدنا ولقد طلبنا من الجهات المختصة تمديد المدة مع تخفيف العمل ولكن مع الأسف الشديد إن الأمير محمد لا يوافق على ذلك إذ كانت نيته كما استنتجت من أتباعه أن نتدرب في هذه المدة القصيرة ونرجع توا إلى ميدان العمل إلى الجبال المراكشية لنشارك مع المجاهدين، وحيث يقوم أتباعه ببث الدعاية هناك وليكسب المعركة ويفوز ولكن خطته باءت بالفشل الذريع إذ أن الجميع يلعنوه على خطته وعلى غلطه الفاحش. هذا من جهة أم من أخرى فإن جميع الطلبة الموجودين معي وهم ثلاثين فلا يخفى عليك أفكارهم السيئة الدنيئة، إنهم يكرهون كل شيء لا (...) إلى الأمير ولي نعمتهم فمثلا عندما أعلن الاتفاق المشترك بين جلالة الملك والحكومة الفرنسية باعتراف الأخيرة باستقلال المغرب استقلالا تاما عارضوه فيه لأنه جاء من صاحب البلاد وممثلها الشرعي الجالس على عرشها إذ يكرهونه بصفة لا يمكن أن تتصور في ذاكرة أي مغربي كان (...). أما عدوهم الأكبر هو حزب الاستقلال وعلى رأسه زعيمه الأكبر السيد علال حفظه الله للجميع.

لهذه الأسباب كلها التي ذكرت لك فضلت الذهاب إلى بغداد لأتابع جميع حركاتهم التي يقومون بها ولو أنني أعرفهم في مصر لكن أردت الذهاب إلى العراق لألاحظ أعمالهم ونشاطهم وبما أنني مواطن مغربي لي الحق أن أخالط الصالح والطالح لأعرف الجميع وكذلك أخبر الجهات المختصة لتكون على حذر منهم. لهذا فأنا ما زلت على مبدئي وعليه أسير لا أبالي بأي عقبة قد تعوقني، وفي كل آونة سأبعث إليك جميع التقارير والتفاصيل عن نشاطهم المستمر وكل ما أرجوه منك أيها الأخ أن ترد على رسائلي ولا تهملها.

أخي العزيز سلم مني على الأستاذ الجليل عبد المجيد بن جلون سلاما حارا وأهنئكما باستقلال بلادنا العزيزة تهنئة حارة معبرة عن ابتهاجنا جميعا بهذا الفرح العظيم جعله الله عيدا مستمرا مزدهرا تحت رعاية عاهلنا المعظم محمد الخامس وزعيمنا الأكبر السيد علال وأطال الله في عمرهما وجعلها ذخرا لهذه البلاد العزيزة.

هذا وسلم مني على عائلتكم النبيلة وبالأخص نجلك مروان وكذلك عائلة الأستاذ عبد المجيد وتحياتي إلى عبد الرحمن وفاضل.

ويسلم عليك وعلى الأستاذ عبد المجيد الأخ سعيد المنور البركاني ويتمنى لكما دوام العافية والهناء. وتقبل تحياتي الحارة.

في 20/2/1956 أخوك محمد العطار مدرسة المشاة. بغداد - العراق

الحمد لله ولا يدوم إلا ملكه

حضرة الأخ العزيز الأستاذ أحمد المليح

تحية وسلاما.

وبعد. لقد بعث لسيادتكم رسائل مع الأخ عبد الرحمن الشنقيطي وأخبار هامة يدليها لكم عند وصوله بطرفكم وكذلك الأخ محمد الريفي وعساهم قد بلغا كل شيء.

واليوم لقد بعثوا الطلبة برسالة مسجلة برقم 406 تحمل الاستمارات مع صورهم ووثيقة قد منحتها لهم المدرسة، وكذلك رسالة كتبها محمد بن عيسى من غير أن يطلع عليها أحد. ولست أدري ما فيها وعلى كل حال فلديكم الآن 16 طلبا قارا من أسماء الطلبة الذين ذكرت لكم فيما سبق حتى تعرفهم وتقوم بالواجب. أما الباقي فلم يريدوا أن يبعثوها.

هذا منذ أربعة أيام وصلت رسالة من القاهرة باسم الأمير محمد يحث الطلبة على محاربة حزب الاستقلال وصاحب الجلالة لأنه يعطف على هذا الحزب ويذكرهم بوعدهم الذي عاهدوه وجاءوا من أجله، وهم موافقون على أوامره ولقد بعثت للسيد الزعيم علال رسالة في هذا الموضوع بالتفصيل.

وأخبرك بأنني مسافر مع الباقي إلى شمال العراق، أي الموصل، يوم الخميس صباحا لقضاء شهرا ونصف هناك على تعليم التعبئة والحروب الجبلية وسنرجع يوم 12 أغسطس وفي آخره نسافر راجعين- نرجوكم أن لا تبعثوا إلى بأي رسالة وكذلك أخبروا الأستاذ علال في هذا. وإذا كان فلابد فارسلوها بالعنوان الآتي: الرئيس علي جابر يسلمها لمحمد العطار مدرسة المشاة الوشاشي- بغداد- حيث يقوم هو بتسليمها إلى لأنه آمر فصيلنا ومعلمنا

وسلام مني على عائلتكم الكريمة وبالأخص الأخ مروان وتحياتي لسيادة الزعيم الكبير السيد علال الفاسي وعائلته المحترمة والأخ الأستاذ عبد المجيد بن جلون والجميع سلاما عاطرا.

وتقبلوا فائق الاحترام

بغداد 24/6/1956 أخوكم محمد العطار

من حقنا، ومن حق كل من يتساءل عن الأسباب التي حالت دون تحقيق المغرب لاستقلاله الكامل، غير منقوص من أطرافه ومن صحرائه، واسترجاع كل حدوده الحقة أن يطرح السؤال التالي: هل بإمكان المقدمات الفاسدة أن تعطي ذات يوم نتائج سليمة؟

سيكون ذلك ممكنا في حالة واحدة، هي: إذا أشرقت الشمس من الغرب