هل حكم الأراضي المغربية سلطان "وهابي" بين القرنين 18 و19؟

هل حكم الأراضي المغربية سلطان "وهابي" بين القرنين 18 و19؟

كثيرا ما نسمع الحديث عن خصوصية الإسلام المغربي، وتميز نمط تدينه المتسامح والمتقبل للاختلاف والتعدد، لكننا نصطدم في الواقع بأنماط تدين لا تمت لهذه الخصوصية بصلة، ونتساءل عن كيفية انتشارها وتأثيرها في الوسط المغربي.

ومن بين أنماط التدين هاته السلفية في شقها الوهابي، التي تحولت بعد تفجيرات 11 شتنبر 2001 من قضية عقدية لا تعتبر خصوصية البلد وقاطنيه وتاريخه، إلى قضية سياسية تهدد سلامة البلدان والناس بفعل تقديمها شرعية دينية للأعمال الإرهابية حتى ولو لم تدع إليها مباشرة.

في جزئه الأول، يحاول هذا الملف تتبع كيفية تغلغل نمط التدين السلفي الوهابي في الأوساط المغربية، وتحوله من أقلية عقدية إلى توجه نصوصي يُهيمن على وعي المغاربة ويهدد تدينهم وسلمهم.

محمد الثالث ومولاي سليمان: أول لقاء مغربي مع الوهابية

لا يرى التيار السلفي الوهابي بالمغرب أن الدعوة الوهابية دخيلة على المجتمع المغربي، بل يربطها بفترة حُكم السلطان المولى سليمان التي امتدت من السنوات الثلاث الأخيرة من القرن الثامن عشر إلى السنة الثانية والعشرين من القرن التاسع عشر.

ويحاجج هذا الرأي بخطبة جمعة كتبها السلطان نهى فيها عن المواسم التي كانت تقام بأضرحة الأولياء، ووصفها بالبدع التي تُفضي إلى اختلاط الرجال بالنساء وتبذير الأموال بدون طائل. ويورد أيضا ما ذكره المؤرخ محمد الضعيف الرباطي من شجب المولى سليمان زخرفةَ الأضرحة والمغالاة في البناء فوق القبور وأمره بإزالة القبة التي بنيت على ضريح والده محمد الثالث، وكذلك ما ذكره الناصري في "الاستقصا" من أن المولى سليمان لم يبن أي ضريح ولم يرمم طيلة فترة حكمه إلا ضريحين اثنين بهدف بناء حواجز تفصل بين الرجال والنساء عند الزيارة.

ويستشهد الرأي ذاته أيضا بالمذهب الحنبلي الذي كان عليه السلطان محمد الثالث بن عبد الله، أبو المولى سليمان، الذي كتب المؤرخ المغربي محمد المنصور في كتابه "المغرب قبل الاستعمار" أنه حاول إدخال عقيدة حنبلية لم يألفها المغاربة، وأنه "كان أول سلطان تجرأ على الوقوف في وجه الهيمنة المالكية بالمغرب منذ عهد الموحدين".

حنبلية لا وهابية

يرى المؤرخ محمد المنصور أن "نفور سيدي محمد بن عبد الله من المنظومة الفكرية المالكية الأشعرية لا يمكن أن يفسر فقط بتكوينه العلمي المحدود، بل يظهر أن الأمر يتعلق بمشروع ربما كان يهدف إلى إضعاف هيمنة العلماء وتقوية جانب الدولة بتمكينها من وسائل التدخل في المجال الديني". إضافة إلى أن اختيار محمد الثالث المذهب الحنبلي لا يعني اعتناقه العقيدة الوهابية، فالسلطان سلك مسلكا مناقضا لمبادئ هذه العقيدة وزار على سبيل المثال أضرحة الأولياء التي رتبها وأدرجها ضمن شعائر الدولة.

ويرى محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي في كتابه "الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي" أن السلطان سليمان كان "سلفي العقيدة على مذهب الحنابلة كما صرح بذلك في تآليفه"، ويذكر محمد المنصور أن سليمان كان من الحكام المسلمين القلائل الذين امتنعوا عن مهاجمة المذهب الوهابي، "بل أبدى تعاطفا مع بعض أفكاره".

وينفي المنصور إمكانية تفسير هذا التوجه السلفي باعتبارات شخصية وميول دينية فقط، ويؤكد على ضرورة إدخال الاعتبارات السياسية المتمثلة في طموح السلطان سليمان إلى الحد من نفوذ الزوايا والطرق الصوفية الشعبية باستئصال العوامل التي تغذي هذا النفوذ، مع أنه يعود وينتقص من قيمة الطموح السياسي في هذا التوجه السلفي فيكتب: "لا يسعنا إلا أن نسلم بأن إصلاحية المولى سليمان كانت نابعة، إلى حد بعيد، من اقتناعات شخصية".

ويبين المنصور في موضع آخر من كتابه "المغرب قبل الاستعمار" أن موقف المولى سليمان من البدع التي أصابت الزوايا لا يخلو من اعتبارات سياسية لأن الزوايا الكبرى ذات النفوذ الواسع كانت تعيش على تصوف متحجر يُروض المريد على التبعية العمياء، ويجعل بالتالي من هذه الزوايا قوى منيعة تنافس الدولة في بعض الجهات، ولكنه يذكر أسبقية الموقف الديني من هذا الصنف من التصوف عند السلطان سليمان قبل تقلده السلطة ودخوله معترك السياسة.

وفي السياق نفسه، يرى منتصر حمادة، الباحث في الحركات السلفية، أن المولى سليمان لا يعتبر وهابيا ولا حنبليا، فهو مالكي المذهب أشعري الاعتقاد، ورغم اتخاذه "موقفا سلفيا واضحا عند منعه القبائل المجاورة للرباط من إقامة موسم ضريح يحيى بن منصور وهدم القبة التي بنيت على ضريح والده باعتبار أنها بدعة، إلا أنه قد حرص مع ذلك على أن يبقي على نقاط الاتصال بين دعوته السلفية وبين ما اعتبره روح وجوهر الفكر الصوفي الطرقي".

وفي سياق الدفاع عن مالكية السلطان سليمان، يذكر المؤرخ محمد المنصور أن "السلطان، بخلاف والده، كان متشبعا بروح المذهب المالكي، ولم يخرج عن التقاليد المغربية، فتبنى العقيدة الأشعرية ودافع عنها، لكن تشبثه بالثقافة الدينية المغربية لم يمنعه من الانخراط ضمن ما يمكن أن نسميه بالتيار السلفي".

ويذكر المؤرخ في "المغرب قبل الاستعمار" أن المولى سليمان قد تخلى عن حنبلية والده التي رأى فيها العلماء مذهبا دخيلا، والتقى في مجموعة من النقاط مع الأشاعرة، من بينها مسألة الإيمان والتكفير، فأخذ بالرأي الذي لا يعتبر ارتكاب الكبائر من الأسباب الداعية إلى التكفير، وكان هذا سبب تحفظه من مذهب الوهابيين الذين كانوا ميالين إلى اعتبار التعلق بالأولياء واعتقاد التأثير منهم حجة كافية للحكم على صاحبها بالشرك، وبالتالي إباحة دمه وإجازة قتله.

موقف المغاربة من الوهابية

لم يكن المذهب الحنبلي مجهولا في المغرب، لكنه عرف أساسا من خلال دراسة الحديث ولم يعتبر قط مرجعا فقهيا، وكان أول نقل لأخبار الوهابيين إلى المغرب عن طريق الحجاج العائدين سنة 1803.

ونفى المؤرخ محمد المنصور وجود خطاب مباشر من الوهابيين إلى علماء المغرب أو المولى سليمان، "فالرسالتان اللتان تعرف من خلالهما السلطان والعلماء على المذهب الوهابي هما رسالتان عامتان في أصول المذهب الوهابي كان قد حملهما أحمد بن عبد السلام بناني معه بمبادرة خاصة منه عند عودته من الحج عام 1803".

وعرفت الدعوة الوهابية ردودا مختلفة ومتعددة من المغاربة على مستوى العلماء والعارفين وعموم الناس، فكان مما كُتب آنذاك قول المؤرخ محمد الضعيف الرباطي: "الوهابي (...) أراد أن يؤسس لدين جديد". وكتب الفقيه الطيب بنكيران مؤلفا انتقد فيه بشدة المذهب الوهابي ووصف زعيم الحركة الوهابية بـ"المبتدع الذي شوش على عامة المسلمين عقائدهم"، ووقف نقيب الشرفاء سليمان الحوات موقف عداء من الوهابيين، ووصف قائد الحركة بـ"الثائر المتمرد الذي يتوعد بالسيف كل من لم يتبع مذهبه". بينما كان الفقيه والأديب حمدون بن الحاج من بين أشد العلماء حماسا للمذهب الوهابي، كما ذكر المؤرخ محمد المنصور في كتابه.

وفسر المنصور العداء الذي أظهره العوام للوهابية بالهيمنة الإيديولوجية للمتصوفة والشرفاء، وتأثير الأخبار التي نقلها حجاج عاينوا قسوة المعاملة وتعرضوا للمضايقات في أداء مناسك الحج والزيارة من طرف الوهابيين، رغم تحامل هذه الأخبار ومبالغتها.

اعتقادات وهابية دون تأثير

يذكر منتصر حمادة في كتابه "الوهابية في المغرب" أن "دعوة محمد الثالث إلى السلفية الوهابية لم تجد صدى يذكر لدى علماء عصره المتمسكين بالمذهب المالكي والأشعرية"، ويستدل عن ذلك بعودة العلماء إلى تدريس "مختصر الخليل"، وهو واحد من أمهات كتب الفقه المالكي، بعد وفاة السلطان سنة 1790.

ويذكر محمد المنصور الحادثة نفسها التي عبر عنها بقوله: "وحتى أولئك الذين انصاعوا لأوامره بترك تدريس المؤلفات التي نهى عنها فعلوا ذلك من باب الامتثال لأوامر السلطان فقط وسرعان ما رجعوا إلى سابق ممارستهم بمجرد وفاته"، وقد ورد في "كرونولوجيا تاريخ المغرب" أن "السلطان المولى سليمان فشل في كسب تأييد مجموع العلماء المغاربة للمواقف الوهابية المناوئة لكرامات الأولياء وزيارة قبورهم".

ويشير حمادة إلى صعوبة إنكار غنى التراث المغربي بالخطاب السني السلفي الذي يتجلى في مؤلفات علماء الأندلس والمغرب، إلا أنه يلاحظ أن دعاة السلفية الوهابية الأوائل بالمغرب لم يتركوا أدبيات ولا مؤلفات تعبر عن أفكارهم، ولا مشاريع تعكس ما نادوا به من تجديد الفقه والاجتهاد المطلق والعقيدة السلفية الوهابية.