التاريخ المحاصر ـ 22 ـ .. الانتقام من الريف والاعتذار للشعب

التاريخ المحاصر ـ 22 ـ .. الانتقام من الريف والاعتذار للشعب

تقدم جريدة هسبريس لقرائها الأوفياء، داخل المغرب وخارجه، كتاب "عبد الكريم الخطابي، التاريخ المحاصر" لمؤلفه الدكتور علي الإدريسي، في حلقات، خلال شهر رمضان الكريم.

هذا الكتاب، الذي تنشره هسبريس بترخيص من مؤلفه الدكتور علي الإدريسي منجما على حلقات، لقي ترحابا واسعا من قبل القراء المغاربة ولا يزال، إلى درجة أن الطبعتين الأولى والثانية نفدتا من المكتبات والأكشاك؛ بالنظر إلى شجاعة المؤلف في عرض الأحداث، وجرأته في تحليل الوقائع بنزاهة وموضوعية.

الكتاب من أوله إلى آخره اعتمد الوثائق النادرة في التأريخ للزعيم محمد بن عبد الكريم الخطابي بأفق وطني يتسع لجميع المواطنين المغاربة، على عكس الطريقة التي "اعتاد عليها أولئك الذين حاولوا احتكار الوطنية وتأميم مستقبل المغرب، والتحكم في مصير أبنائه قرونا أخرى"، يضيف على الإدريسي في تقديم الكتاب.

الحاقة 22

ماذا لو.....؟

نستخلص من الحلقة السابقة أن أحداثا ومواقف كثيرة نجمت عن أولئك الذين احتكروا المغرب وخيراته باسم "الوطنية" لطالما شوهت وقزمت نضال المغاربة في سبيل استقلالهم استقلالا حقيقيا غير منقوص، سواء من جهة الجغرافيا السياسية، وحدود المغرب الحقة، أو من جهة الطموحات السياسية للشعب المغربي في دولته المستقلة، يمكننا القول: إن تتبع تطور العلاقة بين الأمير الخطابي من جهة، وبين قادة أحزاب الحركات الوطنية والسلطة المركزية من جهة ثانية، يدرك مدى الضرر الذي ألحقته تلك العلاقة، التي سارت في اتجاه أقل ما يقال عنه أنه ليس وطنيا، ولا ديمقراطيا، فأضر باستقرار المغرب الحديث، وهو في طور إرساء أسس دولته المستقلة، التي كان عموم المغاربة، ومنهم الخطابي، يريدونها دولة عصرية تقوم على المؤسسات وليس على الولاءات الشخصية أو القبلية، أو العصبية، أو على زعامات كاريزماتية أو حزبية. وفي غمرة الانتشاء بالسيطرة على السلطة، والتمتع بملذاتها ومباهجها، التي لا يحدها قانون أو ضمير، حدثت أثناءها أخطار: منها أن المجتمع المغربي انقسم إلى فئة قليلة جدا تملك الجمل وما حمل، وإلى غالبة ساحقة مسحوقة بالفقر والقمع والإدارة الفاسدة والعدل المرفوع. وأدى كل ذلك إلى إلحاق ضرر كبير بتناغم مكونات المجتمع، وإلى ما حاق بالوحدة الترابية الوطنية المتعثرة، أصلا بفعل عوامل تاريخية تعود إلى التفكيك الاستعماري لوحدة الجغرافيا السياسية للمغرب؛ حيث استولت إسبانيا على أقصى الجنوب وأقصى الشمال، واحتلت فرنسا وسط البلاد الأكثر ثراء بالنسبة لذلك العهد؛ وتم تحويل طنجة إلى قاعدة دولية. إضافة إلى استعمار إسبانيا لسبتة ومليلة وكل الجزر المتوسطية.

إن إقصاء الخطابي من عملية ومسلسل استعادة الاستقلال الوطني، وهو ورفاقه من قدموا أكبر التضحيات في سبيل حرية وطنهم وعزته، مع ملاحقة المتعاطفين مع آرائه السياسية وتصفيتهم جسديا، وتهميش المنطقة الجغرافية التي انحدر منها ، بل معاملتها معاملة المناطق المغضوب عليها المستباحة، بذهنية القرون الوسطى، وتغييب كل ما له علاقة بمقاصد السياسة المدنية، يقودنا كل ذلك إلى طرح الأسئلة الملحة التالية:

ألم يكن الاختلاف بين الخطابي وأحزاب الحركة الوطنية السياسية في منهجية العمل الوطني مجرد مظهر خارجي لخلاف يتعلق بمشروع سياسي عميق لم تلتحق تلك الأحزاب به، بعد مرور أكثر من 6 عقود على الاستقلال إلا قليلا، والذي يتمركز على ثلاثة محاور، هي: بناء دولة المؤسسات الديمقراطية، واحترام حقوق الإنسان، وتحقيق العدالة الاجتماعية؟

ويحق لنا أن نفترض أن محمدا الخامس يكون قد أدرك مبلغ الخطأ الذي وقعت فيه الطبقة السياسية المغربية التي ورثت سلطات الاستعمار دون أن ترث حكمته، ودون أن تكون مدركة إدراكا سليما بأن الدولة المغربية المستقلة يجب أن تكون صاحبة رؤية سياسية شاملة ووطنية بالمفهوم المتعارف عليه عالميا، فقام بزيارة الأمير الخطابي في بيته بالقاهرة، يوم 13 يناير 1960، حيث أظهر له كثيرا من الود، معبرا له عن تفهمه لانتقاداته لسلطات الاستقلال. وربما تفاهم الرجلان على الخطوط العريضة لبناء الدولة المغربية الديمقراطية. لكن الموت عجل برحيل محمد الخامس، في 27 فبراير 1960، قبل أن يحقق مشروعه السياسي.

وهل يحق لنا أن نفترض، في المقابل، أن الملك الحسن الثاني، الذي خلف والده، يكون قد شكك في جدوى النظام الديمقراطي، بوصفه نظاما للدماغوجيين، مفضلا مشروع حزب الاستقلال لنظام الحكم السياسي في المغرب المستقل، الذي نصت عليه عريضة 11 يناير 1944، القائم على «إحداث نظام سياسي شوري شبيه بنظام الحكم في البلاد العربية الإسلامية بالشرق»،

فقد علق الحسن الثاني على مشروع والده بقوله: «عندما أعلن والدي أن المغرب يجب أن يصبح ديمقراطيا وحديثا، لم يكن يعني بذلك أن عليه أن يحرق المراحل ويختصر الزمن، ويسلم الأمة إلى الديماغوجيين» ؛ ولكي يبرهن على صحة فهمه للمشروع السياسي لوالده ربط بينه وبين ما ورد في خطاب عيد العرش، لعام 1958، حين قال محمد الخامس: «إن الخطر الحقيقي ليس في انعدام النظام التمثيلي، ولكن الخطر كل الخطر في وجود نظام صوري يكون أداة اضطراب وهدم، لا أداة استقرار وبناء» ؛ ثم يشير بعد ذلك إلى أن الملكية الدستورية لا تعني بالضرورة «أن الملك يملك ولا يحكم؛ [لأن] الكلمات يمكن أن تعني حقائق مختلفة(...) فلكل شعب أخلاقه ومعتقداته وآراؤه، ولا وجود لطريقة حكم عالمية» ؟

وثاني هذه الأسئلة المحرجة، ألاَ يشعر أولئك الذين أجهضوا حلم المغاربة في الحصول على استقلال وطنهم كاملا غير منقوص من أطرافه، وعلى إقامة دولتهم الوطنية على مؤسسات ديمقراطية، وتحقيق العدالة الاجتماعية واحترام مقومات الهوية الثقافية، مسؤولية أخلاقية وسياسية عما تعرض له المواطنون وجهات كاملة في الوطن من تنكيل وتقتيل غير مبررين، واعتماد العنف كسبيل وحيد لممارسة الحكم، ولحل المشكلات السياسية، من قبل سلطات الاستقلال. وكمثال على ذلك الأسلوب والمنهجية التي تمت بها معالجة الأحداث الأليمة التي ذهب ضحيتها آلاف المواطنين في الريف سنتي 1958/1959، الذين لم يكن ذنبهم سوى الاستنجاد بمحمد الخامس لرفع ظلم الإدارة المغربية، التي خلفت الإدارة الإسبانية، وتجاوزات حزب الاستقلال ومعاداته للسكان وللأمير الخطابي، والحصول على حقوقه الأولية في المواطنة، مثل الحق في التعليم والتنمية المحلية، والمطالبة بجلاء القوات الأجنبية عن المغرب؟

ألم تظهر مسؤوليتهم السياسية في التوترات الاجتماعية، والمواجهات السياسية العنيفة بين شركاء الأمس وفرقاء الاستقلال، الذين أغرقوا فيها المغرب بسبب ذهولهم عن مقاصد السياسة المدنية، طيلة عقود الاستقلال، الذي تحول إلى ما يشبه "الاحتقلال"، كما عبر عنه الخطابي نفسه، وتم بالتالي تفويت الفرصة على المغاربة بتوظيف ذكائهم وقدراتهم الجماعية في تقدم بلدهم وازدهاره، عوضا عن إهدارها في سنوات الجمر والرصاص التي أحرقت الجميع، وتركت المغرب عرضة لاختبار كل أساليب العنف، بل مهدت الطريق لظهر نزعات تعادي الوحدة الترابية للمغرب، كي تزيد الخرق علي الراقع؟

ألاَ يحق لنا أن نعتقد أن الطبقة الحاكمة والنافذة لو التزمت المبادئ الوطنية، التي ضحى من أجلها أجيال وأجيال منذ الشريف محمد أمزيان، مرورا بماء العينين، وموحا حمو الزياني، ثم وصولا إلى عبد الكريم الخطابي في مرحلة المد الاستعماري ومرحلة التحرير الوطني، مع ما رافقها من انتفاضة شعبية عارمة، عقب خلع محمد الخامس ونفيه، والتزمت بالتالي النزاهة في ممارسة السلطة، واحترمت ثقافة الاختلاف وتعدد الرأي، لجنبت المغرب المستقل سياسة العنف والعنف المضاد، ولجعلت المغرب بلدا رائدا ونموذجا في ممارسة الحقوق السياسية، ولوَظفت ذكاء أبنائه في بناء دولة الأمان أحسن توظيف، بدلا من التقوقع في الخطط الأمنية التي أدخلت المغرب في نفق توجس البعض من البعض الآخر، والخوف المتبادل. ذلك الخوف الذي لا تزال آثاره قائمة إلى اليوم، تعرقل السير الطبيعي للدولة المغربية نحو المستقبل الذي ينشده أبناؤه؟

وثالث هذه الأسئلة ماذا لو قامت الطبقة السياسية، بما في ذلك تلك التي تقول إنها تنتمي إلى الحركة الوطنية، بعملية نقد ذاتي لممارستها السياسية، وتقديم الاعتذار للشعب المغربي عن أخطائها في حق الوطن والشعب المغربي، وعن الأضرار التي جعلت المغرب يتخلف كثيرا عن تحقيق طموحات ومشاريع أولئك الذين قدموا النفس والنفيس في سبيل أن يستعيد بلدهم دوره في التاريخ، بصفته فاعلا لا مفعولا فيه أو به. وبذلك فقط ستطمئن الأجيال على المستقبل السياسي لوطنهم القائم على الحرية والعدالة والكرامة، أو بكلمة واحدة: على المواطنة؟