التاريخ المحاصر ـ 19 ـ حياة وخطط "الأمير الخطابي" في مصر

التاريخ المحاصر ـ 19 ـ حياة وخطط "الأمير الخطابي" في مصر

تقدم جريدة هسبريس لقرائها الأوفياء، داخل المغرب وخارجه، كتاب "عبد الكريم الخطابي، التاريخ المحاصر" لمؤلفه الدكتور علي الإدريسي، في حلقات، خلال شهر رمضان الكريم.

هذا الكتاب، الذي تنشره هسبريس بترخيص من مؤلفه الدكتور علي الإدريسي منجما على حلقات، لقي ترحابا واسعا من قبل القراء المغاربة ولا يزال، إلى درجة أن الطبعتين الأولى والثانية نفدتا من المكتبات والأكشاك؛ بالنظر إلى شجاعة المؤلف في عرض الأحداث، وجرأته في تحليل الوقائع بنزاهة وموضوعية.

الكتاب من أوله إلى آخره اعتمد الوثائق النادرة في التأريخ للزعيم محمد بن عبد الكريم الخطابي بأفق وطني يتسع لجميع المواطنين المغاربة، على عكس الطريقة التي "اعتاد عليها أولئك الذين حاولوا احتكار الوطنية وتأميم مستقبل المغرب، والتحكم في مصير أبنائه قرونا أخرى"، يضيف على الإدريسي في تقديم الكتاب.

الحلقة 19

حياة الخطابي في مصر وخططه

ما لا شك فيه أنه لا يمكن المقارنة بين المنفى الفرنسي في لارينيون ولجوئه الاضطراري إلى مصر كاختيار ظرفي. فقد كان ذلك اللجوء يحقق له أهدافا كثيرة، أولها الاطمئنان الثقافي والروحي على أبناء وبنات الأسرة، وثانيها أن يجدد كفاحه من أجل تحرير وطنه، الذي وصف الخروج منه كخروج الروح من الجسد.

تأسيس لجنة تحرير المغرب العربي ورئاسته لها

ولم تتأخر البلاد الإسلامية من تقديم العون والمساعدة للأمير الخطابي ومرافقيه. فقد نزلت الأسرة أرض مصر وهي صفر فجاءتها الرعاية من قبل الملك فاروق، ملك مصر في ذلك الوقت. ثم سرعان ما تناهى الخبر إلى البلاد العربية والإسلامية فأبدى قادتها وزعماؤها من التعاطف والمساندة الشيء الكثير. ونذكر في هذا المقام مساندة دولتي السعودية وباكستان، بصفة خاصة، ثم العراق، وليبيا بعد الاستقلال. مما فك حصار الخطابي وبدد هواجسه في هذا المجال، ووفر لطاقته التحررية وثبَتها الجديدة. وتجلى ذلك بصفة واضحة في تأسيس "لجنة تحرير المغرب العربي" في القاهرة، برئاسته الدائمة، وبمساعدة أخيه السي امحمد، الذي كلف بالدفاع والشؤون العسكرية، وباتفاق ومؤازرة زعماء وممثلي الأحزاب السياسية المغاربية؛ وكان يعتقد اعتقادا راسخا أنه إلى جانب تضافر الجهود واتحاد النوايا وتآزر الإرادات لا بد من التسلح بالإيمان الذي «هو العامل الرئيس، وهو العامل الأقوى في كل عمل جاد مهما كان». ولهذا كان يبتدئ دروسه في التوعية، التي كان يلقيها على طلبته الذين يختارهم لكي يكونوا النواة الصلبة في قيادة حركة التحرر من الاستعمار، ـ كان يبتدئ ـ بقراءة وتفسير فصل من فصول كتاب "الشمائل المحمدية" لابن تيمية؛ وفقا لرواية أحد تلامذته الكولونيل/ القائد الهاشمي الطود؛ وكان يركز على إبراز قيم الإسلام الخالدة بخلود الإنسان، المنافية لقيم الاستعباد والمناقضة لمقاصد الاستعمار.

إن خطط التحرير التي كانت طاغية على برنامج حياة الخطابي في القاهرة، جعلت مفهوم اعتبار الذات لديه يتمحور حول القضاء على الاستعمار، الذي كان ينعته بـ"آفة العصر"؛ ومن ثمة راح يُفعّل، مرة أخرى، آفاق العمل الوطني التحرري؛ لكن في مجاله الأوسع، من الحدود الليبية شرقا إلى المحيط الأطلسي غربا، متخذا لنفسه عدة الزهد في مغريات الحياة؛ فقد اعتذر للسلطات المصرية على الإقامة هو وأسرته في قصر من قصور الحكومة المصرية، شاكرا لها حسن ضيافتها، كما شكر لها سخاء كرمها، واعتذر عن قبول رخصة الديوان الملكي باقتناء ما يحتاج إليه من المحلات التجارية العامة والخاصة؛ واكتفى باكتراء فيلا صغيرة تتكون من طابق أرضي وطابق علوي، في 5 شارع قاسم أمين بحدائق القبة؛ حيث استقر حتى التحق بالرفيق الأعلى. وكان بيت نوم الأمير في الطابق السفلي لا يتجاوز 14 مترا مربعا، وكان مكتبه أيضا بنفس المساحة، وفيه استقبل محمد الخامس في 13 يناير 1960، فقد كانت حياته بسيطة، بعيدة عن زخرف الحياة، أو مظاهر الفخفخة. فبالإضافة إلى اعتذاره عن الإقامة في قصر، وعن خدمات المحلات التجارية المدفوعة الثمن، فضل أن يعيش عيشة متواضعة، على عكس ما كان عليه الأمر، بنسبة كبيرة، في جزيرة لارييونيون. وتفيدنا المعلومات التي استقناها من أسرته أنه لم يقبل أبدا الهدايا العربية والاسلامية المتمثلة في السيارات الفخمة الفارهة، وكان يردد، عندما يسأل عن سبب ذلك، حينما تعم العدالة الاجتماعية المجتمعات الإسلامية سأكون سعيدا باستقبال تلك الهدايا، ويؤكد أبناؤه أنه لم يتناول طعامه أبدا في آنية فضية أو ما يشبه ذلك، ولم يحدث أن لبس لباسا غير الكاكي والصوف. وكان يتصدق بالأشياء المخالفة لذلك، ولا تزال ابنته عائشة تحتفظ بالسكاكين والمعالق والشوكات التي كان يتناول بها طعامه في السنوات الأخيرة من عمره، وهي من المعادن العادية. وتحضرني في هذه المناسبة عبارة لأحد المجاهدين الجزائريين، الذي عرف مولاي موحند عن قرب، كان يرددها على مسامعي وهي: "عبد الكريم أمير حقيقي لأنه كان يتناول معنا على سفرته العدس والبيصارة".

ولم تكن حياة السي امحمد والسي عبد السلام اللذين استقرا في الجهة الغربية لنهر النيل في كل من الجيزة والدقي مخالفة لنمط حياة الأمير.

أما الفيلا الني كان يسكنها الأمير بالإيجار، فقد أعيدت إلى أصحابها، ثم في معمعة الانفتاح، الذي قاده الرئيس أنوار السادات في السبعينيات من القرن الماضي، أُقيم في حديقتها عمارتان سكنيتان، بدل أن تتحول إلى متحف لمرحلة الخطابي في مصر يبقى شهادة مصرية على مساهمتها في العمل التحريري للمغرب. لكن لماذا نطلب أو نلوم المصريين على شيء لم نبادر به نحن في المغرب إلى الآن، وتركنا بيته الذي انبعثت منه الوطنية المغربية الحديثة ليصبح أثرا بعد عين، وأطلالا دارسة؛ كي لا تتعرف الأجيال على مواقع رامزة إلى ذاكرتها وتاريخها.

تطور وضعية الأسرة الخطابية: اجتماعيا ومعاشيا

نعود إلى الجانب المالي، ونشير إلى أن الحكومة المصرية خصصت معاشا ثابتا للأمير مقداره، حسب علمي 500 جنيه مصري شهريا. ومن جهتها أرسلت السعودية مساعدات مالية كبيرة؛ لكن عبد الكريم لم يكن بتوصل بها كلها لأنها كانت تمر عن طريق "مكتب المغرب العربي"، الذي كان قد تأسس في شهر فبراير1947. وكان الزعماء المغاربيون يتقاسمون تلك المساعدات؛ ولم يعلم بها مولاي موحند إلا عن طريق شهيد تونس الحبيب ثامر، الذي جاء يوما ليسلمه مبلغا ماليا، فعرف منه أنها أموال سعودية أرسلت إليه واستولى عليها زعماء الحركات الوطنية المغاربية في " مكتب المغرب العربي" بالقاهرة.

وذكر لي أنجال الخطابي أن الجزء الأعظم من المساعدات، التي قدر لها أن تصل إلى والدهم، كانت توجه إلى الطلبة الذين كانوا يقصدون مصر للدراسة، ولتهيئة الظروف لانطلاق جيش تحرير البلدان المغاربية تحت إشراف "لجنة تحرير المغرب العربي". ومن هذه اللجنة تكونت النواة الأولى لجيوش المغرب الغربي بقيادة القائد الهاشمي الطود، والمجاهد محمد حمادي العزيز، والشهيد حدو أقشيش، المعروف باسمه الحركي: أحمد عبد السلام الريفي، عبد الحميد بن الهاشمي الوجدي، وعز الدين عزوز التونسي، المعروف باسمه الحركي: أمين الطرابلسي، ومحمد إبراهيم القاضي الجزائري، الذي تم اختطافه مع حدو أقشيش وعرف نفس المصير، وغيرهم من أبطال المغرب الكبير.

قصة المعاش المغربي لأسرة الخطابي

وبالعودة إلى موضوع معاش الخطابي وأسرته تجب الإشارة إلى أن السلطات المغربية، في المنطقتين السلطانية والخليفية، لم يثبت أنها قدمت أي مبلغ مالي لمولاي موحند. وهذا عكس ما يشاع هنا وهناك. لكن عند زيارة محمد الخامس للقاهرة في يناير سنة 1960 أدى زيارة لعبد الكريم في بيته، الذي أشرنا إليه أعلاه، فقدم له عدة هدايا من مثل 50 قطعة ذهبية من نوع لويزة لكل فرد من أبنائه الذكور، و25 لويزة لكل واحدة من البنات، ثم قرر، رحمه الله، أن يخصص معاشا ثابتا لمولاي موحند مقداره 1000 جنيه مصري شهريا، ولأخيه السي امحمد معاشا قدره 400 جنيه شهريا كذلك.

شكر عبد الكريم الملك محمد الخامس على هذه الالتفاتة، التي طال انتظارها؛ ثم كتب في الحين إلى كل الدول التي كانت تساعده، شاكرا لها أفضالها، مبلّغا إياها أن جلالة الملك محمد الخامس قد ناب عنهم بتخصيص معاش قار له.

غير أن مواقف عبد الكريم من الدستور الأول للمغرب، في عهد الحسن الثاني، سنة 1962، الذي كان رأيه فيه بأنه ليس دستورا تعاقديا بين الحاكم والمحكوم، كما هو متعارف عليه، ومعمول به في كل الأنظمة الديمقراطية في العالم ، بل هو دستور ممنوح، يحرم الشعب من أي مراقبة حقيقية، أو مساءلة الحكومة، لأنها غير مسؤولة أمام نواب الشعب؛؛ وبأن هذا الدستور لا يضمن أي استقلال فعلي للسلطات الثلاث على أرض الواقع. أدت ـ تلك المواقف ـ إلى الانتقام منه بتوقيف المعاش الذي والده قرره محمد الخامس.

أما ما يقال عن تخصيص المغرب ميزانية، وامتيازات مادية واجتماعية لأسرة الخطابي، كما يشاع هنا وهناك، فهو مجرد كلام يردده البعض لمآرب أخرى...وسنحاول توضيح الصورة التي استطعنا تكوينها بالمعطيات المتوافرة لدينا؛ ونبدأ بالأمير، فهو لم يحصل في حياته ولا في مماته على أي امتياز باستثناء المعاش (إذا كان ذلك امتيازا) الذي قرره الملك محمد الخامس سنة 1960، وتم إلغاؤه في أواخر سنة 1962، كما أسلفنا القول. ولم تحظ أسرته بامتيازات اجتماعية؛ فحتى أرملته لم يفكر أحد من المسؤولين في منحها، مثلا، جواز سفر ديبلوماسي، أو معاملتها في المطارات معاملة الشخصيات الاعتبارية،vip، أسوة بمعاملة المصريين في مطاراتهم، وهي ليست مصرية، ولم يمنح لها بيت تستقر فيه حين قررت الإقامة في وطنها، ولم تجد من يؤويها غير ابنتها عائشة في منزل زوجها السيد مصطفى بوجيبار، ولم تحصل على بيت من الدولة المغربية إلا سنة 1994، لكنه بيت خال من أي أثاث. إضافة لمزرعة في مراكش. وقد تخلص الورثة من كليهما معا.

وحالة أرملة الأمير لم تكن حالة منعزلة في معاملة السلطات المغربية لأعضاء أسرة الخطابي؛ فشقيق الأمير السي امحمد حين عاد للمغرب سنة 1967 عاد كأي إنسان عادي؛ لم يخصص له أدنى استقبال يليق بشخصية لها حضور قوي في الكفاح الوطني. فقد تم إبلاغ المقربين إليه بعدم إذاعة تاريخ رجوعه، بدعوى تجنب مشاكل محتملة نتيجة حضور مكثف للجماهير إلى مطار سلا ـ الرباط حيث سينزل!! وفقا لشهادة السيدة عائشة الخطابي، بل حتى أفراد الأسرة الذين جاؤوا لاستقباله تم إخبارهم، من قبل سلطات المطار، بأن الطائرة سجلت تأخيرا مدته ثلاث ساعات، فغادروا المطار للراحة عند بعض الأصدقاء بالرباط. إلاّ أن أحد مقربي الأمير وصهره في آن واحد، وهو السيد محمد بوجيبار، تكاسل عن مغادرة المطار وفضل البقاء هناك؛ وتفاجأ أن الطائرة المعلن رسميا عن تأخر وصولها قد حطت بعد لحظات قصيرة من ذلك الإعلان، وشاهد السي محمد واقفا في صف طويل بين المسافرين ينتظر دوره لختم جواز سفره، مثله مثل عامة الناس، دون أدنى اعتبار أو تقدير للرجل الذي ضحى بعمره في سبيل الوطن. فهل يمكن أن نتخيل تصرفا أسوأ من هذا التصرف؟؟

ثم ماذا جرى بعد ذلك؟ أخذ إلى فندق حسان ليُعزل عن الناس الذين اشتاق إلى رؤيتهم ورؤية ألوان بلده في سحناتهم، وهم كانوا مشتاقين إليه كذلك، ليروا فيه رمزا من رموز تضحياتهم في سبيل عزة وطن لم يرضوا أن يكون فاقدا لحريته وعنفوانه في أي لحظة من لحظات تاريخه.

بقي السي امحمد رهين محبسه في الفندق يتألم من صروف الزمن المغربي في عهد الاستقلال أكثر من صروف المرض الذي كان يعاني منه، فلبى نداء ربه بعد وقت قصير، لأن ظلم أهل الوطن اشد مضاضة من ظلم الغرباء والأعداء.

ونستأنف حديثنا عن الجانب المعيشي، فنسجل أنه منذ توقيف المعاش، في أواخر سنة 1962، عاشت الأسرة الخطابية وضعا ماليا مضطربا. فالمعاش المغربي ألغي بعد سنتين من إقراره، والمساعدات الأجنبية كانت قد توقفت بطلب من مولاي محند عقب التفاتة محمد الخامس ، كما أشرنا أعلاه، ولم يبق للأسرة ، إذن، إلا المعاش المصري المقدر ب 500 جنيه؛ الذي كان قد فقد قيمته الشرائية مرات عديدة.

وبعد وفاة مولاي موحند في 06 فبراير 1963 قرر أفراد الأسرة شكر مصر، والتنازل عن ذلك المعاش، كونه كان مخصصا لشخص والدهم، وهنا اشتدت الأزمة المعيشية. وعاشت الأسرة، منذ تلك اللحظة، ضائقة مالية خانقة، فالسيدة عائشة، مثلا، حين تزوجت بالدكتور مصطفى بوجبار سنة 1964 تعذر على أسرتها أن تقيم لها حفل زفاف يليق بمقامها، بل لم تستطع أن تقتني لها قفطان العروس كباقي العرائس. والأكثر من ذلك فإن الكولونيل عبد السلام بن محمد بن عبد الكريم الخطابي وجد نفسه معدما بعد طرده من الجيش الملكي، كما تقدم، بل وصل به وضعه المادي إلى المبيت في الحديقة العمومية في الرباط.

وعاش إدريس في ضائقة مالية شديدة، ولم يسعفه إلا عديله السيد السدراوي حين وظفه في شركة النقل التي يمتلكها. هذه بعض الشذرات من حياة أسرة الخطابي في جانبها الاقتصادي والمعيشي.

أما ما تم ويتم تداوله بين المغاربة، والذي يفيد أن أعضاء أسرة الخطابي حصلوا على معاشات حكومية، فهو أمر لم يحدث إلا في أوائل الثمانينيات، بفضل جهود قام بها بعض المسؤولين من أمثال السيد المنصوري بنعلي وأحمد بنسودة، لدى الدوائر المغربية العليا. وتقرر تخصيص معاش قار مدى الحياة للأبناء المباشرين لأسرة الخطابي الكبرى (مولاي موحند، وسيدي امحمد، وسيدي عبد السلام) ومقدار ذلك المعاش كان يتراوح بين 25000 و 10000درهم بالنسبة للذكور و 15000 و 10000درهم بالنسبة للاناث شهريا. إضافة إلى مبلغ 25000. لأرملة الأمير.

فروع الأمير الخطابي

ولتكوين صورة مصغرة عن هذه الأسرة يجدر التذكير بأن محمد بن عبد الكريم الخطابي كان قد تزوج سنة 1920 من أسرة بوجبار من أجدير، كما هو معلوم. وفي سنة 1921 ازداد له ابنه البكر عبد الكريم، الذي توفي في القاهرة سنة 1984؛ وهو الوحيد من أبنائه الذي لم يسبق له أن زار المغرب، ولا يزال منفيا ميتا، كما كان حيا، إلى جانب والده بمقابر الشهداء في القاهرة، و ترك ابنة واحدة اسمها رانية، مقيمة في مصر.

وفي سنة 1924 ولد له عبد المنعم الشهير ب "عبده" تقديرا من والده للشيخ محمد عبده، وتوفي في أوائل التسعينيات من القرن المنصرم في القاهرة، وضريحه يوجد بمقبرة الإمام الشافعي، وهو لم يتزوج.

وفي السنة نفسها، أي 1924، رأى النور ابنه الثالث عبد السلام من زوجته الثانية، التي تزوج بها سنة 1923. ولم يترك عبد السلام الذي توفي بالمغرب أواخر الثمانينيات أو أوائل التسعينيات، عقبا، وقد دفن في مقبرة المجاهدين بأجدير الحسيمة. علما أن عبد السلام التحق بالجيش الملكي غداة الاستقلال، ثم تركه مطرودا لأنه رفض محاربة الجزائر فيما يسمى بحرب الرمال سنة 1963، التي لا تزال الشكوك من جدوى خوضها قائمة إلى الآن.

وفي سنة 1926 ازدان بيت مولاي موحند بـ "تيموش" أو فاطمة، شقيقة عبد السلام، وتوفيت سنة 1989 بالقاهرة، وكانت متزوجة ولها ولدان هما : لامية وعبد الكريم.

وفي لحظة الوصول إلى جزيرة لرونيون (La Rreunion)، مقر منفاه الأول في وسط المحيط الهندي، في أواخر سنة 1926 ولد إدريس، الذي تتفق جميع الآراء أن سلوكه ومواقفه كانت متطابقة مع مواقف والده، وقد توفي في حادثة سير قرب القنيطرة صيف 1979، ودفن في أجدير الحسيمة وترك ولدان: هشام وياسين.

أما الابن السادس فهو سعيد الذي ولد سنة 1933توفي سنة 2007. ولسعيد ثلاثة أولاد، هم: عبدالكريم وإيمان وطارق.

وفي سنة 1937 رزق امّيس ن سّي عبد الكريم بابنته الثانية : "رقية" وهي متزوجة ومقيمة في مصر، ولها ولد وبنت : محمد وياسمين.

وفي سنة 1939 رأت النور الابنة الثالثة، مُنات ، الشهيرة ب "منى" المقيمة في مصر إلى الآن ، متزوجة وليس لها عقب.

وفي سنة 1940 رزق الخطابي بتوأمين، هما عبد المحسن ومريم. استقر عبد المحسن بالدار البيضاء منذ شبابه، وكان من رجال الأعمال؛ وتوفي في أواسط التسعينيات، ودفن في أجدير الحسيمة إلى جانب إدريس وعبد السلام، وترك بنتا واحدة اسمها شهد.

أما مريم فكانت مقيمة بالدار البيضاء بعد طلاقها، ولها ابن واحد، هو أحمد. توفيت سنة 2017

وفي سنة 1942 اكتمل عنقود الأمير بازدياد كريمته عائشة، التي التحقت بالمغرب سنة 1964، بعد أن عُقد قرانها على ابن خالها الدكتور مصطفى بوجبار، رحمه الله، ورزقت بثلاثة أولاد هم: خديجة وعبد الكريم ومنير.

وخلاصة القول إن الأمير محمد عبد الكريم الخطابي بقدر ما كان يشغله مصير حياة أسرته في منفاها بقدر ما كانت تسكنه هموم التحرر من ربقة الاستعمار؛ ولذلك عاش مناضلا ومجاهدا في سبيل القيم التي آمن بها، ثابتا على مبادئه، عاملا على تحقيقها، لم يسع لا إلى سلطة ولا إلى جاه؛ فقد كان بوسعه أن يحصل عليهما جميعا، كما كان زاهدا متقشفا في مباهج الحياة المادية، وغريما لأعداء العدالة والحرية؛ لا شيء يحرك سواكنه أكثر من قضايا تحرير الشعوب من كل أشكال الاستعمار والاستعباد، ونشر قيم العدالة الاجتماعية، والعيش في كرامة، واسترخاص الحياة في سبيل العزة الإنسانية.

ولذلك فضل أن يستمر في منفاه، حيا وميتا، على ألاّ يكون شاهد زور على استقلال وطن بُترت أطرافه، وأهين شعبه، وقمعت إرادة أحراره، واقتسمت ثرواته، لأنه استوعب وجهة التاريخ ومكره في آن واحد.