التاريخ المحاصر ـ 15 ـ .. هكذا تم إلصاق تهمة العمالة بالخطابي

التاريخ المحاصر ـ 15 ـ .. هكذا تم إلصاق تهمة العمالة بالخطابي

تقدم جريدة هسبريس لقرائها الأوفياء، داخل المغرب وخارجه، كتاب "عبد الكريم الخطابي، التاريخ المحاصر" لمؤلفه الدكتور علي الإدريسي، في حلقات، خلال شهر رمضان الكريم.

هذا الكتاب، الذي تنشره هسبريس بترخيص من مؤلفه الدكتور علي الإدريسي منجما على حلقات، لقي ترحابا واسعا من قبل القراء المغاربة ولا يزال، إلى درجة أن الطبعتين الأولى والثانية نفدتا من المكتبات والأكشاك؛ بالنظر إلى شجاعة المؤلف في عرض الأحداث، وجرأته في تحليل الوقائع بنزاهة وموضوعية.

الكتاب من أوله إلى آخره اعتمد الوثائق النادرة في التأريخ للزعيم محمد بن عبد الكريم الخطابي بأفق وطني يتسع لجميع المواطنين المغاربة، على عكس الطريقة التي "اعتاد عليها أولئك الذين حاولوا احتكار الوطنية وتأميم مستقبل المغرب، والتحكم في مصير أبنائه قرونا أخرى"، يضيف على الإدريسي في تقديم الكتاب.

الحلقة 15

إلصاق تهمة العمالة بالخطابي !

تُعدّ حرب التحرير في الريف وتداعياتها من مشمولات التاريخ الراهن. ومعلوم أن الجامعة المغربية لم تكن تأذن بتناول التاريخ الراهن للمغرب. فكيف "استطاع" جيرمان عياش انجاز رسالته الجامعية في الرباط عن التاريخ الراهن دون غيره، فهل كان بإمكانه القيام بذلك لو التزم الموضوعية في التناول والنزاهة في التحليل؟ وأين اختفت الوثائق التي اعتمد عليها لكي يلصق تهمة الحمالة بالخطابي؟

أما التحاق الخطابي بالمقاومة فيرجعها عياش إلى هزيمة ألمانيا وبالتالي تركيا. مما جعل الخطابي، في نظره، يلجأ إلى بذل « مساعيه قصد التقرب من المقاومة طالما أن التقارب مع إسبانبا أصبح مستبعدا.» فالأمر على هذا الأساس لا يعدو أن يكون إلا انتهازية سافرة، فلا عبد الكريم ولا ولديه محمد وامحمد كانت لهم نية «الالتحاق بصفوف المقاومة، التي لم يحتكوا بها سابقا، إلا في إطـار مناورتهم السياسية.»

ولست أدري أي منهج في التاريخ خول لعياش ما يعيبه على غيره حين ذهب إلى التسفيه بكل من اعتبر علاقة عبد الكريم وولده محمد مع إسبانيا مناورة سياسية أملتها ظروف الإعداد للمقاومة المسلحة، إن لزم الأمر ذلك، في الوقت الذي ذهب فيه إلى أبعد عندما أكد «أن الشرط الأساسي لكل تقدم في هذه القضية التاريخية، هو أن نقتنع برفض جميع المصادر المطبوعة مع بعض الاستثناءات.» غير أنه في الواقع لم يرفض إلا المصادر المغربية واعتبرها مجرد ترهات، إلى جانب المؤلفات الإنجليزية. ولم يكن الأمر كذلك بالنسبة للمصادر الإسبانية والفرنسية.

إن الاعتماد، شبه الكلي، على المصادر والوثائق الأجنبية، وبخاصة الفرنسية والإسبانية، وانتقاء العبارات التي تخدم غرضه جعل المؤلف يذهل عن أمر بسيط ، ولكنه في غاية الأهمية؛ ألا وهو الكيفية أو الطريقة التي أصبح بها عبد الكريم، ثم ولده من بعده، قائدين للجهاد والمقاومة، إذا ما كانا مجرد عميلين للاستعمار، كما حاول إثبات ذلك في ثنايا كتابه؟ إن التسليم بعمالة عبد الكريم وولده لإسبانيا لا يتماشى ومنطق الأشياء والواقع. وإذا سلمنا بذلك سنكون مضطرين إلى أن نلجأ إلى منطق الخوارق في السياسة، وإلى الحكم على المقاومين والمجاهدين بالسذاجة والغفلة، لكن إذا كان العلم يرفض منطق الخوارق، فإن واقع المغاربة في الريف، بالنظر إلى ما هو معروف عن ذكائهم واعتدادهم بعزتهم، يرفض الحكم عليهم بالسذاجة والغفلة.

سقوط الافتراضات والافتراءات

والآن، ألا يحق لنا، ودون أن نستمر في اكتشاف مجاهل حرب الريف، وحقيقة قائدها، وغفلة المقاومين عن حقيقة قائدهم، كما قدمها عياش أن نتساءل عن النتيجة النهائية من قراءته للأحداث وافتراضاته واستنتاجاته؟

مما لا شك فيه أن "جرأته" جعلته يعلن أن تلك الصور التي وصلت إلينا عن حرب الريف صور زائفة، زيف كتابات البوعياشي وسلام أمزيان وغيرهما. أما الصورة التي يراها "أصيلة" ويريـدها أن تترسخ في أذهان الناس، فهي تلك التي كررها مرات عديدة في كتابه بتعابير مختلفة، ثم صاغها في الحكم التالي: «كان القاضي عبد الكريم وولداه عميلين مخلصين للقضية الإسبانية، وإلى عشية اندلاع الحرب الريفية، لم يكن هناك أحد أكثر فعالية ووعيا منهما فيما بذلاه لعرقلة جهود المقاومين. وبحصر حديثنا عن محمد (…) فإننا لن نجد من يعارضنا إذا قلنا إن هذه الحرب (…) لم تكن لتقع لو كانت رهنا بمشيئته وحدها، لقد كان ساعة اندلاعها يتفاوض مع الإسبان، وفي الخفاء، كيف لا نطرح السؤال: هل كان بالإمكان أن تنطلق معركة أُوبرَان، التي فجرت الحرب الريفية لو أنه كان حاضرا في "الحركة" يوم فاتح يونيو؟»

من بين مرامي هذا الحكم، الذي أصدره عياش، أن عبد الكريم اضطر اضطرارا إلى ركوب موجة المجاهدين كأي انتهازي ماكر. وبناء على هذا الحكم، فإن الحرب ضد إسبانيا، بالنسبة إليه، ما كانت لتندلع أصلا!. وليس من الضروري أن نستغرب مثل هذا الحكم، لأن كتاب" أصول حرب الريف" إذا ما عرفنا التقنيات المنهجية العالية التي تم توظيفها في تحريره، وطريقة الصياغة المحبوكة من قبل مهني ماهر، فإننا ندرك الكيفية التي تم بها الوصول إلى إصدار مثل تلك الأحكام.

أسئلة تخص حرب التحرير في الريف

لكن ما غاب عن رجل امتهن كتابة التاريخ أنه أهان ذكاءه العلمي، وأخل بأبسط قواعد المنهج العلمي الخالي من الأهواء والأغراض التي يجب أن يتحلى بها مؤرخ يتصدى لتناول أحداث في مستوى الحرب التحريرية التي جرت وقائعها في منطقة الريف، ما بين 1921 و1926. وحبذا أن نطرح فيما يلي بعض التساؤلات المتعلقة بالخلل المنهجي والإهانة المشار إليهما، وهي:

1- لو كانت تلك الحرب مجرد نزاعات دموية معتادة بين الريف وإسبانيا، كما يزعم المؤرخ، لماذا كان لها ذلك الوقع على النظام الإسباني نفسه، الذي استمرت تفاعلاته حوالي ستة عقود من الزمن؟ ولماذا انقسم الرأي العام الإسباني بشأنها إلى اليوم؟ ويكفي دليلا على ذلك ما يصدر في إسبانيا سنويا من دراسات وأبحاث جديدة في الموضوع.

2- لو كانت مجرد تعبير عن "وحشية الريفيين وسعارهم" على حد تعبير المؤلف، لما دخلت فرنسا الحرب بتلك الأعداد الضخمة من جيوشها ومن مجندي المستعمرات؛ وبقيادة أفضل ما لديها من ضباط، وفي مقدمتهم بطل فيردان، المارشال بيتان، من أجل إنقاذ كبرياء الاستعمار، بعد فشل المارشال ليوطي، الذي غادر المغرب مدحورا مكسور الخاطر بشهادته هو نفسه، وبشهادة من عاصر رحيله الحزين عن المغرب؟

3- لو كانت مجرد ذكريات في أذهان من عايشوها ساعة نشوبها لما تجاوزت حدود تأثيرها إلى أوروبا، بل إلى كل العالم، ولما كانت فاعلا قويا في خلط أوراق اللعبة الاستعمارية، ولما أدت إلى طرح أسئلة جديدة ومقاربات عن الرؤية المستقبلية للعلاقات الدولية ومصير الشعوب المستعمرة، وضرورة تجسيد مبدأ تقرير مصير الشعوب، الذي ترجمته عمليا مناهج وبرامج حركات التحرر الوطني بعد تلك الحرب بقليل. وقد أشار إليها المؤلف نفسه في معرض حديثه عن إشادات ماو تسى تونغ بعبد الكريم وعن تتلمذ الفيتناميين عليه؟

4- لو كانت، تلك الحرب، حدثا مغمورا وحالة عرضية مقذوفا بها في أرشيفات الدولتين الاستعماريتين، لما استحضرت بقوة في المناقشات السياسية الفرنسية، أثناء أزمة خلع محمد الخامس ونفيه، وعودة المقاومة المسلحة في منطقة الريف بالذات، كما تشهد على ذلك محاضر جلسات الجمعية الفرنسية ومذكرات الساسة الفرنسيين. بحيث لم يكن هناك شيء يخيف الفرنسيين أكثر من اسم عبد الكريم واستحضار ذكريات حرب 1921-1926.

أما إذا عدنا إلى موضوع انطلاق الحرب، أكانت بحضور محمد بن عبد الكريم الخطابي أو في غيابه؟ فإن السؤال الجدير طرحه من قبل المؤرخ الملتزم بالموضوعية، هو: هل قامت تلك الحرب بعد إعداد اجتماعي ونفسي وتنظيمي للسكان، أم أنها مجرد ردة فعل أناس « قراصنة متوحشين» متحَدِّين « في آن واحد كلا من العالم المتمدن والسلطة المتغيبة للسلطان»؟

بالنسبة للمؤرخ المتحرر من الأحكام المسبقة، ومن المرامي غير الأكاديمية، ومن الخدمة المدفوعة الأجر، وغير المتنكر لقيم التحرر، التي هي حق لكل البشرية، فإنه لا يستطيع أن يوافق على أن مقاومة غيرت كل حسابات القوى الاستعمارية في العالم واعتقادات الشعوب المستعمَرة، في آن واحد، حدثت تلقائية هكذا في إطار" النزاعات الدموية"، دون إعداد وتهيئة وقراءة جيدة لمؤهلات الآخر، وللظروف الجهوية والدولية. خاصة وأن الريف كان مستغرقا قبل شهر شتنبر 1920 في حروب "الريفوبليك "؛ أي في وضعية الحروب الثأرية؛ التي كان فيها كل منزل عبارة عن قلعة حربية. وكان زعماء القبائل الريفية منقسمين على أنفسهم أشد انقسام، ليس فقط بسبب ما يسميه الأنتروبولوجيون بالنظام القبلي الانقسامي، بل بتخطيط من قبل إسبانيا كذلك، وفقا للمبدأ الاستعماري الشهير " فرق تسد ". وقد تحدث المؤلف عن كل هذا في مؤلفه، لكن بغرض تسويغ وتمرير الأحكام والأهداف التي أراد أن يكونها عن تلك الحرب وقائدها.

ومن هذه الأهداف فك الارتباط بين آل عبد الكريم، الرمز، وبين أبناء الشعب المغربي؛ من خلال إضفاء صفة الانتهازية على قيادته لتلك الحرب، خاصة عندما يطرح مثل هذا السؤال: « هل كان بالإمكان أن تنطلق معركة أوبران، التي فجرت الحرب الريفية، لو أنه ( ابن عبد الكريم) كان حاضرا في الحركة يوم فاتح يونيو» 1921.

لو كان القراء مجبرين ومرغمين على قراءة كتاب "أصول حرب الريف" فقط، دون غيره من المؤلفات والدراسات، لكي يتعرفوا على أحداث حرب الريف، لكان لهذا السؤال بعض المفعول؛ خاصة إذا ارتبط أيديولوجيا مع الذين حاولوا إقناع أنفسهم بأن المصالح التي كانت تدير تلك الحرب لم تكن مغربية، أو استند إلى آراء الذين لُقِّن لهم أن ابن عبد الكريم الخطابي ليس إلا شيخ قبيلة متوحشة معتادة على كراهية الأجانب، أو أنه فقيه متعصب معاد للحضارة.

أما الذين عرفوا، أو أنهم سيعرفون، أن عبد الكريم الخطابي كان أستاذا، وصحافيا، وقاضيا ابن قاض (ودور القاضي في الجماعات والمجتمعات الإسلامية لا يدركه إلا من أوتي حظا من فهم التراث الإسلامي)، ثم يتذكرون أنه تتلمذ في القرويين لرجال عظام أمثال عبد الصمد كنون؛ ومحمد الكتاني؛ ومحمد كنون، ويستحضرون تجربته الغنية التي اكتسبها من والده، ومن ممارسة وظائف فكرية هامة في مدينة مليلة التي كانت له خير مساعد على استشراف الآفاق الاستعمارية عن كثب ودراية، وإرواء شغفه الشديد بأسباب الحضارة والتقدم، سيكون له رأي آخر. وقد ظهرت، فعلا، أبحاث ودراسات أنجزت حول المرحلة، مثلت مختلف المشارب الثقافية والتوجهات الأيديولوجية قارب عددها 2000 مؤلف، كما أشرنا إلى ذلك سابقا، تناولت الأحداث من زوايا مختلفة، ووجهات نظر متعددة، ساعدت وتساعد القراء والباحثين والمهتمين على إعادة بناء الوقائع بعيدا عن ذلك الزعم الذي خالف به عياش التقليد العلمي والأكاديمي حين قال في مقدمة كتابه: « أن طـموحنا لم يقتصر على سرد الوقائع، وإن كنا أعدنا بناءها في صورتها الحقيقية، بل توخينا أيضا فهمها.» فلو كان البحث الواحد كافيا للكشف عن الحقيقة لما احتاجت الأمم والدول إلى إنشاء جامعات وأكاديميات ومخابر ومراكز للبحث.

ومن جهة أخرى، إن التفاوض الذي يشير إليه عياش، إذا حدث، كان يجب أن يحدث، لأنه تفاوضٌ مطلوب من أجل تجنيب الشعوب ويلات الحرب ومآسيها الاجتماعية والنفسية التي يحتاج رتقها إلى عقود طويلة من الزمن، وربما إلى قرون، لكي يتم تجاوز ما ينجم عنها من أمراض نفسية وفيزيولوجية خطيرة، وتلوث للبيئة، خاصة عند استعمال الأسلحة المحرمة. فهل التفاوض جريمة أو خيانة للقضية الوطنية؟ وهل التفاوض بين الفرقاء والخصوم من أجل إيجاد سبل للتعاون، وتبادل المنافع، وللاستفادة من التقدم الحضاري، في جو السلام واحترام السيادة الوطنية وكرامة الشعوب، يعد عملا لا يشرف صاحبه؟

ماذا لو نجحت الجهود والمرامي التي كان يسعى إليها عبد الكريم الوالد وولده وآخرون من أجل وضع أسس للتعاون الإيجابي بين المغرب وإسبانيا، اللذين فرضت عليهما الجغرافيا الجوار، وفرض عليهما التاريخ التقابل؟ وماذا لو تم تصالح الجغرافيا مع التاريخ؟

ما هو مؤكد أن أحد الأسباب الكبرى لِتراجيديا الإنسانية هو الاستعمال المتباين للمطالبة بالحق بين المتشبثين بقوة الحق، وبين المغرورين باستعمال حق القوة. ولذلك عجزت الدول في تحقيق التعاون الإيجابي بينها البين؛ ومن ثمة سادت ثقافة العداء بين الأمم عوضا عن ثقافة الإخاء البشري والسلام.

الطرح الميكيافيللي لحرب الريف

في نهاية المطاف ظن عياش أنه أعاد بناء أحداث الحرب التحريرية الوطنية في الريف، وفق الصورة التي اعتقد أنها تخدم "الحقيقة" التي يريدها. ولذلك نراه يبدي في خاتمة كتابه، وبطريقة مكيافيللية، "تعاطفا" مع عبد الكريم بالدفاع عن اختياره الانحياز إلى جانب المقاومة، فقال إن ذلك كان بوازع « أخذ مصلحة بلده بعين الاعتبار»، ثم يمنح له وسام الوطنية بقوله: «لقد كان وطنيا، ولم تكن وطـنيته مصطبغة بتلك الألوان الصبيانية... ولم تكن كذلك من الصنف الذي يحلو للبعض تسميته بـ" الوطـنية البدائية"... بل توشحت بمفاهيم حديثة بشكل يثير الدهشة كمفهوم الوطن، وحرية التفكير، والديمقراطية، تلك المفاهيم التي يمكن أن يغبطه عليها أولئك الذين سموا أنفسهم فيما بعد "وطنيين".»

ولم ينس أن يسبغ عطفه هذا على الريفيين كذلك حين وشح صدورهم بوسام المواطنة المغربية! بقوله: « لكن هؤلاء الريفيين ليسوا مجرد ريفيين إنهم مغاربة قبل كل شيء، وأن الحرب التي أقدم عليها الريفيون وحدهم لم تكن قضية محلية أو إقليمية، بل كانت حدثا وطنيا من مستوى عال لأن أصولها ترجع في آخر المطاف إلى الإرادة الكامنة لشعب بكامله.»

فهل يجب أن نصفق، إذن، للخطابي الذي خدم إسبانيا وانحاز لألمانيا ثم انتهز الفرصة لكي يصبح وطنيا، تماما كمثل أولئك الذين تسابقوا للاحتماء بجنسيات الدول الأجنبية لخدمة مصالحهم؛ حتى ولو كان ذلك ضد مصالح الشعب والوطن، ثم ما لبثوا أن أصبحوا سدنة للاستعمار قبل أن يصبحوا المستفيدين الأول من الاستقلال؟

وفي الختام هل يمكن القول: إن مثل هذه الكتابات، أو الآراء، أو الأحكام، أو الاستنتاجات، قد تكون ذات مردودية مطلوبة، أو مرجوة، من قبل فئة معينة لتصفية حسابات معينة، كما قد تكون مسوغة لسياسة حرمان أبطال هذه الحرب الوطنية من أبسط حقوقهم على الوطن كتخليد أسمائهم على مؤسسات بلدهم وشوارع مدنه، وتخصيص متحف لتخليد مآثر تلك المرحلة المشرقة من لحظات تاريخنا الوطني، إلى جانب المآثر الأخرى التي تصدت للغزو الاستعماري؟ ألا يعني ذلك محاولة لطمس إحدى أروع لحظات اليقظة للمغرب والمغاربة والقذف بها إلى زاوية الظل، وإلى هامش التاريخ؛ من أجل الدعم الممنهج لنشر ثقافة النسيان؟

لكن من المؤكد، عندما ننظر إلى الأمر من زاوية أخرى، فإن هذه الكتابات وأمثالها تقدم خدمات جليلة من أجل تحصين الذاكرة الوطنية وحماية مكوناتها من الزيف والتشويه والنسيان، سواء تعلق الأمر بالجانب الشعبي لهذه الذاكرة الفاعل من خلال التناقل الشفوي للأحداث بين الأجيال؛ والذي لا يزال سمة ظاهرة في ثقافتنا، وآلية دفاع تلقائية ضد الخصوم والأعداء، أو من خلال المقالات الصحفية والمنشورات الشعبية، وكل أشكال التعبير الفني الأخرى، أو الجانب الأكاديمي الذي يؤكد استحالة تأميم التاريخ واحتكاره من قبل أي شخص أو جماعة أو هيأة.

فإذا استعرضنا الكتابات التي صدرت في السنوات الأخيرة، محليا ودوليا، حول الحرب الوطنية التحريرية التي رأس قيادتها محمد بن عبد الكريم الخطابي، المنتمي إلى أيت خطاب، على أكبر تقدير، وليس إلى عمر بن الخطاب، يدرك البعد الحقيقي لتلك الحرب وأصالتها الوطنية وجذورها العميقة في الوجدان الشعبي والذاكرة الجماعية للمغاربة، ومدى تأثيرها في الأحداث اللاحقة. ففي السنوات الأخيرة فقط صدرت دراسات وأبحاث كثيرة؛ مقارنة مع ما صدر قبل بداية هذا القرن، أكد بعضها أن كثيرا من المشكلات السياسية والانتفاضات الشعبية والأزمات الاجتماعية التي عرفها المغرب المستقل كانت نتيجة ممارسة ثقافة التهميش والنسيان الممارسة على صانعي أمجاد هذا الوطن؛ ومن بينهم الخطابي.