التاريخ المحاصر ـ 10 ـ ..  "جمهورية الريف" و"مساخيط سيدنا"

التاريخ المحاصر ـ 10 ـ .. "جمهورية الريف" و"مساخيط سيدنا"

تقدم جريدة هسبريس لقرائها الأوفياء، داخل المغرب وخارجه، كتاب "عبد الكريم الخطابي، التاريخ المحاصر" لمؤلفه الدكتور علي الإدريسي، في حلقات، خلال شهر رمضان الكريم.

هذا الكتاب، الذي تنشره هسبريس بترخيص من مؤلفه الدكتور علي الإدريسي منجما على حلقات، لقي ترحابا واسعا من قبل القراء المغاربة ولا يزال، إلى درجة أن الطبعتين الأولى والثانية نفدتا من المكتبات والأكشاك؛ بالنظر إلى شجاعة المؤلف في عرض الأحداث، وجرأته في تحليل الوقائع بنزاهة وموضوعية.

الكتاب من أوله إلى آخره اعتمد الوثائق النادرة في التأريخ للزعيم محمد بن عبد الكريم الخطابي بأفق وطني يتسع لجميع المواطنين المغاربة، على عكس الطريقة التي "اعتاد عليها أولئك الذين حاولوا احتكار الوطنية وتأميم مستقبل المغرب، والتحكم في مصير أبنائه قرونا أخرى"، يضيف على الإدريسي في تقديم الكتاب.

الحلقة العاشرة

حول تأسيس جمهورية الريف

من هم أهل الريف؟

وإذا عدنا إلى موضوع تأسيس جمهورية الريف، فيبدو أن تهمة " الجمهوري"، التي اتُّخذت سببا ظاهرا لمعاداة الخطابي والتنكر لتاريخ حركته الوطني، وتهميش وإقصاء منطقة الشمال؛ التي يعود إليها أصله الجغرافي، من كل امتياز إيجابي للاستقلال، وتصنيفها منطقة متمردة على الملك ومخزنه، ونعْت ساكنتها بعبارة "امساخط سيدنا"، أو "امساخط السلطان" علنية، أثناء انتفاضة 1958/1959، قبل أن يوصفوا في خطاب ملكي رسمي في يناير 1984 بـ" الأوباش،" فإن العض غير المحدد لا يزال يلجأ إلى هذه الصفة، أو التهمة؛ إما تأكيدا لفكرة التفوق المزعوم لجماعات معينة، ذات تقاليد راسخة في نفاق المخزن، أو فئات خدمت الاستعمار ومخططاته مقابل رضاه عليها، وهي الفئات التي تعلن اليوم جهارا نهارا بأن المغرب دولة فرانكوفونية ضدا على الدستور. وقد يلجأ البعض الآخر إلى استعمالها للإشارة إلى ما ميز مرحلة سياسية، اعتقد ذلك البعض بأنها أصبحت في ذمة التاريخ، وأنها الآن تحت نظر المؤرخين.

كما يوجد من يعتبر هذه الصفة/التهمة المفتاح السحري الدائم للباحثين عن الطرق السهلة لكسب موطئ قدم في السلطة، والاستفادة من امتيازاتها. والمثل الأقرب إلينا ما تابعه المغاربة سنة 2017 حين هرولت أحزاب الأغلبية الحكومية لنعْت المحتجين في الريف من أجل الحق في الجامعة وفي المستشفى، وفي العيش الكريم بتحقيق الشغل المنتج للثروة، بأن لديهم نزعة انفصالية. ولم تفعل الأحزاب "المنتظرة" أقل من ذلك. وفي التوجه نفسه هناك من لا يمل ترويج أسطوانة متآكلة أطرافها. يحاول أصحابها عبثا إثبات ما لا يمكن إثباته، وهو أن: «أكبر خطإ ارتكبه الخطابي هو إعلانه الجمهورية»

هل المغرب عاجز عن تجاوز عثراته؟

والغريب في الأمر، أنه كلما اعتقدنا أن المغرب، بجميع مؤسساته وهيئاته قادر على تجاوز عثراته بفهم مكر التاريخ، والقيام بالنقد الذاتي لمسار حوالي قرن من الزمن المغربي، والقيام، بالتالي، بتقديم العذر إلى الشعب المغربي عما لحق به من أضرار جسيمة وعميقة مست طموحاته الوطنية في بناء دولته الديمقراطية إلا وانعكست الأشياء. ومن بين ما يجب أن نشير إليه ونؤكده هنا، هو أن المغاربة كانوا يأملون في حدوث تحول إيجابي كبير في دولتهم، منذ التباشير الأولى للألفية الثالثة. وخاصة ما رافق وصول محمد السادس إلى سدة الملك من تطلعات كل المغاربة إلى العهد الجديد. وكانت تلك التطلعات تلقّحها رياح الديمقراطية السياسية في العالم، وثورة العولمة في مجال التواصل والمعلوميات. وإزاء كل ذلك كان هنالك مشروع ترميم أخطاء الماضي، ومصالحة المغرب مع تاريخه، وليس مع ماضيه؛ فالماضي مات وانتهى، أما التاريخ فهو حي معنا، وفينا، وبنا. والمصالحة مع التاريخ تساعدنا على التوجه الأنجع والأسلم إلى مستقبل أفضل، ينعم فيه كل المغاربة، دون استثناء، بحقوق المواطنة بعد قيامهم بواجباتها.

ما حقيقة جمهورية الريف؟

ويحق لنا، بعد هذه الإشارات والتنبيهات، أن نتساءل عن حقيقة الجمهورية التي اعتمدها المحاربون المغاربة في الريف بقيادة الخطابي؟ ومن المؤكد أن جمهورية الريف حقيقة سياسية ثابتة في التاريخ، فما خلفيات تأسيسها؟ وما موقعها في الخريطة السياسية في مغرب الاحتلال والحماية؟ وما هي الأهداف والمرامي التي أنشئت من أجلها؟ ولماذا قبل الخطابي صفة الجمهورية بالنسبة للكيان السياسي، الذي أوجدته تلك الحرب التحريرية للوطن، ولم يطلق عليه صفة الإمارة مثلا، خاصة أنه قبل لقب الأمير؟ وهل حقا، أن تنكر المخزن لبطولات المغاربة الريفيين، التي أصبحت مضرب الأمثال، بل مرجعية لأهم حركات التحرر في العالم، ناجم فعلا عن إعلان جمهورية الريف؟، أم أن الأمر عائد إلى جوانب نفسية اجتماعية وربما ثقافية؟ وهل يفسر لنا هذا التساؤل الاهتمام العالمي بمؤسسات تلك الحركة التحريرية، في أبعادها المختلفة؟ في الوقت الذي نظر إليها المغرب الرسمي باستصغار، باعتبار أن ما حدث ليس إلا مجرد مظاهرة عكست روح الكراهية للأجانب، حسب تعبير تقارير المدرسة الاستعمارية، وأنها ليست إلا لعبة لم تكن تدار لا من قبل المغاربة؛ ولا من قبل الإسبان أو الفرنسيين؟ وما هي الأسباب التي حدت بالمغرب السياسي، عموما، إلى التعامل السلبي معها، إن لم نقل التعامل العدائي؟ إلى غير ذلك من الأسئلة والتساؤلات.

إن كل معالجة موضوعية، من أجل الحصول أو الوصول إلى أجوبة حيادية عن الأسئلة السابقة، تتطلب استحضار معطيات أساسية في الموضوع ، وأهم هذه المعطيات في نظرنا تكمن في ما يلي:

ـ1 مغرب المخزن ومغرب السيبة

إن مغرب ما قبل الاستعمار كان مقسما جغرافيا إلى مناطق المخزن، ومناطق السيبة. بمعنى أن السلطان كان له نفوذ روحي وسياسي على المناطق المخزنية؛ وكان نفوذه منحصرا في الروحي فقط على مناطق السيبة. وكأن المغرب قبل الاحتلال كان دولة فيدرالية بمعنى من المعاني المستعملة في بعض الأنظمة السياسية اليوم. ولا تخلو كتابات الفرنسيين المعتمدة في المغرب من استعمال عبارة" فيدرالية القبائل" للتعبير عن وجود مناطق في الأمبراطورية الشريفية تعيش وضعا سياسيا، شبه مستقل، إن لم يكن مستقلا فعلا، عن المخزن، مع احتفاظها بالولاء الروحي للسلطان كما ذكرنا. وكان السلاطين المغاربة يقومون، من حين إلى آخر، بالإغارة على تلك المناطق: إما بهدف جمع الضرائب والمكوس والإتاوات؛ وإما استجابة لطلب الدول الأجنبية بعد أن تتعرض سفنهم لإغارة السكان المحاذين للبحر، غير الخاضعين للمخزن، وفقا لرواية الإخباريين المغاربة. وكان من بين تلك المناطق التي تعرضت للغزو المخزني قبيلة بقوية الريفية، الواقعة على البحر بين مدينة الحسيمة وبين حجرة بادس، سنة 1899، بقيادة بوشتى البغدادي، وقد ساعده على إنجاز مهمته السلطانية القاضي عبد الكريم الخطابي، والد قائد الحرب التحريرية موضوع الدراسة، وبعض الزوايا.

ونشير أيضا إلى أن الريفيين في منطقة إقليم الحسيمة، وعلى الرغم من حالة "السيبة" التي كانت سائدة في مناطقهم تحت عنوان" الريفوبليك" فإنهم واجهوا الحيلالي الزرهني بوحمارة في المعركة الحاسمة بمنطقة النكور، والتي أنهت عمليا تمرده، خريف 1908، لكن بعد أن دبروا حيلة وجود رسالة من السلطان إلى السكان تخبرهم وتقنعهم بأن بوحمارة ليس من أبناء السلطان مولاي الحسن وأنه متمرد.

2 ـ الأمبراطورية الشريفية و"فيدرالية القبائل"

وما تجدر الإشارة إليه، في هذه المرحلة، أن المغرب الرسمي، ووفقا لما توافر لدينا من معطيات، لم يحتج لا على صفة "الأمبراطورية الشريفية" ولا على مصطلح "فيدرالية القبائل" اللذين أطلقهما الكتاب والمؤرخون الفرنسيون وغيرهم، ومنهم أصدقاء للسلاطين والملوك المغاربة، على النظام السياسي لمغرب ما قبل الاحتلال، وعلى مغرب الاحتلال كذلك، بمعنى أن المغرب، بالنسبة إليهم، كان مجرد خريطة تاريخية لكيان تسوده الفوضى السياسية، غير خاضع لنظام مركزي مهيكل؛ وهو النظام الذي عمل الفرنسيون على إيجاده وترسيمه في المغرب وفي كل مستعمراتهم. وكانت العلاقة بين كثير من المناطق وبين السلطان لا تتجاوز علاقة ولاء روحي، بصفته أميرا للمؤمنين. وهذه العلاقة معروفة ومألوفة أيضا في التاريخ السياسي للمسلمين، حين كان السلاطين وأمراء المسلمين في أصقاع العالم أحرارا في ممارسة السياسة والسلطة التي يرونها صالحة لهم، لكنهم كان بإمكانهم أن يبقوا على ولائهم الاسمي أو الروحي للخليفة العباسي في بغداد مثلا، أو الخليفة العثماني، بعد ذلك، في اسطامبول. وقد مارس أمراء المغرب هذا الولاء في عهد المرابطين مع الاحتفاظ باستقلالهم السياسي.

ويبدوا أن الاستعمار استغل هذا التقليد السياسي، خاصة وأن السلطان لم يعترض على صفة "الأمبراطورية" كما أشرنا إلى ذلك، فراح يقتطع ما شاء له أن يقتطع من الأراضي التابعة للأمبراطورية في الناحية الجنوبية الشرقية أولا، ثم احتل بلاد شنقيط قبل أن يفصلها لاحقا عن المغرب تحت اسم موريتانيا ثانيا. واتبعت إسبانيا سلوكا مماثلا فقامت بتوسيع حدود مدينتي سبتة ومليلة، عقب هزيمة تطوان سنة 1859/1860، كما استولت في الجنوب على الصحراء المقابلة لجزر الكناري، المعروفة بالساقية الحمراء ووادي الذهب.

مغرب السلطان ومغرب الخليفة، أو المغرب الفرنسي والمغرب الإسباني

أما في شمال المملكة فقد استحدثت منطقة أطلق عليها اسم "المنطقة الخليفية" وضعت تحت الإدارة الإسبانية. وعين السلطان خليفة على المنطقة؛ كانت له تشريفات مماثلة لتشريفات السلطان في منطقة الاحتلال الفرنسي. لكن، ما يثير الدهشة والاستغراب، والتساؤل أيضا، أن خليفة السلطان على منطقة الحماية الإسبانية كان له ولي للعهد، كما كان له يوم رسمي يحتفل به وهو عيد الجلوس بلغة أهل المنطقة الخليفية، أو عيد العرش بلغة سكان المنطقة السلطانية. وهذا يعني أن السلطان لم بكن عنده مانع عن ممارسة شمال المملكة لنوع من الاستقلال الذاتي الموسع، بل ربما قبل بنوع من استقلال المنطقة الخليفية عن المنطقة السلطانية. وقد كان لكل منطقة علمها الخاص بها، وكانت طنجة دولية، أي خاضعة لمجموعة من الدول، هي: المملكة المتحدة و فرنسا و إسبانيا (ثم البرتغال وبلجيكا وهولندا والسويد والولايات المتحدة الأمريكية.

3ـ موقف الشعب المغربي من الاحتلال الأجنبي أو الحماية

إذا استثنينا مجموعة من المغاربة؛ المسلمين منهم واليهود، الذين تهافتوا على الجنسيات والحمايات الأجنبية، والتي لم تكن دوافعهم لذلك وطنية في كل الأحوال، فإن الشعب المغربي تصدى للغزو الاستعماري بالوسائل المتاحة له، وتحت عناوين مختلفة. فالشريف محند أمزيان جاهد الاستعمار الإسباني بين سنتي 1909 و1912 بدافع وطني ـ إسلامي، دون أدنى مساعدة من السلطان مولاي حفيظ، أو من مخزنه، بل توجد اليوم وثائق تؤكد تورط المخزن المغربي مع إسبانيا ضد الشريف أمزيان. ويمكن الرجوع لرسائل البشير بن سناح، سفير السلطان إلى إسبان مدينة مليلة للتأكد من ذلك. وعبر هذا السفير عن اعتباطه بمقتل الشريف أمزيان. ووصف استشهاده في رسالة إلى المخزن بعبارة "مات الفتان".

وفي منطقة" اجبالة "[ الشمال الغربي ] ظهر أحمد الريسوني بشخصه القوي وبأدواره المتقلبة؛ من شاب مغامر، ذي سلوك ومواقف شبيهة بأخلاق الصعاليك العرب في العصر الجاهلي، إلى ثائر على سياسة السلطان مولاي عبد العزيز وعلى الأطماع الإسبانية في آن واحد، ثم إلى مفاوض لإسبانيا التي استطاعت نشر نفوذها على منطقة اجبالة، بفضل تأثيره عليها.

وفي أقصى الجنوب تصدى سكان الصحراء للاستعمار بقيادة الشيخ ماء العينين، ثم سار ابنه الهيبة على نهجه. غير أن الهيبة وسع مقاومته إلى المناطق الواقعة شمال الصحراء، وربما اعتقد أن السلطان لم يعد قادرا على حماية البلاد مما جعله يطلب البيعة لنفسه، وفقا للقاعدة التي تقول "الطبيعة لا تقبل الفراغ".

وثمن علال الفاسي جهاد ماء العينين وولده الهيبة بقوله: «يرجع الفضل في توحيد قبائل الجنوب إلى الشيخ ماء العينين وولده الهيبة الذي كون من حوله حركة وطنية بالمعنى الدقيق للكلمة، وكافح الفرنسيين ... حتى احتل مدينة مراكش، ثم انهزم في معركة سيدي عثمان». واستمر كفاح سكان مناطق تافيلالت وأيت عطة مدة ثلاثين عاما تحت قيادة موحا أوحمو نيفروطن، الذي أذاق جيش ليوطي كثيرا من الهزائم، وعقب اغتياله غدرا سنة 1923 خلفه في القيادة ابو القاسم النكادي إلى سنة 1935. ودامت المعارك في الأطلس المتوسط من 1911 إلى 1933.

وتندرج حرب التحرير التي قادها محمد بن عبد الكريم الخطابي ضد الاحتلال الإسباني والفرنسي، مدة 6 سنوات، ضمن هذه اليقظة أو الهبّة الشعبية الوطنية، فهي شعبية لأنها من صنع الشعب بقيادات جديدة أوجدتها الأزمة، فالأزمة تلد الهمة، كما كان يقول جمال الدين الأفغاني، ووطنية لأنها شملت كل أرجاء الوطن أولا، ولأنها كانت تريد تحرير كل الوطن دون استثناء ثانيا. وما ميز الحركة الجهادية التحريرية للخطابي ورفاقه عن غيرها أنها ابتكرت أساليب ومنهجية جديدة في الحرب، يمكن تلخيصها في عبارة «القيام بالضربات الفجائية الفاعلة من أجل إرباك العدو وخلخلة صفوفه»، وهو ما سيشتهر، لاحقا، عند حركات التحرير في العالم، التي اقتبست أسلوب الخطابي، في كفاح الاستعمار بـ"حرب العصابات". ومن جانب آخر فإن تلك الحرب كبدت القوة الاستعمارية الإسبانية خسائر أدهشت العالم. ولو لم تسعف فرنسا جارتها اللدودة إسبانيا لطردت هذه الأخيرة من المنطقة الخليفية طردا نهائيا، كما كان بإمكان إستراتيجية عبد الكريم الخطابي العسكرية أن تنتصر على القوتين الاستعماريتين معا، لو لم يتم استعمال الأسلحة الكيماوية المحرمة دوليا؛ في جبهة القتال وفي غير جبهة القتال. وقد استعملت الغازات السامة لكسب الحرب، على الرغم من أن عدد القوات العسكرية الاستعمارية الموجهة إلى جبهات القتال كانت تفوق عدد سكان الريف.

لكن ما كان ملفتا للنظر أكثر في تلك الحركة، إلى جانب المنهجية الحربية الجديدة، هو الإصلاحات والتنظيمات والمؤسسات التي أحدثها الكيان السياسي للحركة الذي عرف باسم الجمهورية الريفية، مبطلا بذلك ادعاءات الاستعماريين الزاعمة أن احتلالهم للأمبرلطورية الشريفية؛ تحت عنوان الحماية؛ جاء لتحديث المغرب، ومفندا في الوقت نفسه حجج أولئك الذين قبلوا أن تدار الدولة المغربية من قبل دولة أخرى.