التاريخ المحاصر ـ 8 ـ .. هذه حقيقة إعلان الخطابي "جمهورية الريف"

التاريخ المحاصر ـ 8 ـ .. هذه حقيقة إعلان الخطابي "جمهورية الريف"

تقدم جريدة هسبريس لقرائها الأوفياء، داخل المغرب وخارجه، كتاب "عبد الكريم الخطابي، التاريخ المحاصر" لمؤلفه الدكتور علي الإدريسي، في حلقات، خلال شهر رمضان الكريم.

هذا الكتاب، الذي تنشره هسبريس بترخيص من مؤلفه الدكتور علي الإدريسي منجما على حلقات، لقي ترحابا واسعا من قبل القراء المغاربة ولا يزال، إلى درجة أن الطبعتين الأولى والثانية نفدتا من المكتبات والأكشاك؛ بالنظر إلى شجاعة المؤلف في عرض الأحداث، وجرأته في تحليل الوقائع بنزاهة وموضوعية.

الكتاب من أوله إلى آخره اعتمد الوثائق النادرة في التأريخ للزعيم محمد بن عبد الكريم الخطابي بأفق وطني يتسع لجميع المواطنين المغاربة، على عكس الطريقة التي "اعتاد عليها أولئك الذين حاولوا احتكار الوطنية وتأميم مستقبل المغرب، والتحكم في مصير أبنائه قرونا أخرى"، يضيف على الإدريسي في تقديم الكتاب.

الحلقة الثامنة

جمهورية الريف

إذا كان بعض خصوم الأمير الخطابي وأعداؤه قد وظفوا مصطلح "جمهورية الريف "، التي قاد باسمها الحرب التحريرية، فزاعة للنظام الملكي على الدوام، فإن ذلك ليس أكثر من خسة أخلاقية وابتزاز سياسي مكيافيللي، لأن الكثير منهم على علم كامل بالمهام التي أسست من أجلها الجمهورية. فعبد الكريم «كان وطنيا، ولم تكن وطنيته بدائية، بل توشحت بمفاهيم حديثة بشكل يثير الدهشة، كمفهوم الوطن، وحرية التفكير، والديمقراطية، تلك المفاهيم التي يمكن أن يغبطه عليها أولئك الذين سموا أنفسهم، فيما بعد، بـ "وطنيين"» بتعبير جرمان عياش نفسه في كتاب " أصول حرب الريف".

كيان سياسي لقيادة حرب التحرير

عرف الكيان السياسي الذي أقيم أثناء الحرب التحريرية المغربية في الريف يبن سنتي 1921 و1926 في مختلف التقارير الصحافية والسياسية والكتابات التاريخية باسم "جمهورية الريف "، وأطلق على رئيس ذلك الكيان لقب" الأمير"، وليس لقب" رئيس الجمهورية،" كما هو متعارف عليه في أنظمة الحكم الجمهوري؛ وتلقب به محمد بن عبد الكريم الخطابي، رئيس جمهورية الريف، الذي أُشيع عنه أنه كان يرغب أن يحل محل سلطان المغرب. وكان في مقدمة الذين أشاعوا عنه ذلك، الفريق الاستعماري وتلامذته من المغاربة. فما حقيقة تلك الجمهورية؟ أو ما الهدف من الكيان السياسي الذي أُسّس أثناء حرب التحرير في شهر يناير 1922؟ خاصة أن ذلك حدث بعد ستة أشهر فقط من انتصارات مثلث" إغريبن ــ اضهار أوبران ــ أنوال"؟، وهل كان يجب على الخطابي ورفاقه أن يعلنوا انتصاراتهم باسم سلطان المغرب؟ أم كان على الخطابي أن يتصرف كشيخ قبيلة؟ أو زعيم طائفة على طريقة الريسوني مثلا؟ إلى غير ذلك من الأسئلة التي من الممكن أن تكون قد طرحت آنذاك؛ والتي لا يزال يطرحها البعض إلى اليوم لأسباب مختلفة، من قِبل من يتخذ شعار"جمهورية الريف" فزاعة للنظام الملكي المغربي، ووسيلة لتأليب المخزن، وبخاصة شخص الملك بالذات. ضد إنجازات الخطابي ورفاقه التاريخية، وضد رؤيته السياسية، بل ضد كل منطقة شمال المغرب، أو ما كان يعرف بالمنطقة الخليفية، التي عانى أبناؤها الأمرّين من دولة الاستقلال؛ فقد حرموا حتى من حفظ واستعادة ذاكرتهم وتناول تاريخهم الوطني بحرية. وكمثال على ذلك لم يستطع المغاربة في دولتهم "المستقلة" إقامة مؤتمر أو ملتقى للتباحث والتدارس في إحدى أكبر لحظات تاريخهم المعاصر. مما اضطر بعض المناضلين، وبمساندة من أهل العلم والمرؤة الفرنسيين، بعقد ملتقى دولي في باريس سنة 1973 لدراسة تجربة الخطابي التاريخية، وبخاصة رؤيته الخاصة بإنشاء وبناء مؤسسات جمهورية الريف. فهل نتمكن نحن اليوم، ونحن على مشارف الذكرى المئوية لانتصارات ىأنوال، أن نقوم بقراءة ما حدث، بعيدا عن الأحكام الجاهزة، الملفوفة في مآرب سياسوية، وبتوجيهات فئوية حزبية؛ ولا يكون رائدنا في ذلك إلا التزام الموضوعية في التناول، والنزاهة في التحليل، ذلك ما سنلتزم بهما.

من معلم وكاتب صحافي وقاض إلى قائد حرب تحريرية.

عرفنا فيما تقدم من هذه الحلقات أن عبد الكريم الخطابي قضى في مليلة ثلاثة عشر سنة صحافيا في جريدة " تلغراف الريف،" وأستاذا، ثم قاضيا للمسلمين. ويمكن تلخيص هذه المرحلة من حياة الخطابي بأنها تمحورت حول:

ــ العمل الصحفي الذي دام ثماني سنوات، من 1907 إلى 1915. ونعتقد أن ذلك قد ساعده، بلا شك، على تعميق وعيه بقضايا مجتمعه ووطنه بإدراك واقعه المتردي من جهة، والواجبات المطلوبة من أبنائه القيام بها نحوه من جهة ثانية؛ وهذا ما استخلصناه من مطالعاتنا لمقالاته في تلغراف الريف، والمتمثل في أن الرجل مكنته ممارسة العمل الصحافي من الاطلاع على الأحداث، وفهم الإستراتيجيات العالمية، والإستراتيجيات الاستعمارية المتعلقة بالمغرب بصفة خاصة.

ــ التدريس، ووفقا لما تخوله مهنة التدريس من الانفتاح العقلي؛ وقوة الملاحظة، نستنتج أن عمله في التدريس يكون قد ساعده على تكوين علاقات مع شخصيات إسبانية لها تأثير مباشر بمراكز التخطيط لمستقبل المغرب. ذلك المستقبل الذي تقررت كثير من فصوله الاستعمارية في مؤتمر الجزيرة الخضراء، سنة 1906. وليس من الستبعد أن يكون هو ووالده قد قررا أن يسبحا ضد تيار مؤتمر الجزيرة، بعد فشلهما في إقناع إسبانيا بالتعامل مع المنطقة تعاملا يقوم على التعاون الإيجابي، وتبادل المنافع والمصالح، بدل الاحتلال والاستعمار، المضادين لقيم الحرية والكرامة الإنسانية.

وقد بقي الأمير الخطابي مخلصا ومتشبثا بهذه الرؤية السياسية طول حياته، فبقدر ما كان يمقت الاستعمار ويبغضه بقدر ما كان يطالب ويسعى، في الوقت نفسه، من أجل إقامة تعاون مثمر وعلاقات متكافئة بين شعوب العالم قاطبة؛ دون تمييز عرقي، أو ديني، أو حضاري؛ ولطالما أشار إلى ذلك في كتاباته في جريدة "تلغرامة الريف"، وكرره على مسامع زائريه في الريف أثناء قيادته للحرب التحريرية، وإليك أحد أقواله في هذا المعنى: «أن مصالح العالم بأسره تخدم بتسوية سلمية بيننا...ولسوف نرحب بالمساعدة الأوروبية في تحديث أراضينا، ولسوف تتحسن أحوال جميع الناس إذا ما وقع السلم»

ــ الإنصاف من خلال وظيفة القاضي، ونعتقد أن هذه الوظيفة قد علمته التعمق في معاني العدل وأثره العظيم في حياة الأفراد والجماعات والأمم، وأن الظلم قيمة سالبة للجدارة الإنسانية. ومن ثمة يكون فقدُ العدل بين الأمم؛ كما بين الأفراد، سببا في إحداث مختلف القلاقل والاضطرابات والشرور، وعاملا قويا لثورات الشعوب، وبالتالي عدم الاست قرار في العلاقات بين الدول. ولذلك نرى الخطابي، حين اضطر اضطرارا؛ وليس اختيارا، إلى مواجهة الاستعمار الأسباني، وتحقق له النصر، يعارض اقتحام أبواب مدينة مليلة المفتوحة أمام المنتصرين، وكان بإمكانهم اقتحامها بسهولة تامة، لكنه لم يأمر بذلك، ولم يأذن لرفاقه بفتحها، رغم تشوقهم وإلحاحهم على الأمر؛ خوفا من حدوث مذبحة محتملة بين ساكنة المدينة؛ هذه المدينة التي لم يتبق من قيادتها العامة أي شيء،فــ«الجيش مهزوم، والمدينة مفتوحة وطائشة وحبيسة الرعب». لأن الخطابي عاش زمنا جميلا بين أهلها، ولم ينس أبدا أنه قاض؛ ولذلك لم يأسف أبدا على قراره عدم اقتحام المدينة مطلقا.

هذا القاضي الأستاذ الصحافي الذي نجح في الانتصار لقيم الأخلاق الحضارية حين جنب أصحابه إمكان قتل النفس البشرية التي حرم الله إلا بالحق، وعرف كيف يقود رفاقه للدفاع عن بلدهم ضد الغزو الاستعماري، وإلحاق أول هزيمة من هذا العيار بالاستعمار الغربي الحديث، [19000 قتيل وحوالي 1000 أسير حرب في معركة واحدة هي معركة أنوال بتاريخ 21 يوليوز 1921،] لا يشرفه أن يكون زعيم طائفة أو عصابة، أو يتصرف كشيخ قبيلة، أو يسلي نفسه بلعبة اسمها الحرب من أجل الحرب، بل إن قائدا في مثل هذه الأخلاق والمقام يدرك أن الحرب هي وسيلة أخيرة تضطر إليها الشعوب اضطرارا، لكي تعبر عن رفضها لإهانة الكرامة الإنسانية، ووسيلة، أيضا، للضغط على الطرف الآخر، من أجل التفاوض وإقامة السلام بين الشعوب بدل شريعة الغاب.

من دواعي الحرب التحريرية وأهدافها.

في تصورنا، وبناءا على استخلاصاتنا من مختلف المطالعات المتعلقة بالموضوع أن الحرب التحريرية التي قادها الخطابي يمكن أن ينظر إليها:

أولا، من خلال وضعية المغرب الرسمي، أي المخزن، الذي وقع معاهدة الاحتلال أو الحماية بتاريخ 30 مارس 1912، التي تنص من بين ما تنص عليه في فصلها الثاني أن «جلالة السلطان يساعد من الآن على الاحتلالات العسكرية بالأيالة المغربية، التي تراها الدولة واجبة لاستتباب الأمن... كما يساعد على أن الدولة الفرنسوية تقوم بعمل الحراسة برا وكذلك بحرا بالمياه المغربية.» وكانت المادة الأولى من المعاهدة المذكورة قد أحالت إلى الدولة الفرنسية حق التفاوض" مع الدولة الإصبنيولية في شأن المصالح الناشئة لهذه الدولة من حالتها الجغرافية ومستعمراتها الأرضية الكائنة بالساحل المغربي. وهذا يعني أن يدي المخزن المغربي أمسيتا مكبلتين، وأن فرنسا أصبحت صاحبة قرار الحرب والسلم في المغرب، كما تنص المادة السادسة على أن«جلالة السلطان يتعهد بعدم عقد أي وفق كان له معنى دولية من غير موافقة دولة الجمهورية الفرنسوية.»

ثانيا، من خلال شخصية الخطابي، بمقوماتها التكوينية وقناعاتها الوطنية، المشار إليها أعلاه، وبمرجعياتها الفكرية والتاريخية، وقدرتها على التجاوب مع نداءات المستقبل، كما عبر عنها في أكثر من مقال في جريدة "تلغرامة الريف"، نكتشف في الرجل شخصية وطنية بالمعنى الحديث لهذه الكلمة، مما أرغم جرمان عياش الذي حاول أن يقلل من شأن قيادته لحرب التحرير؛ في مؤلفه "أصول حرب الريف" حين اتهمه بالعمالة لإسبانيا ولألمانيا، على الاعتراف له بالصفة الوطنية، فقد خلص إلى توصيفه بأنه «كان وطنيا، ولم تكن وطنيته بدائية، بل توشحت بمفاهيم حديثة بشكل يثير الدهشة، كمفهوم الوطن، وحرية التفكير، والديمقراطية، تلك المفاهيم التي يمكن أن يغبطه عليها أولئك الذين سموا أنفسهم، فيما بعد، بـ "وطنيين"». أما بالنسبة لتحديد طبيعة الحرب، التي كانت منطقة الريف ميدانا لها بين 1921 و 1926، فلم يسَعِ عياش إلا أن يقول: «إن الحرب التي أقدم عليها الريفيون وحدهم لم تكن قضية محلية أو إقليمية، بل كانت حدثا وطنيا من مستوى عال،لأن أصولها ترجع في آخر الأمر إلى الإرادة الكامنة لشعب بكامله. »

وبالنظر إلى الظروف والأجواء التي كان فيها الخطابي ورفاقه يتهيؤون فيها للدفاع عن وطنهم، نجد أنهم ركزوا عملهم على ثلاثة أشياء أساسية، كشروط ضرورية لنجاح خطتهم ضد الغزو الإسباني، وهي:

ــ معاهدة الله على أن يدافعوا عن دينهم ووطنهم وشرفهم.

ــ الالتزام بتنفيذ الأحكام الشرعية في كل الظروف، ولو في أقرب المقربين.

ــ الالتزام بعدم إثارة الضغائن أو اللجوء إلى الثأر، كوسيلة لحل النزاعات البينية.

والخلاصة أن الوضع المغربي آنذاك كان متراوحا بين مخزن ضعيف إلى درجة تسليم قياده لدولة أخرى، وبين إرادة شعبية رافضة للاستعمار. والحال هذه، أصيب المخزن بالشلل، ووظف المستعمرون بنود معاهدة الاحتلال أو الحماية ليعلن أن المقاومة المسلحة التي أبان عليها الوطنيون المغاربة ضده، والتي كان ميدانها مختلف مناطق المغرب الجبلية، ليست إلا تمردا على السلطان، وإرهابا للسكان الآمنين بفضل الحماية. لكن زعيم الاستعماريين الماريشال ليوطي سيقول قولا آخر لرؤسائه في فرنسا، فهو عندما أصر على ضرورة دخول فرنسا الحرب ضد الخطابي علل إصراره بقوله: إن السماح «لعبد الكريم بتحقيق أي انتصار علينا [على فرنسا] إنما يعني قيام أمبراطورية عربية إسلامية على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، وهذا يعني فتحا إسلاميا لأوروبا من جديد، وهو أمر لا يمكن التسليم به».

وفي المقابل هل يمكن القول: إن قيام حرب التحرير الوطني وإعلان جمهورية الريف كانا بمثابة رد فعل طبيعي على غياب السلطة المركزية، أو عجزها عن القيام بمهامها الخاصة بالدفاع عن سيادة المغرب، وصون الاستقلال الوطني؟

ثالثا، مواقف، ومواقف مضادة، من حرب التحرير الريفية من المعروف عن المغاربة، عبر تاريخهم النضالي الطويل، أنهم يبادرون إلى الذود عن أوطانهم، عندما تعجز حكومة دولتهم المركزية عن ذلك، أو يختل أمرها، لسبب من الأسباب؛ شأنهم في ذلك شأن جميع الشعوب الحرة، المعتزة بكرامتها. وقد قام الشعب الفرنسي نفسه بمبادرة مماثلة لما قام به المغاربة الأحرار، حين استسلمت حكومته للغزو النازي، وقيدته بأوفاق مماثلة لمعاهدة الاحتلال التي فرضت على المخزن المغربي في أربعينيات القرن الماضي، أي بعد مضي حوالي عشرين عاما على مقاومة الشعب المغربي في الريف للاحتلال الأجنبي واستسلام المخزن له.

فلماذا يستنكر البعض ما قام به المغاربة الريفيون في عشرينيات القرن الماضي ضد الاستعمار الإسباني والفرنسي، ولا يبدون الاستنكار نفسه إزاء مقاومة الفرنسيين للاحتلال النازي في الأربعينات من نفس القرن؟ ثم ألم يقم المغاربة بالواجب نفسه الذي قام به أسلافهم عبر التاريخ في حالات سابقة مشابهة، وقام به غيرهم من الأمم الحرة؟ لماذا كال المخزن المغربي تهم عدم الطاعة والولاء والتمرد إلى الخطابي وساكنة الريف، ألم يلب الريفيون بقيادة محمد بن عبد الكريم الخطابي نداء الدفاع عن الوطن والدين والشرف، في الوقت الذي تخلى فيه آخرون عن أقدس واجباتهم نحو الوطن وهو في خطر؟ صحيح أن قرار الحرب والسلام كان يجب أن يكون بيد السلطان، لكن ألم يفقد السلطان ذلك القرار يوم وقع ما سمي بمعاهدة الحماية، التي حرمته من اتخاذ القرار الوطني المناسب؟ وهل يجوز حينئذ عدم نجدة الوطن بدعوى أن السلطان لم يتخد القرار ولم يأمر بذلك؟

إن التحليل الذي تقودنا إليه هذه التساؤلات يمكن أن يوصلنا إلى الرأي القائل: إن الخطابي ورفاقه لم يكن بإمكانهم أن يقوموا بما قاموا به من دفاع عن وطنهم، ومقاومة المعتدين باسم السلطان، فهو لم يأمرهم بذلك، لأنه لم يكن في وسعه إصدار مثل ذلك الأمر. ومن ثمة لم يكن في ذهن الخطابي، أو في مقدوره من الناحية القانونية أن يتجرأ على إحراج السلطان بتوريط اسمه، بأي شكل من الأشكال، في عمليات المقاومة المسلحة، للأسباب التي سبقت الإشارة إليها. ولهذا لم يدع الخطابي أبدا أنه قاد الحرب باسم السلطان. غير أن الحرب تبقى بحاجة إلى كيان سياسي مهيأ للتفاوض والتعبير عن أهدافها ومطالب أصحابها لدى الخصم، ولدى الرأي العام الوطني والدولي أيضا، فما هو هذا الكيان.؟ بطبيعة الحال لم يكن سلطنة ولا مملكة، ولا ولاية دينية، فعبد الكريم الخطابي لم يكن خليفة للسلطان، أو صاحب طريقة صوفية، كما أنه لم يكن ممثلا لأي زاوية من الزوايا الدينية، كما كان الشأن بالنسبة للشيخ ماء العينين في الجنوب مثلا، أو الريسوني في الشمال؛ اللذين جمعا بين الصفة الدينية والقبلية والزعامة الشخصية التي تختصر مفهوم الوطن والوطنية في الشخص المتزعم، وفي المكاسب السلطوية ، القائمة على المزاج الشخصي.