طقوس الحرب والقتال بالمغرب .. استخدام الطبول واستعمال البنود

طقوس الحرب والقتال بالمغرب .. استخدام الطبول واستعمال البنود

اتبع الأمراء المرابطون والموحدون والمرينيون مجموعة من الطقوس في شن الحروب وخوض المعارك من استخدام الطبول، واستعمال البنود، وتحديد أشكال القتال.

1. طبول الحرب

أولى الأمراء المرابطون أهمية كبرى لاستخدام الطبول في مختلف المعارك التي خاضوها ضد خصومهم وأعدائهم. فقد شنوا كل حروبهم ومعاركهم تحت وقع الطبول التي كانوا يستخدمون أصواتها وقرعها لإدخال الرعب في نفوس أعدائهم وتحميس جنودهم. وفي هذا السياق سبق لابن خلدون أن أشار إلى التأثير النفسي الذي يوقعه قرع الطبول في نفوس الجند، حيث كتب ما يلي:

"فمن شارات الملك اتخاذ الآلة من نشر الألوية والرايات وقرع الطبول والنفخ في الأبواق والقرون... وأن السر في ذلك إرهاب العدو في الحرب، فإن الأصوات الهائلة لها تأثير في النفوس".

وبالتالي، فقد استخدم الملثمون طبولهم الضخمة لزرع الخوف في نفوس أعدائهم، خاصة في الضفة الأخرى من المتوسط، الذين كانوا غير متعودين على استعمال هذه الآلات التي كانوا يفضلون عليها النفخ في الأبواق. وقد ظهر ذلك واضحا في الانتصار العسكري الذي حققته جيوش المرابطين على جيش الملك الإسباني الفونس السادس، حيث كان لاستخدام هذه الطبول دور ساعد على الحسم في معركة الزلاقة الشهيرة. وقد أكد صاحب الحلل هذا المعطى من خلال إشارته التالية:

لما بلغه خبر مهاجمة الأدفونس لجيش المعتمد "فركب وأحدق به زعماء لمتونة وكبار صنهاجة وسائر عسكره قصد بهم محلة الطاغية فاقتحمها وأضرمها نارا وضرب طبوله، فاهتزت له الأرض وتجاوبت الآفاق فارتاعت قلوبهم وتجلجلت أفئدتهم".

لكن مع الموحدين، ترسخ استخدام الطبول في المجال العسكري، وعينت فرق خاصة لهذه المهمة، حيث "تميز الجيش الموحدي بفرقة للطبالة... كان أفراد هذه الفرقة من عبيد المخزن"، بينما استكثر الأمراء الموحدون من عدد هذه الطبول، "حتى إن عدد الطبول التي كانت تستعمل في خلافة يوسف بن عبد المومن بلغت مائة طبل".

وهكذا استخدم الخلفاء الموحدون الطبول في أغراض حربية متعددة، حيث استعملت "إعلانا عن بداية الرحيل أو استئناف السير، أو مناداة للتجمع للقتال، أو إيذانا ببدايته، أو إعلاما بخروج كمين كما أرادوا به صك أسماع العدو ساعة الصدام، واستعملوا الطبول في احتفالاتهم استبشارا بنصر عسكري... واستعملوها في مراسيمهم في استقبال قائد أو قدوم جند...".

وقد خصص الأمراء والخلفاء الموحدون لكل غرض عسكري نوعا خاصا من الطبول:

- ففي حالة استقبال وفد عسكري أو فرقة عسكرية: يضرب طبل مربع.

- وفي حالة الرحيل "يضرب طبل كبير مستدير الشكل دوره خمسة عشر ذراعا منشأ من خشب أخضر اللون مذهب، فإذا ضرب فيه ثلاث ضربات علم أنه طبل الرحيل فيرحل الناس. وكان يسمع على مسيرة نصف يوم من مكان مرتفع في يوم لا ريح فيه".

- وفي حالة تعيين وال أو قائد عسكري: تضرب أربعة طبول

وفي إطار اهتمام السلاطين المرينيين بتقوية جيشهم وتنظيمه، كونت فرق خاصة للطبالين كانت عادة ما تتقدم الجيش في مختلف تحركاته، حيث أشار النميري بهذا الصدد إلى أن تحرك جيش السلطان أبي عنان عادة ما تبرز في بدايته "جموع الطبالين يتقدمهم مزوارهم كالطود الأشم، وهم يقرعون الطبول" التي بلغت في عهد السلطان أبي الحسن المريني، كما أشار إلى ذلك ابن خلدون، ما يفوق مائة طبل.

وقد خصص سلاطين بني وطاس نفقة خاصة لهذه الفرقة، واعتنوا بها بشكل كبير، سواء في أوقات السلم أو الحرب. وبهذا الصدد كتب ابن الوزان ما يلي:

"وللملك طبالون كثيرون مزودون بطبول من نحاس على شكل جفان كبار، عريضة من أعلى ضيقة من أسفل، مع جلد ممدود على أعلاها. يحمل كل طبل حصان رحل، ويعادل بثقل موازن لأنه ثقيل جدا، وخيول الطبالين أجود الخيول وأكثرها سرعة... تدوي هذه الطبول دويا مفزعا، ويسمع دويها من مسافة بعيدة، فترتجف الخيول والرجال منها، وتقرع بعصب الثور...".

2. رايات الحرب

حرص الملوك والسلاطين المغاربة على اتخاذ مجموعة من الشارات العسكرية واستخدامها أثناء الحروب والمعارك. فقد "اتخذ يوسف بن تاشفين البنود والأعلام البيضاء المدبجة بالآيات القرآنية"، في حين فرضوا اللون الأبيض في مختلف شاراتهم، خاصة تلك المتعلقة بالأعلام والرايات؛ بحيث أصبح هذا اللون الرسمي في عهد الموحدين لا يسمح باستعماله إلا وقت الحروب وبالنسبة للخلفاء والأمراء وقواد الجيش فقط. وفي هذا السياق أشار حركات إلى ما يلي:

"ولما كان البياض شعار الموحدين، فقد استعملوه في راياتهم، فكانت تضرب خيمة الخليفة على مقربة ميدان القتال يخفق عليها علم أبيض، ولم يكن يسمح الخلفاء لأحد باتخاذ الراية إلا العمال والقواد والولاة، وتكون عادة من الكتان الأبيض.

وقد تبلغ الرايات أثناء الحرب سبعا أو أكثر حتى إن أكثر من ثلاثمائة بند وراية خفقت على رأس عبد المومن بن علي. وكان الطبل الذي يقرع عند الرحيل موشى بالأخضر. وكان العلم الأكبر الذي يتقدم طليعة الجيش ملونا بالأبيض والأزرق وعليه هلال مذهب، بينما كان لكل قبيلة علمها الخاص...".

ولعل انتقاء اللونين الأبيض والأخضر من طرف الموحدين هو استحضار للتجربة النبوية والشارات التي كان يتشح بها النبي والخلفاء المسلمون؛ حيث كانت الرايات التي كانت ترفعها الجيوش الإسلامية ذات ألوان خضراء في حين كان المجاهدون المسلمون يلبسون ثيابا بيضا تفاؤلا بالنصر ورمزا للشهادة.

كما أن حرص الأمراء الموحدين على الإكثار من الرايات والبنود كان يرمي إلى التأثير النفسي على الأعداء؛ إذ إن كثرة الرايات كانت تعني بالأساس كثرة عدد الجنود والمقاتلين. أما رفع هذه الرايات والبنود فكان يرمز إلى القوة والنصر؛ فالراية تقترن في الأذهان بالصمود والمنعة.

لذا، فقد كانت الجيوش الموحدية تحافظ على إبقاء راياتها مرفوعة حيث كان المقاتلون يستميتون في الدفاع عن حماية الجنود المكلفين برفع الرايات البنود حتى إن أصيبوا في ساحة القتال؛ فعادة ما يتم تعويضهم بآخرين لحمل هذه الرايات حتى تبقى مرفوعة وحتى يتم الحفاظ على المعنوية النفسية للمقاتلين.

وقد حافظ الأمراء المرينيون على اللون الأبيض كشعار رسمي للدولة، واتخذ هذا اللون "لون العلم ولباس الحفلات الرسمية ولون أخبية الجيش بما فيها الخباء السلطاني (أفراك)… وكان شعار الدولة المرينية لواء أبيض يسمى العلم المنصور، هو قطعة كبيرة منسوجة من الحرير مكتوب فيها بالذهب آيات قرآنية بدائر طرتها". ونظرا للرمزية السياسية والدينية التي كانت لهذه الأعلام، فقد اهتم الأمراء المرينيون بوضع مراسيم خاصة تتعلق بحامليها، وتحديد أعدادها، وانتقاء ألوانها.

وقد كتب المنوني في هذا السياق ما يلي:

"وقد اهتم المرينيون مثل الموحدين قبلهم بشأن العلم الرسمي فجعلوا له موكبا خاصا يتبع أثر السلطان في مسيره يسمى الساقة، وفيها يكون العلم تحيط به ألوان مختلفة. وفي أول الدولة كان عدد أعلام هذا الموكب بين العشرة والعشرين. ولما تضخم ملك أبي الحسن بلغ عددها مائة بند بين كبير وصغير: ملونة منسوجة بالذهب".

وبهذا الصدد أيضا، جاء في فيض العباب ما يلي:

"ومثلت الساقة العظمى كالحدائق الزاهرة والرياض الناضرة والأطواد المتلاصقة المتناظرة، وارتفعت الأعلام كالأعلام، نيران قراها الأسنة المشهودة الاضطرام من كل أبيض كالصبح الرافع للبس، تحلو طرر ذهب كأنها أشعة الشمس، ومن أحمر كالخدغب الخجل تلوح رقومه بالنضارة كصفرة الوجل، ومن أخضر كالعذار تلوح سماته أو الزرع الذي يعجب الزراع نباته إلى غير ذلك من الألوان المتفرعة والأعراض المتنوعة، كل قد استنهيت فيه الصنائع، واستقصيت في وشيه البدائع، وأودع الخطوط المحكمة بخيط الذهب الإبريز، المذهب شرف التطريز السارحة نكثة التمييز".

3. طريقة القتال

كان للجيش تنظيم خاص أثناء خوضه للمعارك؛ حيث كان يرتب وفق نظام "مراسيمي" يأخذ بعين الاعتبار المكانة السياسية التي تتمتع بها كل شريحة من الشرائح العسكرية داخل الطبقة الحاكمة. وقد تجلى هذا "الترتيب المراسيمي" من خلال ما ورد في كتاب "الحلل الموشية" بصدد إحدى المعارك التي خاضها الجيش المرابطي؛ حيث تمت الإشارة إلى ما يلي:

"فلما ترأى الجمعان اضطربت المحلتان وتركبت الراكب، فاتخذت مصافها ولزمت الرجال مراكزها فكان في القلب مع الأمير تاشفين المرابطون وأصحاب الطاعات تقدمهم البنود البيض الباسقان المكتبة بالآيات وفي الجانبين كفاة الدولة وحماة الدعوة من أبطال الأندلس تقدمهم حمر الرايات بالصور الهايلات وفي الجناحين أهل الثغور وذوي الجلادة والبصر، وفي المقدمة مشاهير زناتة ولفيف الحشم أهل العزائم الماضية والبصائر الثابتة بالرايات المصنعة والآعلاف المنيفة".

وفي السياق نفسه، أكد حركات على أن ترتيب الجيش المرابطي خلال المعارك كان يخضع لنظام خماسي وصفه كما يلي:

"كان ترتيب المعركة عند المرابطين يقوم على نظام خماسي، فيتقدم الجيش، الجند المشاة ووحدات الفرسان الخفيفة، وحمالة القسي، والرماة ويرتبون في الجناحين، ويتكون القلب من وحدات الفرسان الثقيلة، وهي التي كان لها القول الفصل في المعارك. وكانت قوات المؤخرة، أو القوات الاحتياطية يقودها أمير المسلمين بنفسه، إذا كان مصاحبا للجيش، وتتألف من صفوة الجند، وقوى الحرس من العبيد والنصارى المرتزقة. وكان لكل قسم من القوات المقاتلة قائده الخاص...".

كما كان ترتيب الجيش في المعركة يتم وفق طبيعة الأسلحة؛ إذ كان القادة العسكريون المرابطون يقدمون المشاة بالدرق، والرماح، ومن خلفهم الرماة، ثم الفرسان. فقد "اشتهر اللمتنيون بقوة البأس في الحروب، لا يفرون أمام العدو مهما تفوق عليهم في العدد، كما اشتهروا بركوب الخيل؛ لذلك كان معظم جيشهم من الفرسان.

وكان أشجع جندهم من المشاة يقفون في الصف الأول متقلدين الحراب الطويلة التي كانوا يغرسونها في الأرض. وكانت قوة الفرسان لا تقل عن مائة ألف مقاتل من المدربين على الحروب والمزودين بأحسن السلاح، ويتألف الجيش المرابطي من فرق يحمل كل منها علما خاصا عليه نقوش تميزها عن سائر فرق الجيش، وعلى كل من هذه الفرق قائد خاص. ويسير الجند إلى حومة الوغى بين قرع الطبول وأصوات الأبواق، وقد رتبت صفوفه حسب القبائل المغربية على اختلافها...".

وقد وصف الطرطوشي طريقتهم في القتال وخوض المعارك كما يلي: "فأما صفة اللقاء وهو أحسن ترتيب رأيناه في بلادنا (الأندلس)، وهو تدبير نفعله في لقاء عدونا، أن تقدم الرجالة بالدرق الكاملة والرماح الطوال والمزاريق المسنونة النافذة، فيصفون صفوفهم ويركزون مراكزهم ورماحهم خلف ظهورهم في الأرض وصدورهم شارعة إلى عدوهم وهم جاثمون في الأرض، وكل رجل منهم قد ألقم الأرض ركبته اليسرى وترسه قائم بين يديه، وخلفهم الرماة المختارون التي تمرق سهامهم من الدروع، والخيل خلف الرماة.

فإذا حملت الروم على المسلمين لم يتزحزح الرجالة على هيئاتهم، ولا يقوم رجل منهم على قدميه. فإذا قرب العدو رشقهم الرماة بالنشاب، والرجالة بالمزاريق، وصدور الرماح تلقاهم، فأخذوا يمنة ويسرة، فتخرج خيل المسلمين بين الرماة والرجالة فتنال منهم...".

وللحفاظ على انضباط صفوف الجيش، والتنسيق بين قواته في القتال، لجأ القواد المرابطون إلى البنود والرايات، حيث لعب حامل الراية دورا أساسيا فيما يخص الحفاظ على وحدة الجيش. وبهذا الصدد أشار ابراهيم حركات إلى ما يلي:

"يقف الراجلون صفا وراء صف، ويتقدم الصفوف العبيد الذين كانوا يحملون القلى الطوال والطرق اللمطية والسيوف الهندية، وفي المقدمة حامل الراية الذي يشير إليهم بها، فإذا نصبها وقفوا، وإذا أمالها جلسوا...".

كما استعمل القواد المرابطون البنود والرايات للحفاظ على ترتيب صفو الجيش والتمييز بين مكوناته العسكرية، خاصة في حروبهم التي خاضوها بالأندلس. وبهذا الصدد أشار ابراهيم حركات إلى تطور النظام الحربي والقتالي للجيش المرابطي من خلال ما يلي:

"... ثم تطور هذا النظام شيئا ما بعد يوسف بن تاشفين، وذلك في حروب الأندلس خاصة، حيث كانت فرق الحشم في الصف الأمامي، وفي الساقة جنود الأندلس، وفي الجناحين أهل الثغور، وفي القلب المرابطون، يتوسطهم القائد العام، وكان لكل فرقة من هؤلاء راية أو أكثر، فكانت راية المرابطين مزخرفة بالآيات الكريمة ورايات أهل الأندلس حمراء ذات صور، ورايات الحشم ملونة...".

كما أن حرص الأمراء الموحدين على الإكثار من الرايات والبنود كان يرمي إلى التأثير النفسي في الأعداء؛ إذ إن كثرة الرايات كانت تعني بالأساس كثرة عدد الجنود والمقاتلين. أما رفع هذه الرايات والبنود فكان يرمز إلى القوة والنصر؛ فالراية تقترن في الأذهان بالصمود والمنعة.

لذا فقد كانت الجيوش الموحدية تحافظ على إبقاء راياتها مرفوعة، حيث كان المقاتلون يستميتون في الدفاع عن حماية الجنود المكلفين برفع الرايات البنود، حتى إن أصيبوا في ساحة القتال فعادة ما يتم تعويضهم بآخرين لحمل هذه الرايات حتى تبقى مرفوعة وحتى يتم الحفاظ على المعنوية النفسية للمقاتلين.

بالإضافة إلى ذلك، انتهج الأمراء الموحدون، خاصة عبد المومن بن علي الكومي، نظاما حربيا خاصا، حيث اعتمدوا في طريقة قتالهم على نظام التربيع، بدل النظام الخماسي. "ففي ميدان المعركة، كان الجيش النظامي يصنع دارة مربعة من جهاتها الأربع تصف الرجال بالقنا الطوال والطوارق المانعة ووراءهم أصحاب الدروق والحراب، ومن وراء هؤلاء أصحاب المخالي فيها الحجارة، ووراءهم الرماة، وفي وسط المربع الخيل التي تخرج من أماكن أعدت لها دون أن تخل بنظام الرجالة، ومن وراء الجيش النظامي يجلس الخليفة في قبته الحمراء وحولها الحرس من العبيد ولا يتدخلون إلا إذا فشل الجيش النظامي...".

وبالتالي، فقد كان الخليفة الموحدي هو الذي كان يعطي الإشارة بالبدء في القتال، من خلال مجموعة من الإشارات والطقوس العسكرية التي يصفها عز الدين عمر موسى كما يلي:

"... وإذا ما استقر الرأي على خوض غمار المعركة عرض أمير المؤمنين الجيش واشترك في ترتيبه، ثم ضرب قبته الحمراء، يخفق عيها علمه الأبيض، وارتدى ملابس القتال، وامتطى فرسه المطهمة، وقبض على سيفه المسلول بإحدى يديه، وحمل المصحف الشريف في يده الأخرى، وكان ذلك إيذانا بنشوب المعركة...".

وقد استمر هذا النظام الحربي، وفق هذا "الترتيب المراسيمي" قائما في ظل العهد المريني؛ الشيء الذي ظهر من خلال ما ورد في استقصا الناصري الذي أشار إلى ذلك من خلال ما يلي:

"فلما كان يوم السبت خامس شعبان جلس المنصور في قبته الحمراء المعدة للجهاد، ثم دعا بكبير وزرائه الشيخ أبي يحيى بن أبي حفص وقدمه على ذلك الجيش، وعقد له رايته وقدمه بين يديه فرفرفت على رأسه الرايات، وقرعت بين يديه الطبول، وسار في قبيل هنتاتة وبين يديه القائد بن صناديد في جيش الأندلس، ثم عقد المنصور لجرمون بن رياح على قبائل العرب، ولمنديل بن عبد الرحمن المغراوي على قبائل مغراوة، ولمحيوا ابن أبي بكر بن حمامة جد الملوك المرينيين على قبائل بني مرين، ولجابر بن يوسف العبد الوادي على قبائل بني عبد الواد، ولعباس بن عطية التوجيني على قبائل بني توجين، ولتلجين بن علي على قبائل هسكورة وسائر المصامدة، ولمحمد بن منغفاد على قبائل غمارة، وعقد للفقيه الصالح أبي خزر بخلف الأوربي على المتطوعة".

لكن بالإضافة إلى ذلك، تميز المرينيون، خاصة في بداية عهدهم، باصطحاب نسائهم في حملاتهم العسكرية، حيث كن يلعبن دورا أساسيا في التحريض والرفع من معنويات الفرسان في الحرب. وبهذا الصدد أشار ابن أبي زرع واصفا إحدى معارك السلطان يعقوب بن عبد الحق كما يلي:

"خرج إليه من حضرة فاس في... احتفال عظيم وزي عجيب بالعيال والمواكب والقباب والجيوش الوافرة، والعدد والسلاح والسيوف الباترة، وسمع يغمراسن بإقباله، فاستعد وتأهب للقائه، فالتقا الجمعان بوادي تلاغ بالقرب من وادي ملوية، فعبأ كل واحد منهما جيوشه وميز كتائبه، واصطفت عيالات الفريقين خلف الجيوش في الهوادج والمراكب والقباب المزينات باديات الوجوه عليهن الحلل وثياب الوشي يحرضن الأبطال على الأبطال، واختلط الأمثال بالأمثال، وتمازجت الركاب بالركاب، وبرزت الغانيات من القباب، وزحف الجيش، وقصد القرين إلى القرين، فكانت بينهما حروب عظيمة لن ير مثلها فلا ترا إلا الخيول ترمح، وبفرسانها إلى اللقاء تطمح، والسيوف بالدماء ترعف، والرؤوس على الأجسام تقطع وتقطف".

كما كان استنفار المرينيين لنسائهم ومرافقتهن لهم في الحرب يستهدف في الوقت نفسه النفخ في عدد الجيش والتضخيم من كثرته أمام الأعداء؛ الشيء الذي ألمح إليه ابن أبي زرع من خلال إشارته التالية:

"وأمر يعقوب جميع قبائل بني مرين أن يخرجوا بجميع عيالاتهم ونجبائهم في زيهم وأن يظهروا قوتهم ليغيظوا بذلك أعداءهم، فخرجت قبائل بني مرين في هذه الغزاة بالجمال المحلاة والمراكب الملبسة بالديباج والقباب المزينة والجواري المولدات تقودها الرجال في أحسن زي وأتم جمال...". ويمكن تفسير تشبث المرينيين بهذه الطقوس بعاملين رئيسيين:

- أولهما يتحدد في الطابع القبلي الذي قام عليه المرينيون، والذي يلتقي بعادات القبائل العربية التي توافدت على المغرب في عهد الموحدين، كقبائل بني هلال وبني سليم، التي كانت فيها النساء يشتركن في المعارك من خلال التحريض، بل وحتى المشاركة في الحرب، علما أن مصيرهن مرتبط بالأساس بنتائج المعركة، حيث يمكن أن يتحولن إلى جواري ومسبيات إذا ما هزمت القبائل التي ينتمين إليها.

- وثانيهما يكمن بالأساس في عدم اعتماد المرينيين على دعوة دينية متزمتة تمنعهم من مرافقة نسائهن في حروبهم ومعاركهم، بخلاف المرابطين والموحدين الذين كانت تمنعهم تعاليمهم المتشددة من ذلك. ولا ننسى أنه من بين الانتقادات التي كان يوجهها ابن تومرت للمرابطين خروج نسائهم سافرات.