الجابري صحافيا .. الرجوع إلى خبايا الاعتقال بدرب مولاي الشريف

الجابري صحافيا .. الرجوع إلى خبايا الاعتقال بدرب مولاي الشريف

لكل مرحلة رجالها، ولا شك أن الفيلسوف المغربي محمد عابد الجابري، كان من الذين حازوا مكانا وسط علية القدر من المفكرين، وكذلك من الخالدين الذين نالوا شهادة نظافة المسار السياسي، رغم كل أوحال الطريق، والتي سترافقكم هسبريس لسردها، خلال حلقات، تكشف لكم أفكارا من كتبه التسعة "مواقف سياسية" التي تكتنز مسارا حافلا بالمعاينة والمشاركة في أحداث طبعت تاريخ المغرب الراهن.

الجابري الذي وافته المنية في ماي 2010، كان قد ترك حزبه الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية منذ ثمانينيات القرن الماضي، بسبب كثرة الخلافات والمشاكل الداخلية التي لحقته، إلا أنه وثق للحظات فارقة من تاريخ الحركة الاتحادية بنسختيها "الوطنية والاشتراكية"، لتبقى مدادا يحاجج روايات من عايشوا تجربة "مغرب ما بعد الاستقلال"، لحدود كتابة هذه الأسطر.

-2- من الضغوط على محمد الخامس إلى الحكم الفردي المطلق

يذهب بنا محمد عابد الجابري، في الجزء الثاني من مذكراته السياسية، الذي عنونه بـ" من الضغوط على محمد الخامس إلى الحكم الفردي المطلق"، إلى مساره الصحافي داخل جريدة التحرير، وجملة التضيقات التي واجهتها الصحافة الوطنية، بعد بزوغ فجر الاستقلال، حيث تؤكد شهادة الرجل تعرض هيئة تحرير الجريدة لمشاكل لم تقتصر على مصادرة الجريدة، بل وصلت حد التعقب والمطاردة من طرف الشرطة، والتلصص على المكالمات الهاتفية.

ويحكي الجابري، عن التحاقه بجريدة التحرير، في 2 أبريل 1959، ليشتغل بها برفقه الفقيه البصري، وعبد الرحمان اليوسفي، حيث تكلف بكتابة افتتاحيات ركن "صباح النور"، التي كان يوقعها باسم عصام الذي سيكون اسم ابنه في وقت لاحق، ثم سيغير اسم عموده إلى "بالعربي الفصيح"، بعد إغلاق جريدة التحرير، وتعويضها بجريدة الرأي العام، لسان حال حزب الشورى والاستقلال.

"التحرير" التي جمعت أقلاما سياسية فذة، شكلت الصداع الملازم للدولة طيلة فترة حكومة عبد الله ابراهيم، ليطالها جراء ذلك المنع في 1959، بعد اعتقال اليوسفي والبصري، بتهمة التآمر على ولي العهد الحسن الثاني، وهي التهمة التي يفككها الجابري بين ثنايا مذكراته، لينفيها عن الرجلين، ويعود إلى السبب الحقيقي، في اعتقال القياديين وإيقاف الجريدة.

وأضاف الجابري، أن السبب الحقيقي في إغلاق الجريدة كان هو نشر التحرير لمقالة نارية حول أوضاع المقاومين الذين رفض الديوان الملكي استقبالهم، حيث عُنْوِنَ المقال بـ"طردوا الاستعمار بالأمس وأصبحوا اليوم مطرودين"، وهذا ما سيجني على العديد من المقاومين كذلك، فبعد مصادرة الجريدة، سَيُخْتَطَفُ الجيلالي المحريزي، وحسن صافي الدين وعبد الله الصنهاجي ومحمد بنسعيد، ليتهموا رفقة إدارة التحرير، بالتآمر على ولي العهد.

تهمة سَتُضَافُ إليها فيما بعد، "المساس بأمن الدولة، والتهجم على المؤسسة الملكية والتحريض على الجرائم ضد الدولة"، لكن المنتظم الدولي سيكون له رأي آخر حيث ستنزل الصحف الدولية بكامل ثقلها، لانتقاد ما يسير إليه المغرب من قمع، حيث أكدت وكالة الأنباء الفرنسية، أن سبب الاعتقال الحقيقي كان "مطالبة اليوسفي والبصري، للملك بالاهتمام بتنظيم الحقل الديني فقط والابتعاد عن الأمور السياسية، وتركها للحكومة المنتخبة".

تحركات الصحافة الأجنبية ستدفع السلطة إلى اسقاط التهم على المتابعين، بمن فيهم الفقيه البصري، حيث سيعلن ولي العهد عفوه عن الجميع، لكن أوضاع الاتحاد ستستمر في التأزم، بعد أن طلب أحمد بنسودة، أن يتوقف الاتحاد الوطني عن الاشتغال بجريدة "الرأي العام"، ثم تلاها قرار رسمي سنة 1961 يقضي بانسحاب الشوريين من الاتحاد، في عز المفاوضات مع المحجوبي أحرضان من أجل ضم الحركة الشعبية إلى الحزب.

الجابري وتجربة الاعتقال السياسي

مثل العديد من قيادات الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، لم يسلم محمد عابد الجابري، من الاعتقال، رغم أنه كان مهادنا في علاقاته مع الشرطة، التي لطالما تعقبت أثره عن بعد فور خروجه من المنزل أو مقر جريدة التحرير، على حد تعبيره.

ويحكي الجابري، في مذكراته، كيف اعْتُقِلَ رفقة جميع أعضاء اللجنة المركزية للاتحاد، بعد الاجتماع الذي عقدته، من أجل التباحث في مسألة المشاركة في انتخابات 1960، بدعوى أن المقر كان يحوي أسلحة، ليُنْقَلَ كل الأعضاء الحاضرين إلى درب مولاي الشريف، حيث تعرضوا إلى الاستنطاق والتعذيب، باستثناء محمد عابد الجابري، الذي أُخْلِيَ سبيلهُ بعد شهر من الاعتقال.

ولا يذكر الجابري، في ما تعرض له من مضايقات جسدية، على طول مساره السياسي، سوى صفعة تلقاها من "الحاج"، وهو كوميسير، استنطاقه بدرب مولاي الشريف، لكن المسؤول الأمني سيتدارك خطأه بعد سنوات عندما التقاه الجابري، بمدرسة محمد جسوس، بالرباط، حيث سيجمعها عناق حار، مرفوق باعتذار حول الواقعة.

ويستطرد الجابري، أنه كلما كان الجو متوترا بين الاتحاد الوطني للقوات الشعبية والدولة، خصوصا في الحقبة التي تلت أحداث مولاي بوعزة في 3 مارس 1973، وقبل المؤتمر الاستثنائي، كان يتجه صوب مقاهي سباقات الخيل "التيرسي" بالرباط، ويراقب اللاعبين والناس، إلى حين خفوت الأزمة بين الطرفين.