حبيب الشرقاني الفيلالي .. ابن مكناس الذي استُشهد في قلب القدس

حبيب الشرقاني الفيلالي .. ابن مكناس الذي استُشهد في قلب القدس

الميلاد والنشأة

ينحدر الشهيد حبيب الشرقاني الفيلالي من أسرة فيلالية يرجع أصلها إلى مدينة أرفود، حيث وُلد هناك في أواخر القرن التاسع عشر وانتقل مع أسرته إلى مدينة مكناس التي عاش بها ردحا مهما من حياته كعادة الكثيرين من أبناء منطقة تافيلالت الذين استقروا في مكناسة الزيتون، حيث ما تزال بيوت أفراد العائلة هناك.

وقد كان الحاج الحبيب يمارس الفلاحة في البادية أياما والتجارة في باقي الأيام الأخرى، مع ما كانت تتيحه له هذه المهنة من سفر وترحال ولقاء بأصناف مختلفة من الناس.

وقد ارتبط الشهيد بفلسطين ارتباطا وثيقا بحكم وجود مجموعة من أفراد آل الفيلالي بالقدس خاصة، سافروا إليها واستقروا بها على فترات مختلفة، وكذا بحكم شَدّه الرحال إليها في كل مرة كان يقوم بها بالحج في اتجاه الكعبة بالحجاز في الجزيرة العربية.

رحّالة على نهج ابن بطوطة

تعددت رحلات الشهيد حبيب إلى المشرق العربي، وخاصة للحج حيث زار مكة والمدينة لهذا الغرض في المرة الأولى عن طريق البر. وفي أثناء زيارته تلك عرّج على مدينتي القدس والخليل أثناء خضوعهما حينها للسيطرة العثمانية، في رحلة استمرت ثلاث سنوات. ليعود إلى الحج ثانية عن طريق البر قبل العودة إلى مكناس.

وفي المرة الثالثة، كانت الرحلة عن طريق البحر، مع زوجته فاطمة السيفي التي كانت تنتهز فرصة المرور من هناك للقاء والدها المستقر بالقدس. وكانت هذه الرحلة طويلة عكس الرحلات الأخرى، حيث استقرا بجوار الكعبة لمدة أربع سنوات، قبل أن يقررا المغادرة في اتجاه فلسطين بعد وفاة طفل صغير لهما ولد هناك وأسموه وفقا للتقاليد المغربية باسم "المكّي"، بعد دفنه بالبقيع.

كما تحكي بانفعال كبير ابنة الشهيد حبيب الفيلالي الحاجة عائشة الشرقاني (وهي فوق الثمانين من العمر) التي التقيتها في بيتها بالدوحة. "حتى زواج والدتي كان بطلب من أبي الشهيد حبيب ليَدها من عمها، لأن أباها كان موجودا في القدس، فكانت الزيارة إلى هناك مناسبة للقاء والدها مباشرة لمباركة زواجهما"، تؤكد ذلك وهي تتأمل سقف البيت متذكرة قصصا عن والدتها الراحلة وأبيها الشهيد.

كان وصول هذه الأسرة إلى فلسطين لحظة اندلاع الحرب الأوروبية الأولى سنة 1914 ليجتمع شمله مع مجموعة من آل الفيلالي الذين سبقوه للإقامة هناك، خاصة في مدينتي القدس والرملة؛ ومن ضمنهم الحاج عبيد المختار الفيلالي (الذي كان يتولى مهمة مقدم الزاوية التيجانية في فلسطين) الذي كان من المشاركين في ثورة 1936 الكبرى التي انطلقت بإضراب الستة أشهر، حيث تم اعتقاله وبعد الإفراج عنه توفي نتيجة حسرته على الإهانات التي تعرض لها من لدن جيش الاحتلال البريطاني ليُدفن من سيصبح ابنه صهرا له فيما بعد في مدينة الرملة. أما زوجته الحاجة عائشة الفيلالية ابنة قصر تبوعصامت فقد دفنت بعد وفاتها في القدس.

وهكذا، سيصبح مُقام العائلة ومستقرها في القدس بحي المغاربة الشهير، الذي كان ضحية أول قرار للصهاينة بعد احتلالهم لها سنة 1967 القيام بهدمه على رؤوس قاطنيه في عملية أشرف عليها الإرهابي موشي ديان وزير الحرب الصهيوني حينها. وبالرغم من ذلك بقي في القدس المحتلة حوالي 2740 مواطنا فلسطينيا من أصول مغربية موزعين على مناطق القدس المختلفة بعد هدم حارة المغاربة.

بعد استقراره في القدس، بدأ حبيب الشرقاني الفيلالي يأخذ تدريجيا مكانته داخل مجتمع أهل القدس، حيث تحول بيته إلى مرجع لجميع المغاربة الذين يقطنون فلسطين، أو أولئك الذين يعبرون من مدنها في طريقهم للحج أو للدراسة وتلقي المعارف، أو لممارسة التجارة في بلاد الشام.

وهكذا، أصبح بيت الشهيد حبيب الشرقاني في حي المغاربة ملاذا لكل الأسر المغربية هناك، حيث تحدثت ابنته الحاجة عائشة الشرقاني عن العلاقات المتضامنة التي كانت تجمع العائلات المغربية هناك، مثل عائلات التواتي والجبلي والتيجاني والعروسي والفيلالي واحميدة (المنحدرة من محاميد الغزلان) والحيحي والشهيد السحار والباشا والعلوي وغانم (عائلة منحدرة من آسفي) والمراكشي وعبد الوهاب (عائلة منحدرة من منطقة بني عروس شمال المغرب) والمصلوحي والدكالي والتلمساني والمهدي المزكلدي (شيخ المغاربة الذي كان يستقبل جميع الوافدين إلى القدس من عموم المغرب العربي الكبير) والأعرج والسباعي والزواوي (عائلة من أصول جزائرية تنحدر من منطقة القبايل) والطيب (أصولهم من الزاوية الناصرية في تامكرودت).. وغيرهم أسماء كثيرة لا تتذكرها السيدة عائشة في عملية تداعي ذكرياتها البعيدة في الزمن.

وهكذا، أصبح السيد حبيب الشرقاني من وجهاء المغاربة في القدس، صاحب مكانة وهيبة واضحة، يزور بيته كبار الشخصيات القادمة للقدس حتى بعد استشهاده، حيث إن الزعيم المغربي علالا الفاسي زار بيته في دجنبر من سنة 1953 حين قام بزيارة للقدس قبل احتلالها والتقى أبناءه هناك.

هذه المكانة هي التي جعلت الشهيد حبيب مقربا من وجوه النضال الفلسطيني حينها، وخاصة مفتي القدس أمين الحسيني رئيس اللجنة العربية العليا وأبرز الوجوه الفلسطينية في النصف الأول من القرن العشرين، حيث ما زالت ذاكرة الحاجة عائشة تستحضر كيف أن زيارة الحسيني لبيت والدها منتصف الثلاثينيات من القرن الماضي ومشاهدته لها جعلت المفتي يطلب من أبيها ضرورة إدخالها إلى المدرسة، وهي في سن الخامسة حينها؛ وهو الطلب الذي لم يتردد الشهيد حبيب بتلبيته لصديقه المفتي، خاصة ونها كانت الابنة الوحيدة لأبويها ضمن عدد من الإخوة الذكور.

وكانت صداقة الشهيد حبيب للمفتي مستمرة إلى حين استشهاده، حيث كان لهما لقاء خارج فلسطين، حين كان المفتي يعالج في مدينة الإسكندرية.

أما أبناء الشهيد حبيب فقد برز منهم إبراهيم الذي كان مكلفا بتوزيع المساعدات الرسمية التي كانت تأتي من المغرب وتوزيعها على كل المغاربة الموجودين في فلسطين كلها، حيث تحكي الحاجة عائشة: "أن تلك المعونة كانت توزع على الجميع ولا تفرق بين مغاربة فلسطين مهما كانت أصولهم، من المغرب الأقصى أم من تونس أم من الجزائر بالتقسيم الحالي".

وقد شارك في عدد من العمليات الفدائية ضد جيش الاحتلال البريطاني والعصابات الصهيونية إلى حدود احتلال الصهاينة لما تبقى من فلسطين في عدوان 1967، ليضطر بعدها للخروج إلى المغرب بعد أن كان مطلوبا من لدن الصهاينة، حيث استقر به المقام في مدينة مكناس حتى وفاته سنة 2006.

كما عرف الراحل إبراهيم بكونه كان مسؤولا عن أمن الحرم داخليا وخارجيا من خلال مسؤوليته عن عدد من أبواب المسجد الأقصى، تذكر منها شقيقته الحاجة عائشة: "باب المجلس وباب المغاربة وباب المدرسة وباب الحديد.."، وهي المسؤولية التي جعلته قريبا من والده لحظة استشهاده.

شهادة في قلب الحرم القدسي

كان للمغاربة دور مشهود في التصدي للاحتلال الصهيوني لفلسطين منذ غزوها من لدن البريطانيين سنة 1917، حيث تتذكر السيدة عائشة ابنة الشهيد حبيب كيف أنه كانت توجد في حارة المغاربة بالقدس امرأة مغربية كانت تسمى الطنجاوية (نسبة لانحدارها من مدينة طنجة) كانت تفتح بيتها للمقاومين للاجتماع فيه والتخطيط لعمليات المقاومة، بسبب عدم انتباه المستعمرين الإنجليز والعصابات الصهيونية المتحالفة معهم لبيت تقطنه امرأة.

وهو البيت الذي كان منطلق الكثير من العمليات الفدائية التي شارك فيها أشقاؤها، وخاصة إبراهيم. أما أبوها الشهيد حبيب فقد كان قبل استشهاده قد تهيأ لمقاومة طويلة للمحتل، حيث اقتنى رشاشا وخبأه في بيته.

وأثناء اشتداد المعارك بين العصابات الصهيونية ومجموعة من الفدائيين الفلسطينيين، هاجمت العصابات الصهيونية الحرم القدسي يوم 10/10/1948 وأطلقت النار على كل من يتحرك بداخله، فسقط العديد من الشهداء كان من ضمنهم السيد حبيب الشرقاني حيث كان يتوضأ في باحة الحرم الأقصى استعدادا لأداء الصلاة مع مجموعة من المغاربة هناك، لتختلط دماؤه بمياه نافورة الماء هناك..

ولأن رصاص العصابات الصهيونية التي هاجمت حارة المغاربة ومداخل المسجد الأقصى كان كثيفا، لم يتمكن مرافقوه من سحب جثته إلا بصعوبة بالغة حيث كان الرصاص يلعلع هناك. وبعد أن تم ربط ابنه إبراهيم بحبل محيط به، قام بالزحف على بطنه في اتجاه مكان النافورة ليسحب جثمان والده الذي اخترقت رأسه رصاصة من جهة الأذن لتخرج من الجهة الأخرى، وكان السحب بمساعدة رفاقه الذين تحصنوا خلف أحد الجدران القريبة، ليتم دفنه في باحة الحرم غير بعيد عن مكان استشهاده.

شهيد ضمن كوكبة من المقاومين المغاربة سنة 1948

لم يكن الشهيد حبيب الشرقاني المغربي الوحيد الذي استشهد في تلك الأيام العصيبة التي سبقت إخضاع فلسطين للاستعمار الصهيوني (بين سنتي 1947 و1948)، بل كان هناك مجموعة من الأسماء أوردها الأستاذ عارف باشا العارف في موسوعته الشهيرة المشكلة من ستة أجزاء كما يلي:

الحاج صادق المغربي، وهو من سكان القدس الذي استشهد في حي الشيخ بدر يوم 28/12/1947.

عبد الحفيظ عبد الرحمان وحمد موسى عبد الله (كانا يقطنان بين يافا والرملة) اللذان استشهدا في ملجإ الرجاء يوم 26/02/1948.

موسى المغربي الذي استشهد في حيفا يوم 04/04/1948.

الحاج حسن السحار الذي استشهد في باب المغاربة من أبواب القدس القديمة يوم 01/05/1948.

عبد القادر المغربي والحاج موسى المغربي، وهما من سكان القدس القديمة اللذان استشهدا في الحي اليهودي يوم 29/05/1948.

الحاج عبد الله المغربي، الذي استشهد في حارة النصارى بالقدس يوم 12/08/1948.

أحمد خليل الهموني الذي استشهد بحارة المغاربة يوم 18/09/1948.

وشخص وُصف بالتكروري، الذي استشهد وهو يصلي في الحرم القدسي يوم 10/10/1948، حيث يقصد به غالبا كونه منحدرا من بلاد أو مملكة التكرور التي كانت تضم أراضي المناطق المعروفة اليوم بموريتانيا، السنغال، مالي، نيجيريا، النيجر، تشاد وصولا إلى حدود دارفور في السودان حاليا.

ويذهب بعض المؤرخين إلى إن اسم تكرور هو اسم لمدينة على نهر السنغال الحالي وكانت عاصمة لتلك الدولة.

إضافة إلى الشهيد عمر الوزاني الذي كان واحدا من المتطوعين المغاربة الاثني عشر الذين أرسلهم الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي ضمن كتيبة المتطوعين الممثلة لـ"مكتب تحرير المغرب العربي" بهدف المشاركة في الدفاع عن فلسطين، تحت قيادة المجاهد الراحل الهاشمي الطود.

وقبلهم تشير الحاجة عائشة الشرقاني ابنة الشهيد حبيب إلى شهيدين مغربيين سنة 1938 إبان ثورة فلسطين الكبرى، حيث يتعلق الأمر بأبناء السيد حسين الحيحي التوأم، اللذيْن أعدمتهما بدم بارد العصابات الصهيونية بسبب مشاركتهما في المقاومة، ناهيك عن الشهداء الآخرين الذين التحقوا بالثورة الفلسطينية في المراحل اللاحقة؛ وهو ما يجعل عدد الشهداء المغاربة من المتطوعين الذين ارتقوا من أجل فلسطين يربو على الثلاثين شهيدا.