شقير يخوض في تفكيك الاحتلال الروماني لوحدة الدولة بالمغرب

شقير يخوض في تفكيك الاحتلال الروماني لوحدة الدولة بالمغرب

أسهم الاحتلال الروماني للمغرب في تعطيل عملية التوحيد السياسي التي دشنها الملوك المغاربة الأوائل وكرسها الملك جوبا الثاني؛ فقد كانت للسياسة الإدارية، التي انتهجتها روما بالمغرب، نتائج وخيمة على توحيد الدولة بالمغرب وذلك لعدة قرون.

فبعد تسلم الملك جوبا الثاني مقاليد حكم المغرب من الإمبراطور الروماني أغسطس، عمل العاهل المغربي على توسيع حدود الدولة، ومواجهة العناصر التي كانت تهدد الاستقرار السياسي بالبلاد، مستلهما في ذلك تجربة مسينيسا في توحيد نوميديا.

لذا، فطيلة حكم جوبا الثاني الذي امتد لفترة طويلة، حافظ المغرب على استقلاله السياسي وازدهاره الاقتصادي، وإشعاعه الثقافي. وبالتالي بقيت ذكرى هذا العاهل المغربي مترسخة في قلوب السكان الذين كانوا يقدسونه إلى درجة بلغت العبادة

وعد وفاة جوبا الثاني، خلفه ابنه بطليموس، الذي واصل سياسة أبيه في الحفاظ على استقلال البلاد وتكريس وحدة الدولة؛ لكن سرعان ما ستعمل روما على إفشال هذه السياسة وذلك بتفكيك وحدة الدولة المغربية من خلال اللجوء إلى ضرب رمز الوحدة السياسية وانتهاج سياسة إدارية قائمة على التقسيم

قد أسهمت عدة عوامل في التفكير في ضم المملكة المغربية إلى الإمبراطورية الرومانية. ويمكن تصنيف أهم هذه العوامل في: عوامل سياسية، وأخرى اقتصادية، بالإضافة إلى بواعث محلية وشخصية:

1- العوامل السياسية

إن ضم المملكة المغربية إلى الإمبراطورية الرومانية كان مسألة توقيت سياسي فقط. لذا، فبمجرد ما توفرت الظروف السياسية المناسبة قام الإمبراطور كاليكولا بضم مملكة بطليموس.

وقد تجسدت هذه الظروف في أوضاع دولية وجهوية وإقليمية ملائمة. ويمكن أن نحدد هذه الأوضاع في الانتصارات التي أحرزتها السياسة الاستعمارية الرومانية في عدة مناطق مهمة، وبالأخص: التوسع في منطقة الشرق الأوسط؛ ضم مجموعة من الدول الواقعة في الضفة اليمنى لنهر الدانوب؛ واستكمال السيطرة على إسبانيا؛ والتقدم التدريجي في استعمار دول شمال إفريقيا.

2- العوامل الاقتصادية

تتخلص أهم هذه العوامل في رغبة روما للسيطرة على المغرب، لكونه كان يعدّ من المناطق الرئيسية لإنتاج الحبوب في المنظومة المتوسطية وأحد المزودين الأساسيين للإمبراطورية بهذه المادة الإستراتيجية. فتخصص روما في الحروب وبناء اقتصادها على أساس عسكري جعلها في أمس الحاجة إلى الحبوب وفي تبعية تامة للمناطق المنتجة للقمح وخاصة إفريقيا الشمالية. لذا، كان الاستيلاء على المغرب يعني التحكم في أراض خصبة والسيطرة على منتجاتها الفلاحية، وبالأخص الحبوب. لذا، لم يتوان الرومان، بمجرد استعمارهم للمغرب، في الاستحواذ على أجود الأراضي الفلاحية وتوزيعها على المعمرين الرومان. وقد كان "الأباطرة في مقدمة الملاك الذين استولوا على الأراض بالتدريج عن طريق عائلاتهم بواسطة الإرث المشروع أو عن طريق المصادرة وإما بحكم مركزهم".

بالإضافة إلى ذلك، شجعت روما التكثيف من زراعة القمح لتلبية حاجات مواطنيها وذلك على حساب أشجار العنب والزيتون. كما أشرف الرومان على تصدير هذه المادة بكثافة إلى رومان دون مراعاة حاجة السكان المحليين.

فبالرغم من ممارسة الملك جوبا الثاني لمهامه في ظل الحماية الرومانية، وما صاحب ذلك من ضغوط سياسية عليه، فإن العاهل المغربي كان يعمل جاهدا على ضمان استقلال المغرب من جهة وتأكيد وحدته من جهة ثانية.

هكذا أشار كوستوينسكي إلى أن "خضوع جوبا الثاني لروما كان ظاهريا فقط؛ فقد كان يتطلب الأمر أن يحافظ على مظاهر الولاء للإمبراطورية ليتجنب التدخل العسكري وفقدان استقلال البلاد... فسياسة جوبا الثاني كانت واضحة؛ بحيث قام بتدعيم الاستقلال الاقتصادي للبلاد، وعمل أيضا على تكريس خصوصيته الحضارية. فقد حصن شعبه ضد تأثير الحضارة الرومانية وذلك بمنافستها بالحضارة اليونانية والقرطاجية".

كما عمل جوبا الثاني على تقوية أركان ملكه، سواء من خلال اقتباسه لبعض التنظيمات السياسية الرومانية (21) أو إحاطته بكل مظاهر الأبهة أو تدعيم تحالفاته السياسية مع الإمبراطور والجهات النافذة في روما.

كما أن هناك أسبابا أخرى أسهمت في عملية الضم تتمثل بالخصوص في: حماية المستوطنات الرومانية؛ والاستفادة من الجهود التي بذلها كل من جوبا الثاني وبطليموس لتنمية البلاد اقتصاديا؛ والاستجابة لضغط اللوبيات الإيطالية التي كانت تطالب بضم المملكة.

3- العوامل المحلية

إن التأخر في ضم المملكة الموريتانية كان نتيجة للإرادة السياسية للإمبراطور أغسطس الذي قرر أن يولي الملك جوبا الثاني على عرش هذه المملكة، نظرا لأنه أحس بأن هذه الأخيرة ما زالت غير مهيأة لأن تصبح تابعة للإمبراطورية.

ولعل أهم الأسباب التي دفعت الإمبراطور إلى اتخاذ هذا القرار هو صعوبة احتلال البلاد والتكاليف العسكرية التي ستترتب عن ذلك، وكذا قوة شكيمة السكان المتمسكين باستقلال بلادهم.

لذا، فقد تم "تكليف جوبا الثاني بتليين رعاياه المعروفين بقوة شكيمتهم وتشجيع تنمية المستوطنات الرومانية التي تم إنشاؤها لنشر القيم اللاتينية".

وبالفعل، فإن انتشار القيم اللاتينية كان من أهم العوامل التي ساعدت على ضم البلاد؛ فقبل ضم البلاد عسكريا وسياسيا تم التفكير في تهيء السكان، أو على الأقل جزءا منهم، لتقبل فكرة الخضوع لروما، وذلك بالتأثير فيهم من خلال ما سمي بعملية "الرومنة" ((la Romanisation)). وقد تم الاعتماد في هذه العملية على عدة وسائل من أهمها: استخدام المستوطنات الرومانية (كزيليس وبنسا وبابا) كقواعد أولية للإشعاع الثقافي الروماني؛ والاستفادة من السياسة التي اتبعها جوبا الثاني في اقتباس ونشر بعض مظاهر الحضارة الهلينية والرومانية؛ ومنح الجنسية الرومانية لبعض السكان المحليين.

ولعل من أهم نتائج عملية "الرومنة" هو أن قسما كبيرا من سكان العاصمة وليلي أصبح متأثرا بشكل كبير بالثقافة الرومانية. كما لعب دورا حاسما في تقبل بسط روما لسيطرتها على البلاد؛ بل وأسهم بدور أساسي في مناهضة الانتفاضات التي اندلعت بعد مقتل الملك بطليموس.

4- البواعث الشخصية

لا شك في أن التنافس الشخصي بين كل من العاهل المغربي بطليموس والإمبراطور الروماني كاليكولا قد لعب دورا كبيرا في تسريع عملية ضم المملكة المغربية إلى الإمبراطورية الرومانية؛ فبطليموس، منذ صعوده إلى الحكم، أظهر عن روح استقلالية تجاه الإمبراطور كاليكولا. وقد تجسد ذلك على الخصوص من خلال سكه لنقود ذهبية لم يكن يسمح بسكها إلا للأباطرة الرومان؛ وهو الشيء الذي أثار حفيظة الإمبراطور كاليكولا ورأى فيه نوعا من التطاول عليه. إضافة إلى ذلك، كان بطليموس يفتخر بكريم أصله وقرابته من الإمبراطور السابق أنطوان وكذا علاقاته الوثيقة مع عائلة قيصر؛ وهو ما كان يثير تخوف كاليكولا وحذره من بطليموس، خصوصا في الوقت الذي كان يواجه فيه مجلس الشيوخ الذي كان غير موافق على سلوك الإمبراطور وعلى سياسته خاصة في إفريقيا.

كما أن مظاهر الأبهة التي كان يحيط بها بطليموس شخصه وملكه جعلت كاليكولا يفكر جديا في القضاء عليه. ولعل حادثة دخول العاهل المغربي بمعطفه الأرجواني إلى الحفلة التي ترأسها كاليكولا هي التي عجلت باغتيال بطليموس من لدن كاليكولا.

لكن هذه العوامل الشخصية لا يمكن لوحدها أن تفسر اغتيال بطليموس. فالعوامل السياسية كانت أيضا من وراء هذا الاغتيال؛ وتتمثل أهم هذه العوامل فيما يلي: قضاء بطليموس على ثورة تاكفاريناس؛ وضغط لوبي رجال الأعمال الذي كان محيطا بكاليكولا؛ وارتباط بطليموس ببعض من تآمروا على اغتيال كاليكولا...

غير أنه، بالإضافة إلى هذه العوامل مجتمعة، كان التداخل بين المصلحة الشخصية لكاليكولا والمصلحة العليا لروما هو الذي أدى إلى اغتيال بطليموس، ليس فقط كمنافس شخصي للإمبراطور، بل كعاهل مغربي يمثل رمز استقلال المملكة المغربية "فباغتيال بطليموس، فقدت المملكة استقلالها وملكها".

ومما يؤكد ذلك هو أنه بمجرد الإعلان عن نبأ اغتيال العاهل المغربي اندلعت عدة ثورات بزعامة أيدمون في مختلف أنحاء المملكة سارعت روما لإخمادها مجندة في ذلك عدة فيالق عسكرية لمطاردة الثوار ومحاولة القضاء عليهم.