كاتب يعرّي "مغرب الستينات".. عنف وشعوذة وإباحية جنسية

كاتب يعرّي "مغرب الستينات".. عنف وشعوذة وإباحية جنسية

هل تعاني التنشئة الاجتماعية في المغرب من أزمة بنيوية أم إنّ بعض الظواهر التي بدأت تطفو بحدة أكبر خلال السنوات الأخيرة على سطح المجتمع، في علاقة الناشئة بالمؤسسات الاجتماعية، مثل عصيان وتمرّد الأبناء على مؤسسة الأسرة وتمردّ اليافعين ضد الراشدين في المؤسسة التعليمية، لا تعدو أن تكون مجرد سحابة صيف عابرة سرعان ما ستعود بعدها المؤسسات الاجتماعية إلى التحكم في زمام التربية والتنشئة الاجتماعية؟

السؤال أعلاه واحد من أسئلة أخرى مرتبطة بالتنشئة الاجتماعية في المجتمع المغربي طرحها محمد غالم، باحث في علم الاجتماع، في كتابه الجديد الموسوم بعنوان "أزمة التنشئة الاجتماعية المؤسساتية وتأثير الثقافة الشعبية للمراهقين"، سعى من خلاله إلى تسليط الضوء على التحول الثقافي في المجتمع المغربي وتأثيره على التنشئة الاجتماعية، في ظل التراجع الكبير لقنوات التثقيف التقليدية عن لعب دورها، خصوصا مع التطور التكنولوجي والإقبال على وسائل التواصل الحديثة.

في الفصل الثاني من كتابه، يقسم المؤلف تطور الثقافة الشعبية الحديثة إلى مرحلتين؛ مرحلة أواخر الستينات ومطلع السبعينات، ومرحلة ما بعد التسعينات، وهما المرحلتان اللتان يتمحور حولهما الكتاب. والمثير في ما جاء به المؤلِّف هو أنّ المجتمع المغربي لم يكن "مثاليا"، كما يتصور البعض، في مرحلة ما قبل السبعينات من القرن الماضي؛ ذلك أنه كان يعرف مجموعة من الظواهر ذات الطابع السيكو-اجتماعي، من قبيل العنف الاجتماعي، والإباحية الجنسية.

وتكشف المقابلات التي أجراها الباحث مع 42 راشدا، كانوا شبابا أو مراهقين في مطلع السبعينات، أن العنف الاجتماعي كان يسيطر فعلا على الأحياء الهامشية للمدن، وينقسم العنف السائد آنذاك إلى أربعة أنواع، وهي العنف الناتج عن تضارب المصالح بين عائلتين، وكان هذا العنف ينتشر لأسباب تافهة كشجار بين طفلين، والعنف بين أطفالِ أو مراهقي حيّين أو دواريْن، وكان يَتَّخِذ شكل استعراض العضلات بين سكّان الأحياء الإسمنتية وسكّان أحياء الصفيح.

النوع الثالث من العنف الذي كان سائدا في الأحياء الهامشية لمغرب بداية الاستقلال وسنوات السبعينات يكتسي طابعا فرديا، وكان يحدث بين أطفال أو مراهقي الحي الواحد، ويُستعمل فيه السلاح الأبيض، وقد كان يخلّف في بعض الأحيان وفاة أحد الأطراف أو إصابته بجروح بليغة.

أما النوع الرابع من العنف، فقد كان يُمارَس من أجل السرقة أو الاغتصاب، وكان يمارسه منحرفون تثير أسماؤهم الرعب وسط السكان، لم تتمكن السلطات من وضع حد لسطوتهم إلا بعد فترة غير قصيرة استمرت من الاستقلال إلى أواسط السبعينات.

في ستينيات القرن الماضي لم يكن الشارع المغربي يعرف فقط مظاهر العنف الاجتماعي، بل إنّ هذا العنف، حسب مؤلّف كتاب "أزمة التنشئة الاجتماعية المؤسساتية وتأثير الثقافة الشعبية للمراهقين"، كان يغذّي ظاهرة الإباحية الجنسية؛ إذ انتشرت دُور الدعارة، وكانت بعض الأسماء معروفة في مجال القوادة، أغلبهم نساء، والاستمناء الجماعي للمراهقين الذين كانوا يتنافسون فيما بينهم، والشذوذ الجنسي.

ويقول المؤلِّف إنّ مرحلة ما قبل السبعينات عرفت انتشار ظاهرة الاغتصاب التي تطال كل من ضُبط منفردا، سواء تعلّق الأمر بالأطفال أو الفتيات أو النساء، "بل إنّ أحد الأسماء التي كانت ترتعد لها الفرائص قد اغتصب شيخا على وشك الموت"، بحسب ما جاء في المؤلَّف.

علاوة على ذلك، يشير صاحب الكتاب إلى أن الرصيد اللغوي الخاص بالشباب والمراهقين الذي يتم التعامل به في لقاءاتهم الحميمية كان ينبني على الجنس، كما أن عددا كبيرا من النكث ومن الأحاديث التي كانت تروج في "الحلقة" وبين جماعات الشباب والمراهقين، وحتى الكهول والنساء، كانت تتمحور حول الجنس، أو تتضمن مفردات تدل على تغلغل الإباحية الجنسية في الشارع خلال تلك الفترة.

وبخصوص المعتقدات في التركيبة الثقافية الشعبية للمجتمع المغربي ما قبل السبعينات، يكشف المؤلّف عن سيادة الاعتقاد بالخرافات؛ إذ أكّد كل أفراد العيّنة المبحوثة اقتناعهم بنجاعة زيارة الأولياء، وأكدوا جميعهم تخوّفهم من عين "المعيان" ومحاولتهم اتقاء شرها، كما أنهم يتطيّرون من مجموعة من الأشياء والأفعال والأشخاص والمواقيت، والاعتقاد بمنافع الجنّ وقدرتهم على استخراج الكنوز وتسخيرهم لقضاء المآرب.

وصرّح 80 في المئة من أفراد العينة التي استجوبها الباحث بأنهم يؤمنون بالسحر وبالأذى الذي يمكن أن يلحقه السحرة بالناس، غير أنّ أغلبهم أكّد أن السحرة الحقيقيين لم يعد لهم وجود، كما أن 90 في المئة منهم لم يسبق لهم أن مارسوا السحر بهدف إلحاق الضرر بالغير، وأغلبهم سبق لهم أن مارسوا "السحر الأبيض" (الجداول الوقائية عند الفقيه أو تمائم لاتقاء النحس أو للاستشفاء أو للقبول)، إما بأنفسهم أو بواسطة أمهاتهم.