هكذا تحوّلت مدينة وليلي إلى عاصمة سياسية للملوك المغاربة

هكذا تحوّلت مدينة وليلي إلى عاصمة سياسية للملوك المغاربة

هناك شـبه اتـفـاق بـيـن الـمؤرخـيـن والأركــيولوجيين حول أن مدينة وليلي كانت هي العاصمة السياسية للمملكة الموريتانية. وهـكـذا يـؤكـد المؤرخ كـاركـوبـيـنـو أن ولـيـلـي لـم تـؤسـس مـن طرف الرومان، بل كانت قبل ذلك مقرا لحكم الملوك المغاربة. كما أن دوزانج يسير في المنحى نفسه مستدلا على ذلك بوثائق تاريخية قديمة.

أما الأركيولوحيون فـقـد جـزمـوا بأن ولـيـلي كانت عاصمة سياسية للملوك المغاربة؛ وذلك استناد إلى عدة حفريات تم العثور عليها، من أهمها:

- النقود التي تم العثور عليها والتي تحمل أسماء ملوك مغاربة.

- بعض تماثيل الملوك المغاربة.

- أطلال بعض القصور التي كان يستقر فيها الملوك المغاربة.

غـيـر أن الـمـكـانة التي بقيت تحظى بها وليلي في كل الفترات التاريخية هي التي تقوي في نظرنا المكانة التي كانت تحظى بها وليلي كعاصمة سياسية للمملكة الموريتانية. فكما كانت مقرا لحكم الملك بوكوس الأول وأبنائه، كانت عاصمة للملك جوبا الثاني وابنه بطليموس. وفي عهد الاحتـلال الـرومـانـي تحولت إلى مقر للحكام الرومان، لتصبح بعد ثمانية قرون عاصمة لإدريس الأول. لـذا فقد كان لوليلي دائما هذا الرصيد التاريخي الذي جعل منها عاصمة للملك في المغرب.

لـكـن تـحـول مـديـنـة ولـيـلـي إلى عـاصمـة سـيـاسـية ومقر لحكم الملوك المغاربة كان نتيجة لعوامل جغرافية وجيو-سياسية عدة.

1. العوامل الجغرافية

أشار جودان إلى أن اخـتـيـار الـملوك المغاربة لمدينة وليلي كمقر للحكم يرجع بالأساس إلى ما تتوفر عليه هذه المدينة من خصائص جغرافية تكمن في:

أولا: تواجدها في موقع مرتفع، بحيث يمكن اعتبارها مدينة جبلية.

ثانيا: تواجدها في الطريق التي تربط بين طنجة والعرائش بالشمال ومنطقة الأطلس المتوسط، وهذه الطريق تعتبر من أهم الطرق التجارية التي تمر منها كل البضائع، سواء الأجنبية أو المحلية.

ثالثا: توفرها على كل الإمكانيات الفلاحية، من أراضٍ ومياه بفضل كثرة العيون بها.

2. العوامل الجيو-سياسية

يرى كلود جوليان أن فـاس ورثـت الـدور الـسـيـاسـي لـولـيلي، نظرا لأن هذه الأخيرة كانت تتوفر على معطيات جيو-سياسية أساسية، مـن أهـمـها: الـتـوفر على الماء الضروري، وتواجدها في منطقة جغرافية ساعدتها على الدفاع عن نفسها، وتشكيلها لمفترق طرق تجاري:

أولا: التوفر على الماء الضروري

إن وليلي تأسست في "منطقة مائية استراتيجية" نتيجة توفر العيون (خولان وعين سيدي حرازم)، ووجودها قرب الوديان (وادي فاس)، وتواجدها قرب جبال الأطلس المتوسط التي تعتبر من أهم الخزانات الثلجية بالمغرب.

ونتيجة لهذه العوامل، كانت وليلي في مأمن من شح المياه أو نضوبها. وقد شكل هـذا المعطى الطبيعي امتيازا هاما لوليلي، خصوصا في بلد فلاحي يتميز بعدم انـتـظـام أمـطـاره. كـمـا أن الـتـوفـر عـلـى الـميـاه بشكل منتظم وفر للمدينة استقرارا سكانيا وعمرانيا، وفي الوقت نفسه بيئة فلاحية وزراعية خصبة.

ثانيا: الموقع الجغرافي المتميز

إن وجود وليلي في منطقة جبلية وبناءها أسفل هضبة زرهون مكنها من أن تقوم بدور سياسي رئيسي، تمثل عـلـى الـخـصـوص فـي الـدفـاع عـن نـفـسـهـا فـي حـالـة تعرضها لأية اكتساحات أجنبية أو تمردات داخلية من جهة، وفي الوقت نفسه الإشراف على منطقة الغرب التي تعتبر همزة وصل بين شمال وجنوب وشرق المغرب.

ثالثا: مفترق طرق تجارية

تعتبر وليلي مفترق طرق تجارية مهمة في المغرب، فهي تتحكم في كل الطرق التجارية، سواء الذاهبة إلى مراكش (المحطة الرئيسية لتجارة القوافل، أي تجارة الذهب والعاج والعبيد) أو طنجة (المحطة الرئيسية لاستيراد البضائع المتوسطية) أو مضيق تازة (المحطة الرئيسية لتصدير المنتجات المحلية).

لذا فلا غرو أن تكون وليلي سوقا تجارية استراتيجية ومدينة غنية اقتصاديا.

3. العوامل السياسية

إن العوامل الطبيعية والعوامل الجيو-سياسية لم تشكل لوحدها سببا في اختيار وليلي عاصمة سياسية. فكما يقول جودان إن اختيار وليلي من طرف مؤسسيها مرتبط بعوامل جغرافية عدة وكذا "بقرار بشري".

لذا فتأسيس المدينة واتخاذها مقر للحكم مرتبط بالأساس بظهور أسرة حاكمة قررت أن تجعل من وليلي عاصمة لـلـمـلـك. وهـكـذا يـؤكـد جـودان أن "المدينة بدأت تلعب دورا أكثر أهمية تاريخيا، أي دورا سياسيا، فـي الـوقـت الذي ظهر فيها اسم أحد الملوك المغاربة".

ويلتجئ جودان في توضيح هذه الفكرة إلى الحفريات التي تم العثور عليها؛ إذ أكد أن توسيع مدينة وليلي كان في القرن الثاني قبل الميلاد، هذه الحقبة التي عرفت ظهور أسرة حاكمة جديدة.

إن الاستنتاج الذي نريد أن نصل إليه هو أن تأسيس وليلي واختيارها كعاصمة سياسية كان وليد منطق مسبق للدولة، مادام أن هذه المدينة شكلت من خلال كل تطوراتها الاستمرارية التاريخية للدولة المغربية.