المريني تستمطر غيمة الذكريات وأفراح الطفولة في "رأس الجنان"

المريني تستمطر غيمة الذكريات وأفراح الطفولة في "رأس الجنان"

فاس.. والكلّ في فاس... على أبوابها وقفت روح الطّير واشتعل حبل فسيفسائها بشموس الحكمة والحضارة والنضارة والعلم والتّاريخ... في هذه الرّحلة الممهُورة بطفولة الشاعرة المغربية أمينة المريني التي توحّدت بالمكان، ستأخذنا صوب موجة ضوء فسيحة، وهي تحمل أصداء الأعماق.. وإلى الدروب التي عبرت بها نحو الأفق وطريق الشعر..

أمينة المريني ترى صور النّفس البشرية، حتّى في أصغر الأشياء.. وتمضي وفي قلبها باقات زهر..

تقول الشاعرة وهي تستحضر نوسطالجيا الطفولة ومسقط الروح بمدينة فاس: "هل كان الحي جنانا حقا؟ وهل كان درب (الدقّاق) جزءاً من رأسه؟ سؤال لطالما تبادر إلى ذهني، ولطالما قارنت بخيالي الطفولي بين أشجار ضخمة ربما اجتثت في زمن غابر وبين الحي ذي الأزقة الضيقة والدور التقليدية والأسطح المتماسكة"..

وتضيف الشاعر أمينة، هنا ولدت وقبلها والدي وأجدادي، وذكرت لها الجدة أن أهلها هم الذين بنوا المنزل، ثم أوقفوه بعد ذلك على أرامل الأسرة كما أوقفوا عليهن معظم منازلهم بمدينة فاس. وتذكر أيضا وهي طفلة في أواسط الستينيات، أنها كانت تذرع الحي جريا وقفزا... وكان يلذ لها أن تسير حافية طوال اليوم في خدمة أهل المنزل وبعض الجيران وقصتها مع قرع الرجلين الحافيتين على الأرض المتربة أو الموحلة عجيبة، وكم أحبتها على الرغم من الزجر والعقاب ...!

وأوضحت صاحبة أعمال: (ورود من زناتة، سآتيك فرداً، المكاشفات، ومنها تتفجر الأنهار، المكابدات) .. إلى أن المسجد الصغير الموجود أمام درب الدقّاق، كان يشعرها بالخشوع وأحيانا بالرهبة خصوصا في ليالي رمضان حين يعتلي (النفّار) المئذنة .. فضلا عن أن الحنفية التقليدية، التي كانت مورد أغلب أهل الحي، كانت مرتعها وهي تنقل الدلاء إلى البيت برحابة صدر، صحبة الخادمات اللواتي يشتغلن في بعض الدور الموسرة، ومن هذه المهام اليومية التي كانت تجد فيها لذتها، توضح المريني: "أصبحت صديقة حميمة لجميع خادمات الحي، وقد شعرت من خلال هذه الصداقة في ذلك الوقت المبكر بفيض عاطفي غامر ربما أورثني رهافة غريبة لا نهائية"..

واعتبرت أمينة المريني، المسافرة في أرخبيلات المكان، أنه في أوقات الفراغ كانت تلعب في الدرب مع أختها فوزية التي تكبرها قليلا، وطفلات أخريات... وكن يمنعن من اللعب مع الذكور، بالرغم من أنها لم تجد لذلك تفسيرا. كان لعبهما المفضل أن تتقمصا دور المُدرسة بينما تصبح الأخريات تلميذات لهما، وكان باب المنزل سبورة نموذجية..

وفي بعض أيام العطل كانت أمها تأخذها وأختها إلى حي (سيدي العواد) - تستطرد المتحدثة -، قرب (الرصيف) عند ( المْعلمة )، حيث كانت الأم ترغب في أن تتعلم الطفلتان حرفة يدوية. كانت دار (المْعلمة) عتيقة ساكنة سكون القبور، وكانت الطفلة تشعر فيها بالوحشة والأسى، خصوصا بعد الأصيل، لذلك نشأت بينها وبين الإبرة عداوة دائمة، بعدما انتصر لها والدها - رحمه الله - الذي كان يرفض أن تتعلم الطفلتان أي حرفة؛ لأن الدراسة، في اعتقاده، هي ما يجب أن يهتم به.

وتتذكر المريني صفاء الذكريات وعنفوانها مجدداً فتواصل بوحها: "في حي رأس الجنان كانت هناك منازل تسكن معظمها أسر فاسية عريقة... (منها أسرة الهزاز حارس المرمى المشهور )، وكان أطفال الحي يتنقلون بين المنازل المفتوحة الأبواب طوال النهار باعتبار أن كل الجارات أمهات وخالات وعمّات، فيلعبون هنا ويأكلون هناك أو ينامون... ويتفرجون على ذلك الجهاز الغريب (التلفاز)، وكانت المسرات والأحزان تؤلف الجميع، كما تؤلف أسطح المنازل النساء والأطفال في عشايا رأس الجنان".

وزادت المتحدثة أن من المنازل التي لم تبارح ذاكرتها منزل (الفقيه) والفقيهة، هي ابنة شاعر الملحون الكبير (الدمناتي)، وقد ارتبط هذا المنزل في ذهن الطفلة بالطّهر والقداسة والجمال، وكانت الفقيهة الجميلة حازمة في غير عنف، مخلصة في تحفيظ القرآن للصغار..

كما كان هذا المنزل يتحول في المناسبات الدينية، خصوصا في عيد المولد النبوي الشريف، إلى معْلمة مضيئة، لما يغشاه من أنوار وزينة وبما تعج به جوانبه من ابتهالات وتلاوة قرآنية. وكانت الفقيهة تلبس في ذلك اليوم قفطاناً مطرزاً ما زال يثري خيال الطفلة.. بينما كان الصغار يرتدون أبهى ملابسهم.

في هذه الدار تعلمت الشاعرة / الطفلة كيف تقدس القرآن، وكيف تحب العربية، وكيف تشتاق إلى المناسبات الدينية، وكيف لا تمتدّ يدها إلى ما يخص الآخرين، بعد وجبة من (الفلقة) تناولتها يومياً. ومن توجيهات أمهاتها وخالاتها بالجيرة، نسجت صوراً مرعبة لجهنم التي يصلاها الكذابون والأشرار. وفي منزلها طربت لأشعار علال الفاسي ومحمد الحلوي، حيث كانت والدتها تقضي اليوم وهي تمارس أشغالها البيتية مترنمة بالجميل منها بصوتها المرنان.

وفي هذا المنزل حيث كانت تركن إلى حضن الجدة التي كانت سيدة ذكية تتقن الحكي والتمثيل، اختلق خيالها مدن الجن وقصور العفاريت وجزر الغيلان... حتى صدّقت الطفلة ما تخيلت، وأصبحت تخشى عبور درب الدقّاق في الظلمة الدامسة، كما تخشى قطة الجيران التي كانت تنتظرها بالباب كل مساء عند عودتها من المدرسة !!

وألمحت الشاعرة أمينة المريني في حديثها مؤكدة: "كان رأس الجنان عالمي الجميل الذي لم تستطع العمارة العصرية أن تنسيني إياه إلى الآن بتقاليده وبساطته وألفته وأناسه، ولم أكن أعرف ما وراءه سوى بعض الأحياء المجاورة كالزيات، والرصيف، والصفاح.. وحي الوربية، حيث كانت مدرستي الثانية، التي كنت أمر إليها عبر قنطرة الوادي، الفاصلة بين عدوة القرويين وعدوة الأندلس... تلك القنطرة التي هُدّمت في أواخر الستينيات ولِتتم تغطية وادي فاس (وادي الجواهر)".

وللإشارة، تستطرد أمينة المريني، فإن حي (رأس الجنان) كان في أزمنة بعيدة غابة كثيفة يقع بعدوة القرويين على الضفة اليسرى لوادي الجواهر، حيث كانت مضارب خيام قبيلة (زواغة) في مقابل عدوة الأندلس، مرابع قبيلة برابرة (بني يازغة).

وختمت الشاعرة حديثها قائلة: "حدثني، منذ سنوات، الشاعر الكبير شيخنا محمد السرغيني عن رأس الجنان الذي كان أيضا مرتع طفولته صحبة والدي وأطفال آخرين. وكان حديث السرغيني عن الحي حميمياً رائعاً، أغنى ذاكرتي وأيقظ فيها الإحساس بحب زمن لا يقهره الحاضر ولا المستقبل، حيث تساءلت في صدق - بعدها - من الذي يؤثر في الآخر، هل الإنسان هو الذي يشكل المكان، أم المكان هو الذي يشكل الإنسان؟ هل كانت الطفلة ستكون هي هذه المرأة لو نشأت في غير (رأس الجنان)؟".