دولة الملوك الأمازيغ القدامى بالمغرب .. سلطة "الأكليد" مطلقة

دولة الملوك الأمازيغ القدامى بالمغرب .. سلطة "الأكليد" مطلقة

إن نشأة أي دولة ترتبط على الخصوص بتكون سـلطة سياسية، واتخاذ هذه السلطة شكل تنظيم سياسي. وقد تجسدت السلطة المركزية في المـغـرب من خلال وجود شخص يطلق عليه اسم "الأكليد".

ويمكن أن نعتبر أن كلمة "الأكليد" من المصطلحات السياسية الأولى التي رمزت إلى السلطة في المغرب، ومن الألقاب الأولى التي كانت تطلق على كل من كان يتولى أمور الدولة بالـبلاد. ومن المعـروف أن هذه الكلمة مازالت لحد الآن تتداول في اللهجات البربرية المغربية، حيث ينعت الملك بـ"الأكليد".

و قد استمد "الأكليد" سلطته، على الخصوص، من كونه زعيما قبليا، من جهة، وزعيما حربيا، من جهة أخرى.

1- "الأكليد" زعيما قبليا

أشار بعض المؤرخين القدامى إلى التركيـبـة الـقبلية التي تميز بها المغرب القديم، وقد ذكر المؤرخ اللاتيني بلين أهم القبائل التي كانت تستوطن المنطقة الشمالية من المغرب (أو ما سمي فيما بعد بموريتانيا الطنجية)، مصنفا إياها وفق الشكل التالي:

- الميتاكونيتا التي كانت مستقرة قرب أعمدة هرقل.

- السيكوسيون المستقرون على ضفاف البحر الأبيض المتوسط.

- الأمازيغ الذين استوطنوا المنطقة المتواجدة بين الميتاكونيتا والسيكوسيون.

- المورينسيون الذين كانوا يستقرون بالمنطقة الشرقية المحاذية لنهر ملوية.

- الفوليبيون قرب مدينة وليلي.

- البكواتيون والمكنتاي واللكسيون وغير ذلك من القبائل الشمالية.

أما قبائل الجيتوليين فقد كانت تستقر في المناطق التي توجد جنوب سلا.

ويبدو أن المورسيين أو المور كانوا أقوى القبائل. ولعل قوة هذه القبائل لم تتأت فقط من كثرة أفرادها، وقوة عصبيتها، بل أيضا من موقعها الجيوستراتيجي. فإذا تمعنا في خريطة بطليموس سنلاحظ استيطان المورسيين قرب نهر ملوية، مما دعم لديهم فكرة الحدود. كما أن قربهم من المنافذ الرئيسية للتجارة الخارجية للمغرب قوى نفوذهم.

فعبر الصحراء كانت تنتقل البضائع الإفريقية من ذهب وعبيد وعاج وفيلة لتصل إلى الموانئ المتوسطية أو الأطلسية. وهذه الموانئ هي التي كانت تشكل محطات تبادل تجاري مع الخارج، خاصة مع الفينيقيين والقرطاجيين، وفيما بعد مع الرومان.

ولعل مخـتلف هذه العناصر جـعلت المور يفكرون في توحيد كافة القبائل المحيطة بهم، ويشكلون من خلالها دولة قائمة الذات. فمما لاشك فيه، يقول كزيل، أن هذه الدولة تشكلت من خلال تحالف عدة قبائل تحت رئاسة سلطة موحدة.

وهذه السلطة الموحدة تجسدت، على الخصوص، في "الأكليد". فقد كان الأخير يعتبر زعيما ينتمي سياسيا إلى مختلف القبائل التي يمارس عليها حكمه، وعضويا إلى قبيلة المور التي يستمد منها عصبيته.

ورغم أن الكتابات التاريخية القديمة لا تسعفنا للتعرف بدقة على الملابسات السياسية التي ساهمت في وصول "العصبية المورية" إلى الحكم، فيمكننا أن نستند إلى فرضية كزيل في تحديد هذه الملابسات.

فهو يرى أن نجاح هذه العصبية في إخضاع القبائل الأخرى لسيطرتها كان أهم عنصر حاسم في وصول الموريين إلى السلطة. وبالتالي شكل هؤلاء الركيزة الأساسية التي قامت عليها الدولة التي أصبحت تحمل اسمهم.

ومن هذه العصبية بالطبع ظهر زعيم سياسي أصبح، بانـتصار الموريـين، "أكليدا"، ومؤسـس أسرة حاكـمة. وقد تعاقب أفراد هذه الأسـرة على الحكم فترة طويلة امتدت تقريبا من القرن الثالث ق م إلى القرن الأول ق م.

وقد اتخذ هذا التعاقب على الحكم شكلا وراثيا، يتقلد فيه أفراد الأسرة الحاكمة الملك وفق نظام خاص. فالابن الأكبر لـ"الأكليد" هو الذي يخلف والده على الحكم، وعندما يتوفى هذا الأخير يرجع الملك إلى أكبر أبنائه.

ولعل ما يؤكد اتباع هذا النظام تشابه أسماء المـلـوك الـمـغـاربـة الذين تعاقبوا على حكم المغرب مند القرن الثالث ق م، كباغا، بوكوس الأول، بوكوس الثاني. وقد بقي هذا النظام قائما حتى بعد انتقال الحكم من أسرة بوكوس الى الملك جوبا الثاني.

وبعد وفاة هذا الأخير صار الملك إلى ابنه بطليموس. وقـد كـانـت لـ"الأكليد" سلطة كبيرة تمثلت في الصلاحيات الواسعة التي كانت يتمتع بها، وهكذا يشير سالوست إلى أن بوكوس الأول كان يعتبر نفسه من أكبر ملوك هذه الارض؛ وأكبر من يعرف من الملوك..

فهو كسالفيه ومن سيخلفونه، كان يمارس سلطة مطلقة على مختلف الرعايا الذين يعيشون بمملكته. وهكذا كان لـ"الأكليد" السلطة فـي إشـهار الحرب، واختيار السفراء وقيادة الجيش. وقد وصف التازي ذلك من خلال ما يلي:

"لقد ظهرت المملكـة الماورية طوال ملك بوكوس منظمة كأحسن ما يكون التـنظيم، وكانت تتمتع بـ"هيرارشية" مـتـمـيـزة، لا يتطاول فيها الموظف الصغير على كبـيره.. فعلى رأس الدولة جميـعها الملك الذي يصـير إليه الحكم.. عن طريق وراثي.. وكان يتمتع بسلطة مطلقة، ولذلك نراه هو الرئيس المباشر للجيش، وهو الذي ترجع إليه وحده الـشؤون الدبلوماسية، فيختار السفراء الذين يبعث بهم الى المهمات، سواء داخل الرقعة المغربية أو خارجها ويستقبل البعثات الدبلوماسية". وإضافة الى ذلك؛ كان لـ"الأكليد" حق جباية الضرائب، وكذا إمكانية الحصول على مقاتلين من القبائل.

وقـد كان لـ"الأكلـيد" مجلس خاص يساعـده في مباشرة مختلف هذه الصلاحيات، ويقوم باستشارة أعضائه في البت في أمور الدولة. وهكذا أشار التازي إلى أن الملك "كان محاطـا بالجماعة أو بمجلس من أصدقائه وأقربائه ومساعديه، وكان المجلس يقوم على ما يبدو بدور هام، الأمر الذي يدل عليه إجراء الاتصالات الأولى بهذا المـجـلـس مـن لـدن الذين يهمهم أن يعرضوا أمرا على العاهل المغربي.. فعن طريق هذا المجلس كان يفصل في عدد من القضايا". وتكمن أهمية هذا المجلس من خلال التكوين القبلي الذي كان يمـيزه وكذا التمثيلية التي يعكسها. فالمجلس كان يتكون عادة من شيوخ القبائل التي كان لها نفوذ داخل الدولة، والتي كانت ممثلة من خلالهم. كما كان "الأكليد" يدعم سلطته أيضا من خلال عقد تحالفات مع القبائل وتوطيدها من خلال المصاهرة مع شيوخها. لذا فإن سلطة "الأكليد"، والتي لم تكن مطلقة بصفة عامة، كانت رهينة بعدة عوامل من أهمها:

- قوة الانتماء القبلي.

- خصاله العسكرية والحربية.

- خصائصه الكاريزمية.

- الحنكة السياسية التي يتمتع بها في ضبط ميكانيزمات التحالفات القبلية.

2- "الأكليد" زعيما حربيا

ويتجسد ذلك من خلال المهمة العسكرية لـ"ألاكليد" وكذا إشرافه على الجيش.

أولا- الوظـيفة العسكرية لـ"الأكليد"

اعتبر أغلب الباحثين بأن "المؤسسة الأكليدية" هي قبل كل الشيء "قيادة عسكرية"، فكزيل يرى أنه في كل الدول التي ظهرت في شمال إفريقيا، بما فيها الدولة المغربية، كانت فيها الملكية قيادة حربية، وأن مفهوم "الأكليد"، حسب كرنييه، كان له معنى عسكري. أما تراديل فيرى أن الدولة المغربية تشكلت من خلال تجمع كونفدرالية قبلية بزعامة قائد عسكري اتخذ لقب "أكليد". وهذه الصبغة العسكرية لـ"الأكليد" اقتضاها المحيط السياسي التي برزت فيه الدولة بالمغرب، سواء على الصعيد الخارجي أو الداخلي. لذا فقد تمحورت الوظيفة الأساسية لـ"الأكليد" في الحفاظ على أمن الدولة الخارجي وضمان أمنها الداخلي.

- الحفاظ على أمن الدولة الخارجي:

إن الموقع الجيوستراتيجي للمغرب ووجوده في منطقة ساخنة باستمرار؛ جعل الدولة تـتعرض للتـهديدات الخارجية، وهكذا واجه الملوك المغاربة منذ البداية الأطماع التوسعية لقرطاجة؛ حيث أشار جوستان إلى أن حربا اندلعت بين الجيوش القرطاجية والجيش الموريتاني في منتصف القرن الخامس ق م، تلاها بعد ذلك عقد تحالف بين الطرفين.

كما وجد الملوك المغاربة أنفسهم مشاركين في الصراعات التي كانت تشتعل بين القواد القرطاجيين حول السلطة. وفي مواجهة التوسع القرطاجي؛ عقدت هناك تحالفات بين مسينسا والملك باغا، قـدم فـيها هذا الأخير مساعدات عسكرية لمسينسا مكنته من طرد القرطاجيين من مملكته واستعادة عرشه. وفي الصراع الدائر بين قرطاجة وروما، من خلال ما يسمى بالحروب البونيقية، شارك الملوك المغاربة مشاركة فعالة في هذه الحروب، خصوصا أنها كانت تدور بالقرب من المغرب بعدما نقل هانيبال معاركه إلى إسبانيا.

وبعد انتصار روما، بدأت تفكر في الاستيلاء على منطقة شمال إفريقيا وتحطيم كل الدول البربرية، فتحالف بقشيش الأول مع يوغرطة لمقاومة المد الروماني.

لكن بعدما عاين "الأكليد" قوة الجيوش الرومانية، والعواقب الوخيمة التي قد يجرها الاستمرار في التحالف مع يوغرطة، فضل خيانة هذا الأخير والحفاظ على استمرارية الدولة المغربية.

وحتى بعد سيطرة روما على المنطقة، وخلال الحروب الطاحنة بين قواد روما للاستيلاء على الحكم، اضطر الملوك الـمـغـاربـة إلى الـدخـول إلـى هـذه الحروب، فكان تحالف بوكيد مع ماريوس، وتحالف بقشيش الثاني مع قيصر.

وأمام هذه الحروب المتعاقبة على المملكة، كانت مهمة "الأكليد" هي الحفاظ على كيان الدولة، والدفاع عنها عسكريا. وكانت براعته الحربية وكذا شرعيته السياسية تتجسدان على الخصوص في ضبط تحالفاته العسكرية للحفاظ على استقلال البلاد.

- الحفاظ على أمن الدولة الداخلي:

كانت مهمة "الأكليد" تتحدد أيضا في الحفاظ على أمن الدولة الداخلي. وكانت مهمته في هذا الإطار جد صعبة، نظرا لطبيعة التركيبة القبلية بالمغرب. فبالإضافة إلى مواجهته المؤامرات التي قد تحاك من طرف الطامحين للعرش من أبناء قبيلته، على "الأكليد" أن يواجه باستـمرار خطرين كبـيرين يهـددان وحدة الدولة. يتعلق الأول بتحرك

البدو، وتهديدهم للمناطق الخاضعة لسلطته. لذا كان كثيرا ما يقوم بحركات تهدف إلى ردع هؤلاء البدو وإبعادهم إلى الصحراء.

أما الخطر الثاني، فيرتبط بميزانية الدولة وضمان مواردها بشكل منتظم. فبالإضافة إلى الضرائب العينية التي تدفعها القبائل المستقرة سنويا، واستحصال الرسوم الجمركية، كان على "الأكليد" أن ينظم بين الفينة والأخرى حركات لاستحصال الضرائب من القبائل التي تمتنع عن دفعها لإظهار قوته من جهة، وكذا للزيادة في موارد الدولة، من جهة أخرى.

ثانيا - رئاسة "الأكليد" للجيش

كان "الجيش هو الجهاز الذي تعتمد عليه سلطة الأكليد"، والأداة المحورية في تسييره لدفة الحكم. لذا حرص كل الملوك المغاربة على تنظيم الجيش والتحكم فيه. كما أن معظم هؤلاء الملوك كانوا قادة عسكريين من الدرجة الأولى. وهكذا أشار أندريه جودان إلى أن "بقشيش الأول وخلفاءه كانوا من أنشط القادة العسكريين". أما أندريه جوليان فأكد على أن "الأكليد" هو قبل كل شيء قائد حربي، كانت تحت إمرته بشكل دائم فرق عسكرية من القبائل التي ينتمي إليها، وبالأخص الفرسان، وفي الأوقات العصيبة كان يستجلب قوات عسكرية من القبائل الأخرى". ورغم التركيبة القبلية لهذا الجيش؛ فقد كان منظما بشكل عسكري، حيث كان يتألف من عدة فرق عسكرية، كانت تتمثل في الفرق الرئيسية التالية:

أولا: الفرسان.

ثانيا: المشاة .

ثالثا: أصحاب الفيلة.

وقد كانت هذه الفرق العسكرية مسلحة بمختلف أنواع الأسلحة. فالفرسان كانوا يمتشقون السيوف والخـناجر والدروع. وهكذا وصف أحـد الباحثين الفـرسان المغاربة بأنهم "فرسان بارعون، يتسلحون بالرماح والخناجر ويحتمون بدروع مصنوعة من جلد الفيلة" . أما أصحاب الفيلة فكانوا يلعبون الدور الذي يلعبه سلاح المدفعية الثقيلة في الجيوش العصرية من دبابات وراجمات الصواريخ...، فكانوا يقذفون بالرماح من فوق الفيلة، التي كانت مدربة على هذه الحروب، ويعمدون إلى تخويف خيول العدو. لذا حرص الملوك المغاربة على تدريب الفيلة التي كانت توجد بكثرة بالمغرب، ووضعها في الصفوف الأمامية أثناء الحروب. أما فرق المشاة فقد كانت تسلح عادة بالرماح، والتي كانت رغم قصر طولها، تعتبر من أهم الأسلحة المستعملة من طرف هذه الفرق. وكل هذه الفرق، بمختلف تركيباتها القبليةوالعسكرية كانت تحت إمرة "الأكليد"، الذي كان يعتبر بمثابة القائد الأعلى للجيش. غير أنه كان، في بعض الأحيان يفوض لأحد أبنائه قيادة قسم من هذا الجيش.