شقير يلامس إشكالية الدولة بين المقاربة التاريخية والأبعاد الوصفية

شقير يلامس إشكالية الدولة بين المقاربة التاريخية والأبعاد الوصفية

شكلت الدولة في المغرب موضوعا لأغلب الكتابات التي بحثت وتبحث في إشكالية تطور الدولة بالمغرب. ويمكن أن نصنف هذه الكتابات إلى ثلاث مقاربات أساسية: أولا: المقاربة التاريخية، وثانيا: المقاربة السوسيولوجية، وثالثا : المقاربة الاقتصادية.

وهكذا، يعتبر المؤرخون المغاربة أول من لامس إشكالية الدولة في المغرب، حيث اتخذت هذه الملامسة بعدين رئيسين: البعد الإخباري، والبعد الوصفي.

1- المقترب الإخباري (الناصري أنموذجا)

لقد تبلور هذا المقترب إبان حكم السلاطين المرينيين، حيث اتخذ عدة أشكال تختلف من حيث طبيعتها السردية وتتفاوت من حيث قيمتها التأريخية. وتعتبر مؤلفات (كتاب العبر) لابن خلدون و(الأنيس المطرب بروض القرطاس ) لابن أبي زرع و(الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى) لخالد الناصري من أنضج الإنتاجات الإخبارية التي تناولت التاريخ السياسي للمغرب؛ لكن يبقى "استقصا" الناصري مع ذلك من أنضج هذه المؤلفات الثلاثة، نظرا لشموليته وطول الفترة السياسية التي يتعرض لها.

لذا، سنحاول أن نتخذ هذا المؤلف نموذجا نرصد من خلاله "ميكانيزمات" المقترب الإخباري في تناوله لظاهرة الدولة في المغرب وتحديده لمسارها.

وهكذا، نجد أن مؤلف الناصري يقوم على تصور عام لتطور الدولة يتحدد من خلال مرتكزين أساسيين: تداول السلطة، وزوال السلطة.

أولا : تداول السلطة

إن "استقصا " الناصري لا يخرج في منظوره للدولة عن المفهوم السائد المتداول في الكتابات الإخبارية. ويتلخص هذا المفهوم في "تداول السلطة بين المتغلبين على الحكم"، سواء كان ذلك بين عناصر من العصبية نفسها أو بين عصبيات مختلفة. هكذا، يصنف الناصري "الدول" التي تعاقبت على حكم المغرب وفق معيارين أساسيين هما: معيار كلي ومعيار خاص:

- المعيار الكلي

حدّد الناصري أغلب الأسر الحاكمة حسب ترتيبها في تولي الحكم متمثلا ذلك، وفق الشكل التالي: الدولة الإدريسية، ودول مغراوة وبني يفرن، والدولة المرابطية، والدولة الموحدية، والدولة المرينية، والدولة السعدية، والدولة العلوية؛ فذكر هذه الدول داخل "الاستقصا" أتى "كمعلمات أساسية" في التأريخ للأحداث السياسية في المغرب.. في حين كان الناصري يعرض لبعض الدول (برغواطة وبني مدرار وبني صالح) في معرض حديثه عن دول أخرى كانت تتنافس مع هذه الأخيرة.

وإذا حاولنا تحديد معالم المعيار، الذي نهجه الناصري في تصنيفه لهذه "الدول "، سنجد أن هناك بعدين أساسيين كانا يتحكمان فيه: بعد إيديولوجي يتمثل في التركيز على الجوانب الدينية (الإسلام السني والشرف)، إذ إن بداية ظهور الدولة بالمغرب يرتبط بانبثاق أسرة حاكمة سنية من آل البيت وينتهي بأسرة حاكمة سنية من آل البيت.. وبالتالي، "فالزمن السياسي" عند الناصري يتخذ بعدا دينيا وغائيا يرتبط في سياقه بمنظومة سياسية أكثر شمولية؛ فقد ربط الناصري بداية تاريخ المغرب السياسي بالفتوحات الاسلامية وتعاقب الولاة العرب على حكم المغرب.

أما البعد الثاني، فيكتسي طابعا شكليا يغفل الجوانب السوسيولوجية التي كانت تحدد العملية السياسية في المغرب. فعلى ما يبدو، لم يستفد الناصري من "مقدمة ابن خلدون" ونظريته في العصبية مع أنه تأثر بها كثيرا.

- المعيار الخاص

تعرّض الناصري في تأريخه للأسر الحاكمة لمختلف الأمراء والملوك والسلاطين الذين صعدوا إلى سدة الحكم، مشيرا إلى صراعاتهم السياسية ومنجزاتهم وتعاملاتهم الداخلية والخارجية. كما يشير عادة إلى بعض مظاهر حياتهم الخاصة وكذا إلى الشخصيات التي كانت تحيط بهم منتهيا بوصف كامل لملامح السلطان ومناقبه وبعض الأحداث التي عرفتها فترة حكمه. وهكذا، فإذا كان مفهوم الدولة عند الناصري يتجسد في "المدة الزمنية لحكم أسرة مالكة معينة" فإن هذه المدة يتم توزيعها إلى "حقب سياسية" ترتبط بالفترة التي قضاها أي سلطان في الحكم مهما كانت قصيرة أو متتالية كذكر تولي بعض الأمراء للحكم لفترات متتالية، كـ"الخبر عن الدولة الأولى لأمير المؤمنين المولى أبي العباس أحمد بن إسماعيل" و"الخبر عن الدولة الثانية" لهذا الأخير أو الخبر عن تولى المولى عبد الله الحكم عدة مرات .

وبالتالي، فإن التقطيع الزمني الذي يخترق المنظومة الناصرية يبقى تقطيعا مرتبطا بالأفراد أو بالأحداث، أو ما سماه بروديل بالزمن القصير. وهذا النوع من التقطيع لا يرقى بالطبع إلى رصد الظواهر الكبرى مثل إشكالية تطور الدولة بالمغرب.

ثانيا: زوال السلطة

تشكل الدولة عند الناصري بنية سياسية غير مستقرة تنتقل من سلطة إلى أخرى وفي الوقت نفسه كيانا عضويا يتهالك مع الزمن.

أ - انتقال السلطة

تعتبر "الدولة" عند الناصري موضوعا للصراع والتنافس السياسي. لذا، فهي تصبح نوعا من "المتاع" يصبح في ملكية من استطاع التغلب على خصمه، سواء كان هذا الخصم فردا أم جماعة. ويستشف ذلك على الخصوص من خلال عدة مقتطفات تضمنها كتابه "الاستقصا". ففي معرض الحديث عن "الخبر عن دولة زناتة من مغراوة وبني يفرن بفاس والمغرب" سرد الناصري ما يلي: "وكانت بين زيري ويدو بن يعلى منافسات ومنازعات على الرياسة بالمغرب. فكان يدو بن يعلى إذا غلب زيري دخل مدينة فاس واستولى عليها، وإذا غلب عليه زيري أخرجه عنها وملكها".

كما نجد المنظور نفسه يتحكم في السرد التأريخي للأحداث التي أوردها الناصري، حيث كان يطعمها باستشهادات مؤرخين آخرين؛ فهو يذكر على لسان ابن خلدون فيما يتعلق بـ"الخبر عن دولة يحيى بن إدريس بن عمر بن إدريس" ما يلي: "قال ابن خلدون: لم يبلغ أحد من الأدارسة مبلغه في الدولة والسلطان إلى أن طما على ملكه عباب العبيديين القائمين بإفريقية وأغرقه"،. بالإضافة إلى ذلك، كثيرا ما يتخذ السرد التأريخي للتنافس بين "الدول" مسحة دينية وأخلاقية تقوم بالأساس على أن التغلب بين هذه الدول يرجع إلى انتشار الفساد السياسي وتجاوز الأحكام الشرعية. ويستدل على ذلك من خلال تفسير الناصري لانتصار المرابطين على دولة مغراوة حينما يقول: "واتصل الأمن والرخاء جل أيامهم إلى أن ضعفت أحوالهم وجاروا على رعيتهم... فلما ارتكبوا هذه العظائم سلبهم الله ملكه وغير ما بهم من نعمة، والله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، فسلط عليهم المرابطين فمحوا آثارهم من المغرب ونفوهم عنه بالكلية وطهروه من جورهم".

ب - هرم الدولة

يبدو أن الناصري قد تأثر كثيرا بنظرية ابن خلدون حول نشأة الدول ومراحل تطورها، وخاصة ما يتعلق بـ"الدورة العصبية"؛ فالدولة في نظر ابن خلدون "لها أعمار طبيعية كما للأشخاص... والمقصود بالأعمار، هنا، المراحل التي يجتازها الشخص في حياته من طفولة وشباب وشيخوخة، والدولة، مثل الشخص، تنتقل من الطفولة (طور التأسيس) إلى الشباب ( طور العظمة) إلى الشيخوخة (طور الهرم)".

ويستشف تأثر الناصري بهذا المنظور من خلال استخدامه لبعض العبارات التي تفيد انتقال الدول من طور القوة والشباب إلى طور الضعف والهرم. وهكذا، أشار في معرض حديثه عن ضعف دولة الأدارسة إلى ما يلي: "كان عبد الرحمن الناصر الأموي صاحب الأندلس قد سما له أمل في التملك على المغرب الأقصى لما بلغه من تراجع أمر بني إدريس به وإشراف دولتهم على الهرم".

كما نجد المنظور الخلدوني متحكما في سرد الناصري لتعاقب الدول وتغلب بعضها على بعض وكذا تحديده لنهاياتها؛ فابن خلدون يرى أنه في نهاية الدولة "تحصل في الدولة طبيعة الهرم ويستولي عليها المرض المزمن الذي لا تكاد تخلص منه، و لا يكون لها منه برء، إلى أن تنقرض". وهذا المفهوم نفسه نجده عند الناصري حينما أشار إلى انتهاء دولة الأدارسة، "واستمر الحال إلى أن انقرضت دولة الأدارسة وجاءت دولة زناتة من بعدها".

كما يستخدم الناصري المفهوم نفسه في تحدثه عن زوال دولة الموحدين: "بعد مقتل أبي دبوس، بويع اسحاق بن ابراهيم أخو المرتضى من طرف الموحدين الذين هربوا إلى تينمل؛ لكنه قبض عليه وجىء به إلى السلطان يعقوب بن عبد الحق هو وابن عمه السيد أبو سعيد ابن أبي الربيع ووزيره القبائلي وأولاده فقتلوا جميعا، وانقرضت دولة بني عبد المومن من الأرض"...

وكما يحدد ابن خلدون أطوار الدولة في ثلاثة أجيال أي 120 سنة تقريبا، نجد الناصري يحدد عمر الدول في هذه المدة نفسه تقريبا. فهو يقول عن دولة مغراوة مثلا، "وكانت مدة دولتهم نحو مائة سنة، كما كانت دولتهم، أي دولة بني العافية، مائة وأربعين سنة من سنة خمس وثلاثين إلى سنة وأربعين وأربعمائة".

وعموما، فبالرغم من ما يتميز به "استقصا" الناصري من غزارة في المعلومات التاريخية وإحاطة بكم هائل من الأحداث السياسية التي اخترقت تاريخ المغرب وحددت مساره السياسي؛ فإنه لا يخرج عن الإطار الإخباري والتأريخي.

ولعل أهم ميزة يتميز بها "الاستقصا" هو ربطه بين مختلف الحقب التاريخية التي عرفها المغربن حيث إن تعاقب الدول وصراع الأسر الحاكمة فيما بينها أكد على الاستمرارية السياسية لتاريخ المغرب من جهة وكذا على ديمومة البنى السياسية التي استمرت بالرغم من كل فترات الضعف والاختلال التي عرفها هذا البلد؛ لكن "استقصا" الناصري تغيب فيه مع ذلك الإشكالية المحورية التي يمكن أن تدور حولها مختلف الأحداث السياسية.

إن الناصري، كغيره من الإخباريين المغاربة، لم يهتم بصياغة إشكاليات أو ظواهر عامة؛ بل كان يكتفي بسرد الأحداث وعرض التواريخ، مما يجعل كتابته عبارة عن كرونولوجية تأريخية وإعادة لإنتاج أحداث سياسية بدون رابط عا.

إن تحقيب التاريخ السياسي للمغرب وتقسيمه إلى تواريخ أسر حاكمة لا يفيد في استكناه التطور الذي عرفته المؤسسات السياسية بالمغرب وعلى رأسها بالطبع "مؤسسة المؤسسات"، أي الدولة؛ فاستقصا الناصري هو تأريخ عام لصراع سياسي سواء داخل البلاد او خارجها. وهذا بالطبع لن يفيد الباحث السياسي في تحديد غائية هذه الأحداث والسياق الذي تدور حوله؛ ما دام أن حتى مفهوم الدولة الذي يمكن أن يشكل دليلا سياسيا لهذه الأحداث والتواريخ يتخذ شكلا هلاميا وإلحاقيا يرتبط بالأشخاص وبالأسر ولا ينفرد بأية خصوصية أو استقلالية خاصة به.

من هنا، فمن الصعب جدا تحديد ملامح التطور الذي عرفته الدولة بالمغرب من خلال كتاب الاستقصا، خصوصا أن هناك حقبة تاريخية مهمة مبتورة منه، نتيجة لخلفية دينية وسلفية كانت تتحكم دائما في المنظور الناصري، إذ تنعدم أية إشارة للتاريخ المتقدم والسابق عن الفتح الإسلامي كالوجود الروماني بالمغرب على سبيل المثال، أو ذكر للملوك الأمازيغ الأوائل إلى غير ذلك..

2 - المقترب الوصفي (إبراهيم حركات أنموذجا)

يشكل مؤلف إبراهيم حركات (المغرب عبر التاريخ) دراسة شمولية عن تاريخ الدولة بالمغرب. ويتجلى ذلك، على الخصوص، من خلال ما جاء في مقدمة الأجزاء الثلاثة لهذا المؤلف، حيث يقول حركات: "عملت على أن يكون الكتاب في ثلاثة مجلدات؛ أولها ينتهي بنهاية دولة الموحدين وحضارتهم، والثاني يؤرخ للمغرب من دولة المرينيين إلى نهاية السعديين، والثالث يؤرخ لدولة العلويين".

ولعل هذا يظهر أن إشكالية التأريخ للدولة المغربية كانت إشكالية محورية لدى المؤلف جسدها بشكل كبير، من خلال تأكيداته المتكررة في المقدمة نفسها على هذه الإشكالية.

وهكذا أشار إلى أن "تاريخ أي دولة في العالم ليس مجرد أنوار ساطعة وحياة سعيدة على ممر الأيام". بالإضافة إلى ذلك، شكل هذا المؤلف أيضا طموحا علميا متميزا مقارنة بباقي الكتابات التاريخية الأخرى؛ فهو لم يقتصر على التأريخ لمرحلة سياسية من تاريخ المغرب، أو الاكتفاء بالتأريخ لأسرة حاكمة، بل كان طموحه يشرئب إلى التأريخ للمغرب منذ العصور القديمة إلى العصر الحديث؛ الشيء الذي يعتبر تجاوزا للنظرة التأريخية التي تربط تاريخ المغرب بتاريخ دخول الإسلام إلى المغرب. وهكذا، يقوم حركات في بداية الجزء الأول من المؤلف (من عصر ما قبل التاريخ إلى نهاية دولة الموحدين) بالتحدث عن أصل البربر ومختلف القبائل التي كانت تعيش في أنحاء المغرب، ثم يخلص بعد ذلك إلى التحدث عن مختلف الشعوب والدول التي غزت أو احتلت المغرب ابتداء بالفنيقيين ومرورا بالقرطاجيين والوندال وانتهاء بالعرب.

وتتلخص المرتكزات المنهجية التي ينبني عليها مؤلف حركات في المحددات التالية: المحدد الجيو ستراتيجي، والنظرة الايديولوجية، والإرث الخلدوني.

أولا : المحدد الجيو ستراتيجي

تخترق مؤلف حركات نظرة جيو-استراتيجية واضحة ظهرت، على الخصوص، من خلال تحديده لموقع المغرب الجغرافي وكذا ربطه بين التاريخ السياسي للمغرب والوضع السياسي الإقليمي المحيط به:

- الموقع الجغرافي للمغرب

منذ البداية، وصف المؤلف المحددات الجغرافية التي أثرت في التاريخ السياسي للمغرب، حيث جسدها في ثلاثة عوامل رئيسية:

- العامل الأول يتجلى في الموقع الإستراتيجي الذي يتميز به المغرب، حيث يشكل حلقة وصل بين إفريقيا وأوروبا؛ الشيء الذي أثر على هويته السياسية. وبهذا الصدد كتب بأن "المغرب يحتل موقعا استراتيجيا ممتازا بين البلاد الإفريقية، فهو يحرس مدخل البحر الأبيض المتوسط من الغرب كما تحرسه مصر من الشرق. وقربه من أوربا جعله ينقل إليها حضارته التاريخية من القرون الوسطى بالاشتراك مع الأندلس، كما تلقى عنها شيء غير قليل من حضارتها العصرية، إلى جانب حضارتها الشرقية الأصيلة".

- العامل الثاني يكمن في صعوبة تضاريسه وتعقد "مورفولوجيته" الطبيعية؛ وهو ما أثر أيضا على مجرى تاريخه السياسي؛ فقد "شكلت جبال المغرب الشامخة في منظوره سدا منيعا في وجوه الغاصبين منذ فجر التاريخ، فوقف الفينيقيون عند السواحل الشمالية والغربية وعجز الرومان عن إخضاع سكان الريف والتوغل في جبال الأطلس، كما وقف البيزنطيون عند سبتة، ولم يتيسر انتشار الإسلام إلا باقتناع من البربر أنفسهم، واقتضى هذا الانتشار الشامل أجيالا طويلة امتدت إلى عهد المرابطين".

ب - المحيط الخارجي

ربط حركات بين الأوضاع السياسية الداخلية والمستجدات الدولية، وبالأخص تلك التي تهم المنظومة المتوسطية. وهكذا، صنف المستجدات وفق ترتيب سياسي خاص، بحيث كان يشير أولا إلى التطورات السياسية التي عرفتها دول العام المسيحي ثم التطورات التي عرفها العالم الإسلامي، ليخلص بالتالي إلى الأوضاع الداخلية التي هيأت أو صادفت قيام كل "دولة" من "الدول المغربية".

ففيما يتعلق بنشأة الدولة الموحدية مثلا يشير حركات إلى ما يلي:

1- العالم المسيحي

"عاصر الموحدون، كسابقيهم المرابطين، الحملات الصليبية التي شنها المسيحيون قصد استخلاص الأماكن المقدسة المسيحية من يد المسلمين والتي امتدت خلال قرنين تقريبا : 1291-1096م، واعتبر المسيحيون أن مجموع أراضي الشام لا سيما القدس، وكذا مصر داخل في الأراضي المقدسة، وبدأ الصراع لأسباب دينية واستند لنفس الأسباب ظاهريا طيلة الحروب الصليبية؛ غير أنه ارتكز أيضا على عوامل سياسية واقتصادية... ومن أهم العوامل السياسية كثرة النزاعات الحربية بين الأمراء وعدم تأطير المجتمعات الأوروبية في بوتقة وطنية أو قومية.

2 - أوضاع العام الإسلامي

وصلت الخلافة العباسية إلى مرحلة كبيرة من الضعف، وانشطرت المجموعة الإسلامية إلى عديد من الأنظمة والدويلات كالبويهيين بالعراق وفارس، والسلاجقة بالشام وآسيا الصغرى، والفاطميين بمصر ثم الأيوبيين بعدهم ...

3 - الشمال الإفريقي

كان الشمال الإفريقي من الوجهة السياسية موزعا بين عدة دوائر نفوذ:

1 - المرابطون بالمغرب الأقصى وغرب الجزائر

2 - بنو حماد شرقي بالجزائر

3- النورمنديون بسواحل إفريقية"

ثانيا: النظرة الايديولوجية

بالرغم من تجاوز حركات للمنظور التقليدي في تحديد بداية التاريخ السياسي للمغرب، فقد بقي متشبثا بخلفية إيديولوجية ضمنية حافظت على الربط بين نشأة الدولة في المغرب وظهور الأدارسة. ويظهر هذا واضحا من خلال مسألتين أساسيتين:

المسألة الأولى: اعتبار "الممالك البربرية" التي سبقت الفتح العربي-الإسلامي للمغرب أشكال سياسية بدائية لم ترق إلى "دولة"؛ بل بقيت عبارة عن "ممالك تخضع للاحتلال الأجنبي قرطاجة أو روما". وهكذا، أشار حركات إلى بعض الملوك المغاربة دون التركيز عليهم، أو ذكرهم ضمن ملوك الشمال الإفريقي. وفي هذا الاطار، يلمح إلى باخوس الأول ويوغورطا، حيث يقول: "وفي سنة 105 م، كان المغرب يخضع لحكم ملك بربري هو باخوس الأول الذي كان يستقر بطنجة. وفي هذا العهد ظهرت شخصية يوغورطا النوميدي، الذي كان صهرا لباخوس الأول وملكا على نوميديا".

المسألة الثانية: اعتبار أن كل الإمارات المغربية (كبني مدرار، برغواطة، النكور...) عبارة عن "دويلات" فقط لا تضاهي حكم الأدارسة. في الوقت الذي يقر حركات بـ"أن المغرب لم يخلص كله للأدارسة، فلئن استطاعوا أن يمدوا نفوذهم شرقا إلى تلمسان، فقد كانت ناحية تامسنا خارجة عن ملكهم يتحكم في شؤونها البرغواطيون ... وبقي أكثر الغماريين مخلصين لدويلة بني صالح الذين تعاقبوا على نكور أزيد من مائتي سنة ... وأما بنو عصام فهم بربر استقلوا بسبتة منذ سنة 123 هـ، وبقيت بأيديهم إلى أن استولى عليها الناصري الأموي بعد قرنين ونيف"..

وبالرغم من إقرار حركات بأن الأدارسة لم يستطيعوا السيطرة على أجزاء مهمة من المغرب كسجلماسة وحتى فاس في الغالب، ويئسوا من القضاء على المذاهب المناوئة لهم، ولم يكن لديهم حكومة وجيش قويين، فإنه مع ذلك يحاول وصف نظام الحكم والإدارة في عهد الأدارسة، الشيء الذي لم يتوقف عنده وهو بصدد التحدث عن باقي الإمارات المغربية؛ وهو ما يوضح النظرة الإيديولوجية التي تحكمت في المنهجية التاريخية للمؤلف.

ثالثا: الإرث الخلدوني

صنف حركات الفترات السياسية التي مرت بها كل الدول التي تعاقبت على حكم المغرب إلى المراحل التالية: نشأة الدولة، ودور العظمة، ودور الضعف.

وهذا التصنيف يحيلنا بالطبع إلى "الدورة الخلدونية" ونظرية الأجيال الثلاثة في تحديد تطور الدول. وهكذا، نجد أن حركات قد استخدم المنظور الخلدوني، بالرغم من انتقاده له، في تحديد المراحل التي مرت بها كل الدول أو الأسر الحاكمة بالمغرب؛ سواء تعلق الأمر بالأدارسة، المرابطين، الموحدين، المرينيين، السعديين. بل إن الجزء الثالث من كتاب المؤلف والمخصص للدولة العلوية اتخذ هو أيضا هذه "المسحة الخلدونية" بدليل الفترة السياسية التي تكلم عنها المؤلف والتي حصرها بقيام الدولة العلوية إلى فرض نظام الحماية على المغرب.

ولعل هذا المنظور هو الذي جعل المؤلف يقبع تحليله لتطور الدولة بالمغرب في إطار سيرورة سياسية جامدة، لم تراع التحولات التي عرفتها البنى السياسية المغربية ولا التغيرات التي شملت أجهزة الحكم والإدارة. وحتى المحاولات التي قام بها المؤلف لوصف المنجزات السياسية التي قامت بها كل دولة، وكذا وصفه لبعض المظاهر الإدارية والاقتصادية والعمرانية التي ميزت كل واحدة منها، لم تفض في آخر المطاف إلى تخلص المؤلف من التصور الخلدوني؛ فالدول في نظر حركات تولد وتعيش لتموت. ومما يؤكد ذلك العبارات الكثيرة التي وردت في مؤلف حركات؛ فعلى سبيل المثال، ركز المؤلف، وهو بصدد تحليله للأحداث السياسية التي عاشتها الدولة الوطاسية، على فترة قيام هذه الدولة مشيرا إلى ما يلي: "كان الغزو الأجنبي أعظم خطر هدد الوطاسيين منذ نشأة دولتهم ليخلص إلى أنه لم يحاول الوطاسيون أن يلجأوا إلى عون خارجي إلا في آخر لحظة من حياة دولتهم".

نستنتج مما سبق أن المقاربة التاريخية بشقيها (الإخباري والوصفي) لم تتجاوز حدود المنظور الخلدوني وتصوراته لتطورات الدولة بشكل عام والدولة المغربية بشكل خاص. فبالرغم من تأكيد هذه المقاربة على استمرارية الكيان السياسي بالمغرب، فإن هذا الكيان السياسي سرعان ما يختفي ليحل محله كيان سياسي آخر؛ وذلك طبقا لما أشار إليه كوتييي من أن : "L’Etat maghrébin est un Etat champignon qui pousse en une nuit et moisit en une matinée"

كما ركز متبنوا هذه المقاربة دائما على حياة ومنجزات الملوك والأمراء والسلاطين أو على تعاقب الأسر الحاكمة المغربية أكثر مما يركزون على تطور الدولة ككيان مستقل. وهذا النوع من التناول يفضي إلى تغييب ظاهرة الدولة وعدم تحديد ميكانيزمات تطورها عبر التاريخ نظرا لأن التاريخ العام للدولة بالمغرب قد جزأ إلى تواريخ جزئية تنصب على التأريخ لأحداث سياسية متقطعة أو لفترات سياسية محددة. وقد توصل ليفي بروفنصال إلى هذه الخلاصة من خلال قوله: "في نهاية الأمر، إن كتب تاريخ المغرب، سواء اتخذت شكل حوليات أو وصفا لحياة الأمراء بدون أدنى تحليل تاريخي، أو شكل أشعار للمدح؛ وسواء اتسمت بالمحاباة أو الموضوعية، تقع في نفس الخطأ يتجسد في أن داخل الدولة لا يوجد إلا الحكم الملكي".

ويرجع هذا الخطأ إلى أن المؤرخين، سواء القدامى أو المعاصرون، ما زالوا لم يتخلصوا بعد من النظرة التجزيئية لتاريخ المغرب وكذا من الإرث الخلدوني ولم يبلوروا إلى حد الآن منظارا جديدا يهتم بالقضايا الأشمل، وعلى رأس هذه القضايا بالطبع إشكالية تطور الدولة بالمغرب، فما الفائدة من مراكمة التواريخ وتحليل الأحداث السياسية إذا لم يكن لكل ذلك "غائية سياسية" تتمحور حول الدولة المغربية وتطورها.