عندما نافست الزوايا السلاطين في ملء البطون لاستقطاب العقول

عندما نافست الزوايا السلاطين في ملء البطون لاستقطاب العقول

احتدم التنافس السياسي بين السلطة المركزية والزوايا، حيث عمل كل من الطرفين على استمالة أكبر عدد من الناس من خلال انتهاج سياسة ما يمكن تسميته بـ( ملء الأفواه والبطون لاستقطاب العقول). وهكذا، ارتبط ميلاد الزوايا بالمغرب بالفترة المرينية، حيث أكد ابن أبي زرع عن السلطان المريني يعقوب بن عبد الحق أنه "بنى الزوايا في الفلوات، وأوقف لها الأوقاف الكثيرة لإطعام عابري السبيل وذوي الحاجات". كما عمل السلطان أبو عنان المريني على تأسيس عدد من الزوايا خاصة بفاس، وقد سماها بالزاوية المتوكلية نسبة إلى لقبه المتوكل، "ثم صارت تعرف بدار الضيفان تلميحا لوظيفتها الإحسانية". ويشهد التاريخ لهذا السلطان بإقامته لزوايا كثيرة بالمغرب، جاءت "معالم عمرانية ذات هندسة رقيقة، وآيات فنية يقل نظيرها، شبيهة بمدارس فاس التي تشهد بعظمة الدولة المرينية".

1 - السلطان وإطعام المحتاجين

نظرا لأن شرعية الأسرة المرينية قد قامت على حد السيف بخلاف المرابطين والموحدين الذين استندوا في تغلبهم على الدعوة والعصبية، فقد اهتم السلاطين المرينيون على تكريس شرعيتهم من خلال استقطاب النخب واستمالة العامة من خلال تأسيس زوايا تعمل من جهة على تكوين نخب مرتبطة بالحكم المريني، ومن جهة أخرى العمل على استمالة العامة من خلال تخصيص هذه الزوايا لاستضافة عابري السبيل، وتوزيع الطعام على المحتاجين.

ولعل هذا ما جعل جل المؤرخين يتفقون على الوظيفة الإحسانية التي كانت تقوم بها زوايا السلاطين المرينيين.

وهكذا، كتب أحد الباحثين بهذا الصدد ما يلي: "أما في المغرب، فإذا نحن حاولنا الوقوف على مفهوم الزاوية، أمكننا أن نقف أولا عند تحديد ابن مرزوق الذي يقول : "والظاهر أن الزوايا عندنا بالمغرب هي المواضع المعدة لإرفاق الواردين وإطعام المحتاجين من القاصدين".

وهذا هو التحديد الذي انطلق منه الأستاذ محمد المنوني عندما حاول تعريف الزاوية في العصر المريني حيث قال : "كان المغرب المريني يستعمل كلمة الزاوية للدلالة على مؤسسات إحسانية تشيد بأرياض المدن أو في الفلوات برسم استقبال الواردين عليها لإيوائهم والقيام بضيافتهم، وذلك ما شرحه ابن مرزوق في هذه الفقرة"، يريد فقرة ابن مرزوق المتقدمة.

ويذهب صاحب "سلوك الطريق الوارية" إلى أن الزاوية اتخذت أولا، والله أعلم، تشبيها وتبركا وتفاؤلا بالصفة التي كانت بمسجد النبي (صلعم) ليأوي إليها الفقهاء الذين لا أهل لهم ولا مال".

على أن الاجتماع فيها – يقول الزيادي – "فلجلب منافع شتى منها قراءة الأحزاب...ونزول الأضياف الواردين من الإخوان". وهكذا وظفت الزوايا لتكريس الشرعية السياسية للحكم المركزي، حيث إن افتقاد المرينيين لأية شرعية دينية أو نسبية، حتم عليهم استمالة العامة من خلال الإكثار من أعمال البر والإحسان بما في ذلك إطعام المحتاجين والفقراء. وفي هذا السياق أشار ابن جزي إلى ما يلي:

"اخترع مولانا أيده الله في الكرم والصدقات أمورا لم تخطر في الأوهام، ولا اهتدت إليها السلاطين. فمنها إجراء الصدقات على المساكين بكل بلد من بلاده على الدوام. ومنها تعيين الصدقة الوافرة للمسجونين في جميع البلاد أيضا، ومنها كون تلك الصدقات خبزا مخبوزا متيسرا للانتفاع به، ومنها كسوة المساكين والضعفاء والعجائز والمشايخ والملازمين للمساجد بجميع بلاده، ومنها تعيين الضحايا لهؤلاء الأصناف في عيد الأضحى، ومنها التصدق بما يجتمع في مجابي أبواب بلاده يوم سبعة وعشرين من رمضان إكراما لذلك اليوم الكريم وقياما بحقه، ومنها إطعام الناس في جميع البلاد ليلة المولد الكريم، واجتماعهم لإقامة رسمه، ومنها إعذار اليتامى من الصبيان وكسوتهم يوم عاشوراء، ومنها صدقته على الزمنى والضعفاء بأزواج الحرث، يقيمون بها أودهم، ومنها صدقته على المساكين بحضرته بالطنافس الوثيرة والقطائف الجياد يفترشونها عند رقادهم. وتلك مكرمة لا يعلم لها نظير، ومنها بناء المرستانات في كل بلد من بلاده، وتعيين الأوقاف الكثيرة لمؤن المرضى، وتعيين الأطباء لمعالجتهم والتصرف في طلبهم، إلى غير ذلك مما أبدع فيه من أنواع المكاره، وضروب المآثر، كافأ الله أياديه، وشكر نعمه. وأما رفعه للمظالم عن الرعية، فمنها الرتب التي كانت تؤخذ بالطرقات، أمر أيده الله بمحو رسمها، وكان لها مجبى عظيم، فلم يلتفت إليه، وما عند الله خير وأبقى، وأما كفه أيدي الظلام فأمر مشهور، وقد سمعته أيده الله يقول لعماله: لا تظلموا الرعية، ويؤكد عليهم تلك الوصية". كما كان السلاطين المرينيين يعتنون بعملية إطعام المحتاجين حتى عند قيامهم بحملاتهم العسكرية، حيث " كان السلطان أبو الحسن المريني أيضا يعتني، بهذه الشريحة أثناء استيلائه على تلمسان ومكوثه بها، فقد وزع على فقراء تلمسان اثنى عشر ألف دينار واثنى عشر ألف كساء ومن الطعام مطامير، لا تعد ولا تحصى فضلا عن مكافأته للأعيان والفقراء والصلحاء، والكتاب وذوي الوجاهة من أهل تلمسان... كما كانت له صدقات جارية، مستمرة على اليتامى ويجمع الصبيان للختان، في يوم عاشوراء ويكسوهم، ويقدم لهم بعض المال وما يكفيهم من اللحوم"..

كما وظف السلاطين المرينيون هذه الزوايا خلال المجاعات التي كانت تحل بالمغرب، حيث كانوا يوزعون المواد الغذائية ويطعمون المتضررين من هذه المجاعات من المحتاجين والمعوزين، حيث كتب الناصري بهذا الصدد ما يلي: "في سنة أربع وعشرين وسبعمائة كانت المجاعة بالمغرب وارتفعت الأسعار في جميع البلاد، فبلغ المد من القمح بفاس خمسة عشر درهما والصحفة منه تسعين دينارا وغلا الإدام وعدمت الخضر بأسرها وكسى السلطان أبو سعيد وأطعم في هذه المسغبة شيئا كثيرا، ودام ذلك إلى قرب منتصف السنة بعدها".

2- الزوايا وإطعام المريدين

تميز منتصف القرن الـ15 ببداية تقوي الزوايا على الصعيد السياسي مستغلة بذلك ضعف السلطة المركزية (من جهة، وتزايد الاكتساح الأجنبي للسواحل المغربية، مع استفحال الأزمات الاقتصادية التي تجسدت في تلاحق المجاعات وانتشار الأوبئة..

وقد ازداد دور الزوايا على الصعيد السياسي خاصة مع ظهور الأسرة السعدية، حيث تعاظم شأنها وتكاثرت أعدادها، حيث أصبح لها تأثير كبير على الساحة السياسية. فشيوخ الزوايا هم الذين ساعدوا أبا عبد الله القائم السعدي على ولوج بيت الملك كما يقول صاحب الاستقصا. كما تجدر الإشارة أيضا إلى ما كانت تتمتع به زاوية غصاوة من نفوذ وحظوة لدى السعديين لمساندتها لدعوتهم "إلى أن عصفت بهم ريح السياسة حيث كتب محمد بن علي الحاج الأعضاوي الرسالة الصريحة إلى محمد الشيخ المامون يوبخه ويتبرأ منه حين سلم مدينة العرائش للإسبانيين، فقتله بفاس". ونشير أخيرا إلى الدور السياسي المتميز الذي لعبته الزاوية الدلائية، سواء داخل المغرب أو خارجه.

وجدير بالملاحظة هنا أن أرباب الزوايا في هذه الفترة قد بلغوا من تقدير العامة مبلغا يدعو إلى الحيطة والحذر أحيانا. فنحن نقرأ عند الناصري قوله : "لما سنة 958 ه أمر السلطان أبو عبد الله الشيخ بامتحان أرباب الزوايا والمتصدرين للمشيخة خوفا على ملكه منهم لما كان للعامة فيهم من الاعتقاد والمحبة والوقوف عند إشارتهم والتعبد بما يتناولونه من عباراتهم".

ولعل هذا النفوذ السياسي الذي أصبح لشيوخ الزوايا لا يرجع فقط إلى ضعف السلطة المركزية، أو لانعكاسات الاحتلال الأجنبي، بل يرجع بالأساس إلى وظيفتها الاجتماعية التي قامت على الإطعام؛ فقد استغلت الزوايا الظرفية السياسية والاقتصادية الدقيقة التي كان يعرفها المغرب لتقوم بوظيفة (ملء الأفواه والبطون لاستقطاب العقول. وهكذا تنافست هذه الزوايا حول عملية إطعام المريدين والعموم التي أصبحت عملية منظمة، وذات أهداف سياسية واضحة. فقد تحول الإطعام إلى وسيلة للاستقطاب والدعاية السياسية.

-الإطعام كوسيلة للاستقطاب السياسي

حرصت كل زاوية أن تجعل من الإطعام وسيلة لاستقطاب ليس فقط عموم الناس بل أيضا صفوة المجتمع أو النخبة. لذا، كانت عملية الإطعام تتم وفق نظام خاص يأخذ بعين الاعتبار مرتبة الشخص ومنحدره الاجتماعي. وهكذا، كان إطعام الطعام في الزاوية الشرقاوية يسير وفق ترتيب اجتماعي يراعي مكانة وأهمية الضيف، فكان شيخ هذه الزاوية يطعم في زاويته كل من وفد عليه من العامة والخاصة، وخاصة الخاصة، مثل الأشراف والعلماء والقواد، وأعيان القوم، فكان يطعمهم ما يناسبهم... وأما العامة فطعام الدار كيفما يسره الله من قمح وشعير، ويزيد من السوق الخبز والتمر).

كما أشار سليمان الحوات في "البدور الضاوية" إلى اتباع شيخ الزاوية للطريقة نفسها في إطعام الناس، حيث (كان يطحن كل يوم خمس وعشرين صحفة من القمح وعشرين تليسا، ثم كان يطعم كل إنسان تارة بما اشتهاه في نفسه، وتارة بما يناسبه مع أبناء جنسه، فليس الحضري عنده كالبدوي، ولا الضعيف كالقوي)..

وقد كان الهدف من عملية الإطعام وبهذه الطريقة هو استقطاب (الأطر السياسية) ومكونات النخبة واجتذابها، إذ عادة ما يتبع الإطعام عملية الإيواء في إطار طقوس الضيافة.

من هنا، حرص شيوخ الزوايا أن تمر عملية الضيافة في أحسن الظروف مما جعلهم يكلفون بعض المريدين للقيام باستقبال الضيوف والسهر على راحتهم كمقدم الزاوية (3). فقد كانوا يرون في ذلك وسيلة لإغراء زوارهم وضيوفهم بالمقام والاستقرار نهائيا بزواياهم. وهكذا، حرص (أشياخ الزاوية الشرقاوية على أن يوفروا كل شروط الاستقرار والإقامة الملائمة، حتى لا يشعر ضيوفهم من أهل الحضر بكبير تغير في أسلوب حياتهم الاجتماعية بالنسبة لوسط الزاوية القروي، بل اعتبر الشيخ ذلك من وسائل إغراء أطره العلمية).

وعلى غرار ما كان يتم من تمييز في عملية الإطعام، كان يتم الحرص على التمييز في عملية الإيواء فقد كان شيوخ الزوايا، بما فيها الزاوية الزاوية الشرقاوية يخصصون أماكن تختلف نوعيتها باختلاف مكانة الضيوف، فكانت هناك ( بيوت للوافدين والمقيمين من فقهاء... وطلبة.. ودور مهيأة لعلية القوم من علماء وموظفين.. كما كانت هناك.. دارا معدة لأهل فاس)

-الإطعام كوسيلة للدعاية السياسية

في مجتمع كان يعاني من عدم الاستقرار السياسي، واتسم بالندرة الاقتصادية، كان من الضروري أن تكون التوجهات السياسية العامة تختزل في الحصول على الأمن السياسي والأمن الغذائي. لذا فقد ارتبط المخيال السياسي للمغاربة بمفهوم البركة التي كانت تمثل في الوقت نفسه (ضمان الأمن وضمان الرغيف). من هنا، كانت البركة رمزا ليس فقط للقوة السياسية بل رمزا أيضا للقوة الاقتصادية. وبما أن المخزن لم يكن قادرا، في الكثير من الأحيان، على الجمع بين القوتين، فقد استغلت الزوايا هذه الثغرة لتقوم بتوظيف مفهوم البركة لصالحها، فالوفرة في الإطعام كانت تشكل رمزا للبركة.

وهكذا، استخدم الإطعام من لدن شيوخ الزوايا لتحقيق عدة أغراض سياسية من أهمها: اكتساب الشهرة السياسية وتكريس الشعبية السياسية.

* اكتساب الشهرة السياسية

أدرك شيوخ الزوايا أهمية الإطعام في تحقيق الشهرة لزواياهم. لذا، فقد استخدموا كل مواردهم المالية والاقتصادية؛ بل حتى ثرواتهم الخاصة لإطعام أكبر عدد ممكن للوافدين والزوار.

كما سخر شيوخ الزوايا الموارد المادية التي تتوفر عليها كل زاوية للقيام بوظيفة الإطعام. فقد خصص شيخ الزاوية الدلائية، محمد الحاج الدلائي، خمسمائة بغلة لحمل الدقيق من الأرحى إلى الزاوية، كما اتخذ قصعا عظيمة يطعم فيها الناس. كما كان شيوخ الزوايا يعبؤون الموارد البشرية التي يتوفرون عليها لإطعام من مريدين وضيوف وزائرين. وهكذا، كانت لشيخ الزاوية الدلائية (قيمات من النساء على الطعام يدفع لهن من الدقيق ومما يلزم للطبخ بقدر ما تحت أيديهن من إماء الخدمة) لعجن وطهي الخبز، وتهيئ قصاع الطعام وفق تراتبية غذائية دقيقة. فعادة ما كان يتم إطعام الطعام المعمول به في الزوايا في احترام للتراتبية السائدة في المجتمع.

وقد عكست بعض رسائل اليوسي هذا الجانب، حيث كتب فيما يتعلق بعملية الإطعام بزاوية عمر القسطلي بمراكش خلال القرن الـ16 ما يلي:

(سائر الناس يأكلون خبز الشعير وما وجد من الفاكهة معها، وفي الصبح الدشيش وفي المساء الكسكس، ومن هو أعلى مرتبة يأكل خبز البر وخلاصة التمر والعسل واللحم والثريد والدجاج، ومن هو أعلى قدرا من الطبقتين يقربون له الحسو المتخذ من لباب خبز الخالص، وفصوص البيض مفوها بالقرفة والزعفران، ولحم الضأن الطبوخ بالمرق واللفت)

كما كان شيوخ الزوايا يراعون أيضا في إطعامهم لزوارهم وضيوفهم عاداتهم في الأكل والتي كانت تتباين وفق منحدراتهم الاجتماعية – الجهوية، حيث ذكر اليوسي بهذا الصدد ما يلي: (كان الشيخ يطعم أهل الحواضر طعام الحاضرة، وأهل البوادي طعام البادية، وينزل الناس على قدر منازلهم في الدين والنسب والحال والحسب).

وبالتالي، فقد وجدت الزوايا في عملية الإطعام وسيلة لإظهار نفوذها السياسي وما تتمتع به من قوة اقتصادية، حيث كانت تتنافس حول استقبال أكبر عدد ممكن من الوافدين خاصة خلال المواسم التي تقيمها؛ فقد كانت هذه التجمعات البشرية تمثل تظاهرات عامة تعكس مكانة كل زاوية في مواجهة الزوايا المنافسة أو في مواجهة السلطة المركزية. فهي من خلال هذه التجمعات تستعرض قوة إشعاعها الديني والروحي والفكري والاجتماعي والاقتصادي والسياسي. كما تكون هذه التجمعات الموسمية أو السنوية فرصة لتوطيد العلاقة التي تجمع بين مختلف مكوناتها من شيوخ ومريدين وأتباع وخدام وزوار. بالإضافة إلى ذلك تكون هذه التجمعات حملات إعلامية ودعائية، حيث إن كل شخص حضر عملية الإطعام سيقوم بالتحدث عن كرم الزاوية عند عودته إلى منطقته أو الرجوع إلى قبيلته أو مدينته مما كان يؤثر في أذهان الجماهير خاصة القروية من خلال تضخيم صورة الزوايا وما تتمتع به من بركة. خاصة إذا ارتبطت هذه البركة بتوزيع اللحم الذي كان يعتبر شيئا نادرا وطبقا لا يقدم إلا في المناسبات الكبرى. وبالتالي، ارتبط في المخيال البدوي بالغنى والوفرة والنفوذ. وقد كانت هناك مناسبات دينية خاصة، تحرص كل الزوايا على إحيائها والاستعداد لها بما يليق بها من حفاوة، حيث يشكل عيد المولد النبوي المناسبة المثلى لعقد مواسمها، واستغلال ذلك لإطعام أكبر عدد ممكن من الزوار والمدعوين.

وبهذا الصدد، يروى أن شيخ الزاوية الدلائية قد (أطعم في يوم واحد احتفل فيه بسابع المولد النبوي الشريف سبعين ألفا من سكان الزاوية وغيرهم من الوافدين عليها).

كما يروي صاحب الدوحة (أنه حضر بزاوية أحمد بن عبد الله بن حسين المغاري فقال : فرأيت العجب من ازدحام الخلق عليه وكثرة الوفود، وقد ذبح بين يوم وليلة سبعمائة شاة ومائتين من البقر ونحو عشرين من الإبل... وحضر الغذاء فرتبوا الناس للأكل، وجعلوا عشرة أنفس في كل دائرة، فآل عدد من حضر اثنتا عشر ألف ونيف وخمسمائة).

* تكريس الشعبية السياسية

كان السلاطين المرينيون أول من استخدم الزاوية كوسيلة لتحقيق شعبية سياسية لهم. وهكذا أشار أحد الباحثين إلى هذه الظاهرة من خلال ما يلي: "ظهرت الزوايا مجسدة للصراعات الاجتماعية قائمة على زوايا رسمية اهتم بها السلاطين من بني مرين في إطار سعيهم للحصول على الشعبية، فغدت الزاوية ملجأ أو مأوى وفي نفس الوقت منطلقا لنشر الإيديولوجية الرسمية، بجانب زوايا شعبية كثيرة الانتشار والتنوع في الموقع والاتساع والغنى).

وقد اقتبست بعض الزوايا الكبرى هذا الدور، خاصة في فترات ضعف السلطة المركزية، مستغلة عملية الإطعام كآلية من آليات تحقيق شعبية لها ونشر إشعاعها على الصعيدين الإقليمي وحتى الوطني. وهكذا كتب سبيلمان في كتابه الذي خصصه لدراسة الزوايا والطرق حول تامكروت ما يلي: "لقد لعبت زاوية تامكروت إلى جانب دورها الاقتصادي والتحكيمي دورا اجتماعيا هاما من خلال تقديم المأوى والرغيف للمسافرين، والحجاج، والمحتاجين وذلك حسب إمكانيات فروعها المتعددة عبر ربوع البلاد). وعلى غرار باقي الزوايا الكبرى، يضيف سبيلمان، لعبت زاوية مجاط دورا مهما في ضمان المبيت والرغيف لكل زوارها.

وعادة ما كانت الزوايا تستغل فترات الأزمات الاقتصادية من مجاعات وقحط، لتعبئة إمكاناتها في الإطعام وتوطد شعبيتها بين صفوف السكان.

وهكذا، أشار أحمد بوكاري إلى أنه (عند حلول الوباء كانت الزاوية الشرقاوية تقيم فرانا للخبز في السوق للمساكين والجائعين..) وكان شيخ الزاوية (عاملا قدورا في السوق يطبخون فيها الحريرة ويطعمونها لعباد الله).

من هنا، يستنتج بأن شيوخ في تنافسهم، سواء مع السلطة المركزية أو مع باقي الزوايا، كانوا قد أدركوا الأهمية السياسية للإطعام في مجتمع (عانى بشكل خاص من نقص في الإنتاج تلته في سنوات عديدة مجاعات فشكلت الزوايا نوعا من مؤسسات الخلاص، فكان الجانب النفعي عنصر جاذبية لاشك فيه).

وبالتالي، فقد شكلت الزوايا منافسا للسلطة المركزية، جعلت بعض السلاطين العلويين يقوم إما بهدم مقرات بعض الزوايا على غرار ما قام به المولى الرشيد والمولى إسماعيل، أو اتخاذ إجراءات بمنع مواسم الزوايا على غرار ما قام به المولى سليمان، منتقدا بالخصوص المظاهر الاحتفالية التي تلجأ إليها هذه الزوايا من استخدام الآلات الموسيقية والرقص، واستحصال الصدقات والزيارات، الشيء الذي كان يقلق السلطة المركزية لأنه يحرمها من جهة من جزء من مداخيلها، ومن جهة أخرى يشجع شيوخ هذه الزوايا على الاستمرار في الإطعام خلال هذه المواسم مما كان يكرس من شرعيتهم ويزيد من بركتهم من خلال توافد المتبركين بهم وبأضرحتهم من خلال منا يقدمون من ذبائح وزيارات وذلك على حساب شرعية وبركة السلطة العلوية القائمة على الشرف.

ولعل هذه الهواجس السياسية لتعكسها بشكل جلي بعض مقتطفات من خطبة المولى سليمان (1) التي تتضمن ما يلي:

"... ومن أراد منكم التقرب بصدقة، أو وفق لمعروف أو إطعام أو نفقة، فعلى مَن ذَكر الله في كتابه ووعدكم فيهم بجزيل ثوابه، كَذوِي الضرورة الغير الخافية والمرضى الذين لستم بأَولى منهم بالعافية؟ ففي مثل هذا تُسَد الذرائع وفيه تُمتَثل أوامر الشرائع، إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله.

ولا يتقرب على مالك النواصي، بالبدع والمعاصي! بل بما يتقرب به الأولياء والصالحون، والأتقياء المفلحون: أكل الحلال وقيام الليالي، ومجاهد النفس في حفظ الأحوال، بالأقوال والأفعال البطن وما حوى، والرأس وما وعى، وآيات تتلى، وسلوك الطريقة المثلى، وحج وجهاد، ورعاية السنة في المواسم والأعياد ونصيحة تهتدى، وأمانة تؤدى، وخلق على خلق القرآن يحدى، وصلاة وصيام واجتناب مواقع الآثام، وبيع النفس والمال من الله، إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة. الآية، وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله. الصراط المستقيم كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس الصراط المستقيم كثرة الرايات، والاجتماع للبيات، وحضور النساء والأحداث، وتغيير الأحكام الشرعية بالبدع والإحداث، والتصفيق والرقص، وغير ذلك من أوصاف الرذائل والنقص؟ أفمن زين له سوء عمله فرءاه حسنا.

عن المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "يجاء بالرجل يوم القيامة وبين يديه راية يحملها، وأناس يتبعونها، فيسأل عنهم ويسألون عنه؟

إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب، وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرؤ منا.

فيجب على من ولاه الله من أمر المسلمين شيئا من السلطان والخلائق أن يمنعوا هؤلاء الطوائف، من الحضور في المساجد وغيرها ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم أو يعينهم على باطلهم، فإياكم ثم إياكم والبدع فإنها تترك مراسم الدين خالية خاوية، والسكوت عن المناكر يحيل رياض الشرائع ذابلة ذاوية، فمن المنقول عن الملل، والمشهور في الأواخر والأول، أن المناكر والبدع إذا فشت في قوم أحاط بهم سوء كسبهم، وأظلم ما بينهم وبين ربهم وانقطعت عنهم الرحمات ووقعت فيهم المثلاث، وشحت السماء وحلت النقماء وغيض الماء، واستولت الأعداء، وانتشر الداء، وجفت الضروع، ونقعت بركة الزروع، لأن سوء الأدب مع الله يفتح أبواب الشدائد، ويسد طرق الفوائد، والدب مع الله ثلاثة: حفظ الحرمة بالاستسلام والإتباع، ورعاية السنة من غير إخلال ولا ابتداع ومراعاتها في الضيق والاتساع. لا ما يفعله هؤلاء الفقراء، فكل ذلك كذب على الله وافتراء، قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم. عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: "وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، قام إليه رجل يا رسول الله، كأن هذه موعظة مودع فما تعهد إلينا أو قال أوصنا فقال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة لمن ولى الله عليكم ولو كان عبدا حبشيا، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة .. وها نحن عباد الله أرشدناكم وأنذرناكم وحذرناكم، فمن ذهب بعد لهذه المواسم، أو أحدث بدعة في شريعة نبيه أبي القاسم، فقد سعى في هلاك نفسه، وجر الوبال عليه وعلى أبناء جنسه، وتله الشيطان للجبين، وخسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم".

لكن ببسط الحماية على المغرب، تراجع نفوذ الزوايا السياسي خاصة بعد تورط بعض شيوخها في التآمر مع الاستعمار والمشاركة في الانقلاب على الملك محمد الخامس، مما دفع بزعماء الحركة الوطنية بخلفيتهم السلفية إلى مهاجمتها وانتقاد أساليبها.