الاحتفال بمولد النبي .. مظاهر الكرم السلطاني وجدل شرعية الديني

الاحتفال بمولد النبي .. مظاهر الكرم السلطاني وجدل شرعية الديني

في مجتمع كان يتميز دائما بالندرة الاقتصادية نظرا لعدم انتظام التساقطات المطرية، وتوالي سنوات الجفاف في غياب بنيات تحتية لتخزين المياه، انصب الاهتمام على تخزين الحبوب من خلال بناء ما كان يسمى المطامر، إذ أصبح التنافس على بناء أكبر المطامر لخزن الحبوب وباقي المواد الغذائية من قطاني وزبدة وعسل ولحم مسألة حيوية لمواجهة السنوات العجاف. وبالتالي فقد تحولت هذه المطامر إلى مظهر من مظاهر الثروة والسلطة.

وقد استطاعت السلطة المركزية أن تتحكم بالبلاد ليس فقط لأنها تتوفر على قوة عسكرية وسلطة دينية، بل لأنها تتوفر أيضا على أكبر مجالات لتخزين الأطعمة. فالمخزن هو قبل كل شيء مجال لجمع الزكوات والأعشار التي كانت تتكون بالأساس من الحبوب بكل أنواعها، والبهائم من إبل وغنم وبقر وثيران وخيول كان السلطان يحصلها من القبائل عبر قواده وعماله وباشواته المحليين الذين كانوا يدفعونها له خلال المناسبات الدينية كعيد الفطر وعيد الأضحى على شكل هدايا ووفق مراسيم قائمة على الخضوع والطاعة.

لكن في المقابل، كان من المفروض على السلطان، لتكريس شرعيته، استعراض كرمه المخزني عبر استضافته للنخب الدينية والسياسية خلال بعض الاحتفالات الدينية كالاحتفال بعيد المولد النبوي، أو الاحتفال بعيدي الفطر وعيد الأضحى. وفي هذا الصدد أشار محمد جادور في ما يخص إبراز السلطانين أحمد المنصور والمولى إسماعيل لمظاهر سلطة الكرم لديهما إلى ما يلي:

«لتوسيع قاعدة الأبعاد الرمزية للاحتفالات المخزنية، رام السلطانان إلى ربطها بظاهرة الكرم، التي شكلت طقسا ملازما لكل حفل رسمي نظم تحت إشرافهما، فلم يتقاعس أحمد المنصور عن تضخيم وسائل إكرام ضيوفه إبان المناسبات الدينية كليلة عيد المولد، من خلال تقديم مختلف ألوان الأطعمة...وعاشوراء لختان أطفال المحتاجين بالعاصمة ونواحيها، وتوزيع...حصص من لحم البقر...ومارس المولى إسماعيل السلوك نفسه، إذ كان يقدم إعانات وألبسة للفئات المحتاجة في الأعياد والمواسم، وحين تجتاح الناس القحوط، يفتح مخازن القمح، ويفرق الأموال والأطعمة. وكانت جلسات ختم التفسير تنتهي بإكرام الفقهاء والعلماء بدار السلطان...».

1- الاحتفال بعيد المولد النبوي واستعراض السخاء السلطاني

يعتبر المغرب إلى جانب مصر من الدول الإسلامية القليلة التي تولي اهتماما خاصا لعيد المولد النبوي وتحيطه بكل مظاهر الحفاوة والاحتفال.

وقد سبقت مصر المغرب في الاحتفال بهذا العيد، نظرا لأن الفاطميين بعدما استولوا على حكم البلاد عملوا على الاحتفال بعيد المولد النبوي لما يختزنه من رمزية دينية تكرس شرعيتهم السياسية من خلال انتمائهم للبيت النبوي. فقد «وجد الاحتفال بالمولد النبوي منذ عهد الفاطميين بمصر، حيث كانوا يحتفلون به ضمن ستة مواليد: مولد الرسول، مولد آل البيت علي بن أبي طالب، والحسن والحسين وفاطمة الزهراء والسادس مولد الخليفة الحاضر».

وكما ساهم الفاطميون في سن الاحتفال بهذا العيد بمصر، ساهمت الأسر الحاكمة التي تعاقبت على حكم المغرب منذ القرن 13 م على ترسيخ الاحتفال بعيد المولد النبوي بهذا البلد. وكان المرينيون أول من سن هذه الاحتفالات بالمغرب؛ إذ «كان السلطان يعقوب بن عبد الحق أول من احتفل بعيد المولد النبوي بفاس، ثم عممه ابنه يوسف على جهات المغرب».

ويمكن تحديد العوامل التي كانت وراء اتخاذ الحكم المريني لهذا القرار في الدوافع التالية:

- افتقاد الحكم المريني لأي شرعية دينية بخلاف الحكم المرابطي أو الموحدي.

- تنامي نفوذ الشرفاء الأدارسة بفاس خاصة بعد اكتشاف قبر المولى إدريس.

- ظهور قوى سياسية منافسة للحكم المريني مرتكزة إلى المشروعية الشرفاوية كالزوايا، والأسرة السعدية، والأسرة العلوية في ما بعد.

لذا، فقد اهتم السلاطين المرينيون بتنظيم مراسيم خاصة للاحتفال بعيد المولد النبوي من خلال إظهار الزينة أو إقامة الولائم.

«ففي ليلة العيد يأمر والي المدينة أصحاب الصناعات بالاستعداد فيتزينون ومع كل طائفة من الصناع علمهم ورمز صنعتهم ويبيت الناس خارج المدينة فإذا ركب السلطان لصلاة العيد في الصباح الباكر اصطف الناس صفوفا يستعرضها السلطان وهي تمشي أمامه ثم يركب السلطان ويركب العسكر معه ميمنة وميسرة ومن خلفه الخدم والأعلام منشورة والطبول خلف الموكب تدق حتى يصلي السلطان ويعود فينصرف أصحاب الأسواق والمهن إلى بيوتهم ويحضر طعام السلطان خواصه وأشياخ الدولة».

كما دأب السلاطين المرينيون على إقامة الحفلات داخل القصر تدعى لها صفوة النخبة السياسية لكل هؤلاء الأعضاء؛ وتقدم فيها صنوف الأطعمة والأشربة، ويستمع فيها إلى ضروب الإنشاد والأمداح النبوية.

وهكذا وصف ابن مرزوق في «المسند الصحيح الحسن» أحد هذه المجالس الذي أقيمت في عهد السلطان يوسف بن يعقوب المريني كما يلي:

« … إن هذا السلطان دأب أن يقيم ليلة حضرا وسفرا، ويستعد لها بألوان المطاعم والحلويات وأنواع الطيب والبخور مع إظهار الزينة والتأنق في إعداد المجالس، حتى إذا حلت الليلة وأدى السلطان صلاة المغرب ونافلتها، قصد إلى مجلسه في مكان الاحتفال، حيث يستدعي الناس للجلوس حسب مراتبهم ويأخذون المجالس على طبقاتهم، فينتظمون في أحسن زي وأجمل شارة، ثم يقدم الطعام على ترتيب مخصوص يتلوه من الفواكه الطرية ما يوجد في إبانه، وبعدها يؤتى بالفواكه اليابسة. ثم الكعك والحلويات وأخيرا أصناف السكر، وجميع ذلك على أعجب ما يتحدث به: كثرة وحسنا، وربما اختلفت العادة في التوالي مرة وفي الفترة أخرى وقد يقع الإطعام بعد العشاء الآخرة.

فإذا استوت المجالس وساد الصمت، قام قارئ العشر فرتل حصة من القرآن الكريم، ويتلوه عميد المنشدين فيؤدي بعض نوبته، ثم يأتي دور قصائد المديح والتهاني بليلة المولد الكريم: من نظم شعراء المملكة والزائرين، فتلقى على نظام محفوظ وترتيب محكم، على قدر المنازل والرتب والمناصب، وبعد هذا تسرد المعجزات النبوية، وتكثر الصلاة على الرسول سيدنا محمد (ص) … فإذا قضيت صلاة الصبح تقدم ألوان الطعام المختصة بهذا الوقت وجميع ما يفضل من بخور وشموع يقتسمه الفقراء المسافرون على قدر استحقاقهم، فيجتمع لهم من ذلك العدد الكثير… «…» في صباح يوم سابع المولد يجلس الكتاب لتوزيع العطاء على الأشراف وأعيان الفقهاء والأيمة والخطباء والقضاة الواردين، فيعطى كل على قدره: كسوة تخصه وإحسانا للبعض»

ومن خلال هذا النص، يستنتج أن السلاطين المرينيين، الذين انتزعوا الحكم دون الاستناد إلى أية شرعية دينية أو الانتماء لأي منحدر شريفي، عملوا على إضفاء نوع من الشرعية عليهم من خلال إعادة التبرك بضريح المولى إدريس الأكبر بعد اكتشاف قبره من جديد، والاهتمام بالاحتفال بعيد المولد النبوي من خلال خلق أجواء روحانية عبر إنشاد الأمداح النبوية مع الحرص على إقامة مآدب سلطانية تستدعى لها مكونات الطبقة السياسية لتناول أصناف الأطعمة والفواكه ومختلف صنوف الحلويات التي تميز المائدة السلطانية. ولعل الغرض السياسي من ذلك هو تقوية روابط الولاء السياسي للسلطان. فهي» تترجم البعد السياسي للكرم باعتباره سلطة لضمان الولاء، ولتهدئة النفوس القادرة على التمرد، ولمجاملة العناصر المؤثرة ولاستقطاب القوى المعارضة، أو على الأقل منافسة الدينية منها. وهي خصلة كما أشار إلى ذلك الفشتالي تعنو الوجوه، وتذل لها الرقاب، وتخضع الجبابرة، وتسترق بها الأحوال، ويستمال بها الأعداء، ويستكثر بها الأولياء، وتحقن بها الدماء، ويحسن بها الثناء، وتملك بها القرباء والبعداء…»

وبالتالي، فالسلطان المريني عندما كان يقيم ولائمه بمناسبة هذا الاحتفال، فإن ذلك كان يدخل ضمن استراتيجية استعراض سخاء السلطة وإظهار نوع من القوة المادية في امتلاك أكبر الكميات من الطعام، وإظهار غنى الموائد السلطانية وقدرتها على الإطعام في مناسبة دينية تكتسي طابعا مقدسا في مغرب أضرحة الشرفاء وزوايا الصلحاء. وهكذا نستنتج، كما أشار الباحث محمد جادور» أن المخزن مارس سلطة الكرم في مناسبات محددة ارتبطت إما بالمناسبات الدينية الرسمية التي مثلت أفراحا للاستحضار الرمزي للماضي، ولإعادة إنتاج سلوك السلف الصالح عبر توزيع الهبات، وإيلاء الحدث ما يستحقه من عناية وتقدير …» وهذا ما يضفي على كرم السلطان شرعية خاصة وتظهر خصاله المحمودة في الإطعام والكرم، مع ما يرتبط مع ذلك من (أجر عظيم) في ذهنية سياسية مغربية تقوم على الإحسان بالضيف والمبالغة في إكرامه.

لكن إلى جانب ذلك، فهذا السخاء السلطاني عادة ما يحيل على نصوص قرآنية مرتبطة بالإطعام والموائد السماوية، حيث ورد في سورة المائدة ما يلي:

« إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاء قَالَ اتَّقُواْ اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ. قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاء تَكُونُ لَنَا عِيداً لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ …»

2- الاحتفال بعيد المولد النبوي وترسيخ الكرم السلطاني

ترسخت مراسيم الاحتفال بعيد المولد النبوي في عهد الحكم السعدي خاصة مع السلطان المنصور الذهبي الذي دأب على إقامة مجالس فخمة ومآدب كبرى بهذه المناسبة تستدعى إليها كل مكونات الطبقة السياسية والعسكرية والعلمية في البلاد.

وقد وصف لنا الفشتالي أحد هذه الاحتفالات بكل المظاهر البروتوكولية والمراسيمية التي تخللتها وذلك وفق ما يلي:

«هذا الموسم الكريم النبوي ومشرق أنوار الطلعة النبوية ومجلى عروس الكون ومظهر كنز الله في العالم وسره المنتقل في أصلاب النبيئين عليهم السلام، من آدم خير من طلعت عليه الشمس صلى الله عليه وسلم صلاة يتهادها فم إلى فم وقلم إلى قلم حتى تظلنا من أعسر من عنايته الرؤية والعلم هو مطرح الهمة الكريمة الامامية النبوية الشريفة المنيفة، ومرمر اعتنائها وعظيم اهتبالها واحتفالها وإكراما والإجلال. ولئن كان الخلفاء رضوان الله عليهم لم يجدوا أيامهم ومددهم من أحياء سنته التي ثابروا عليها خلفا عن سلف والاحتفال لوليمته العظمى التي تحضرها ملائكة الرحمان ويهتز لعظيم شأنها الملوان، فلقد أربى عليهم مولانا الإمام أمير المؤمنين أيده الله تعالى في صنيعها الجسيم والاحتفال لليلها العظيم ويومها الكريم بمقدار ازدياد بحره الطليق على نهرهم وامتداد باعه الرحيب على فترهم حياها الله من همم هاشمية – وشيم نبوية ونفوس كريمة علوية كم لها من فخار عظيم ومآثر تلوح غررا في جباه الأيام، وهي كمأثرة يرضون بها الرب في كل عام وتقر بصنيعها عين المصطفى خير الأنام عليه أطيب الصلاة وأزكى السلام، والرسم الذي جرى به العمل لاحتفال هذا الموسم النبوي الكريم أنه إذا طلعت طلائع ربيع الأول، طلائع هذا النبي الكريم صلوات الله عليه سلامه، توجهت العناية الشريفة إلى الاحتفال له بما يربى عن الوصف ويقف دونه همم الحاسب، فيصير الرقاع إلى الفقراء أرباب الذكر على رسم الصوفية من المؤذنين النعارين في السحر بالأذان وأصوات رهبان، فيهوون للدعوة من الأماكن النائية ويعكف على خدمة رياض الشموع التي تجلو الحاسن هذه الجهابذة الذين يبارون النحل في نسج إشكالها لطفا وإدماجا، حتى إذا كانت ليلة الميلاد الكريم وقد أخذت الأهبة وتم الاستعداد وتناهى الاحتفال وأقصى مبالغ الكمال وتلاحقت الوفود من مشايخ الذكر والإنشاد وحضر وقت زفاف العاري في رياض الشموع إلى الأبواب العلية الشريفة وحضرت الآلة الملوكية والأفلاك المؤلفة من الأخشاب لحمل جذوعها، يحملها أساري الدولة وأولو الطرق من الصحافيين المحترفين بحمل خدور العرائس عند الزفاف، يتقدمهم عريف الأشغال بالباب العلي مصلحا لشأن أفلاكها ومعدلا لسيرها. مشايخ الوزعة وخدام الشرطة ومشايخ البلد انتظم عالم من النظارة سماطين بحافي الطريق من أبواب الخلافة العلية إلى حيث مثوى الشموع من منزل أولى صنعها وخدمتها قد جللوا جنبتي الطريق وركبوا الأسوار والأسطاح وبرزت ربات الحجال من أعلى المنازه والصروح، فضخمت الجملة وعظم الزفاف وبرزت جذوع الشموع كالعذارى يرفلن في حلل الحسن والضخامة والجلال واحتملت على أفلاكها يقفوا بعضها بعضا في عدد كثير كالنخيل، فارتفعت أصوات الآلة وقرعت الطبول وضج الناس بالتهليل والتكبير والصلاة على النبي الكريم، وتتصاعد على الوصف من الزي العظيم والزفاف الجليل حتى تستوي على منصات الشهرة بالإيوان الشريف، ثم يقع البيات على التغليس لحضور المشهد الكريم، فإذا حضرت صلاة الفجر برز مولانا الإمام أمير المؤمنين أيده الله فيصلى بالناس ثم يقتعد أريكة قبته وسرير ملكه وعليه خلع البياض شعار الدولة الكريمة وقد ازدهى المحفل وضخم الحال وتناهى الجلال واصطفت أمام القبة جذوع الشموع المبارية للمآذن والنخيل ضخامة أجرام وطموح أعناق واصطفاف العذارى المختلفة الأوان، فمن بيض كالدمى وحمر جليت في ملابس أرجوان وخضر سندسية الغلائل وقد تقسمت طول جذوعها قباب مستديرة بها استدارة أركان المآذن، وتفننت فيها الصنانع نسجا وقادت بين الأرجل الضخمة والأفلاك المضاعفة تنوء بها العصبة أولو القوة متعددة المواقد والمشاكي كأنها هضاب نرجس نهر ذوائبه أيدي النواسم، واستحضر من أنواع الحسك أمام الحضرة كل توراء مصنوعة من النشب أخذت مدمج خضورها التفافيح النافذة النقش قد ركزت في أنابيها المجوقة وغير المجوفة عمد ملبس الجسوم من الشموع طوال القدود طاعنة في الجو بأسنتها المذهبة مولوية بألسنتها الدلقة تضرب بشهارها الجناة من أولى الدربة بقطف أنوارها فتقطفها بالاجلام المحززة والمقطعات المجوفة التي تمسك ما أبانه الحلاق من شعورها فلا يسقط منها شرر ولا يدوم لها فتار ومثلت أمام الحضرة الأمامية لوقود العنبر آلة ضخمة الشكل فضية الصوع بديعة النقش مظللة بالغطاء الدمج الشباك يناول مولاة وقودها العنبري إلى انفضاض المجلس قيم الأثاث في تسبيل من الظرف والخصوصية لا يغيب عن إمدادها بالوقود فتتصاعد فوق المشهد منها غمامة عنبر قد سدت أفق الشمس وضربت دون سماء القباب سرادقا جونا فتملأ المعاطس وتعلق عمائم الأطواق والجيوب واللبب وتسايل الناس من البلد على طبقاتهم مغلسين من شرفاء وقضاة وفقهاء وكتاب وشعراء وقراء وخطباء وأجناد ورؤساء وأشياخ نبهاء وعمال أثراء، إلى من تعلق بأذيالهم من اللفيف والغمار بما يعين التنخل ويعجز التأمل؛ فإذا استوى الورود اصطفت الصفوف الأجناس وتألفت الأشكال ورضيت مقاعدها السرات وخلص من زحام الأبواب الضيق وعصى الرياد عن كتب الله سلامة ثوبه وحفظ بشرة وجهه.

فكثيرا ما نرى الأنوف لخدوشه من التزاحم والتدافع بالأبواب التي يظللها عصى أشبه من عصى الوزعة ومن يسد طريق العرض الهاطل تقدم أهل الذكر والانشاد يقدمهم مشايخهم من بعد أن يفرغ الواعظ من قراءة ما يناسب المقام من الاستفتاح لفضائل النبي صلى الله عليه وسلم وسرد معجزاته والثناء على شريف مقامه وعلى جلاله. واندفع القوم لترجيع الأصوات بمنظومات على أساليب مخصوصة من مدائح النبي الكريم صلى الله عليه وسلم يخصها اصطلاح العرف باسم المولوديات نسبة إلى المولد النبي الكريم قد لحنوها بألحان تخلب النفوس والأرواح وترق لها الطباع وتبعث في الصدور والخشوع وتقشعر لها جلود الذين يخشون ربهم يتفننون في ألحانها على حسب تفننها في النظم. فإذا أخذت النفوس حظها من الاستمتاع بألحان المولوديات الكريمة تقدمت أهل الذكر المزحزحون بالرقيق من كلام الشيخ أبي الحسن الششترى رضي الله عنه وكلام القوم من المتصوفة أهل الرقائق. كل ذلك تتخلله نوبات المنشدين للبيتين من نفيس الشعر يتحينون به المناسبة بينه وبين ما يتلى من الكلام عند الإنشاد من نسيب أو غزل أو إلمام بنسج أو تشوين للمعاهد الشريفة أو مديح نبوي أو ما ولى على سبيل لطيف من الظرف ولحن عريق في نسب الإجادة.

ثم حضرت دولة إنشاد الشعراء وكان الخلفاء رضوان الله عليهم يتساهلون في اتباع الغث الذي يلهج به من ذلك العوام المتشاعرون بما يلفقون سفساف القول وسافل الكلام المصقول بشرك القافية الواهية والوزن الخارج عن نسب الإجادة ومصطلح الأوزان العروضية؛ فلما جاء الله بساعة الكمال ألقت الهمم المنيفة الكريمة الأمامية الأحمدية المنصورية على الله بحبها وأيد حزبها من ختم محاسن هذه المحاسن الشريفة النبوية بالدعوة الجليلة الامامية العلوية بمثلية هذه العصابة الخسيسة التي يتحاشى مجلسها النبوي عن خضف انعلتها الوظرة على أوطيته الشريفة الملوكية ويتنزه عن قولها الثقيل الذي تشمئز منه الطباع ولا يحصل لواحده على الاسماع إذن ولا قبول فانصبت مع الامتنان بحفظة الجراسة وغشية الإحسان وادالتها العناية الشريفة الامامية بالعصاية الأدبية من كتاب الدولة وشعراء هذا الميدان وجهابذة هذا الشأن، ودفعتهم لهذا المضمار العادية الأمامية فتباروا في أحراز الخصل تبارى الجياد يوم الرهان والشأن في الإنشاد أن يقف الشاعر بإزاء المسمع مستنيبا إياه في إنشاد ما خبره؛ فإذا فرغ خنع الشاعر وانصرف لمكانه من المجلس الكريم وجرى الترتيب بتقديم قاضي الجماعة الشيخ العلامة جملة الفضل الصليب العدد القوى الشكيمة صدر الفئة أثير الخلفاء سفير الأيمة خطيب الخطباء بليل منابع الجمع والأعياد القاضي أبي القاسم بن على الشاطبي تغمد الله بعفوه فانشدت له قصائد تأبى الاثبات في هذا الموضع وتلاه الشيخ الإمام علم الإعلام مفتى الإسلام بحضرة أنموذج الفضل ولبنة التمام ذي النسب الشريف والحسب العريق الأصالة المشتمل بملاءة السؤدد والسراوة ودماثة الأخلاق ولين العريكة رضيع لبنان العفة مليح البسط على ديانة مضمر ثغرة النادرة، فصيح القلم المغبر في وجوه أهل اللسان والبيان شيخان العلامة أبو محمد عبد الواحد بن أحمد بن الحسن الشريف الحسنى فأنشد له:

عليه صلاة لايزال نسيمها ** يعاهده من قرب دارى أو المجد

وتم سلام لايزال مجددا ** إليك أيا ذا الفضل والعز والمجد

إليك مدرت الكف يا خير مرسل** دعاء غريق في مئاثمه بردى

فبين يدى في المعاد مواقف ** اجازى بها عن هزل أمرى وعن جد

إلى غير هؤلاء من الفضلاء والأعلام وفرسان النثر والنظام من كل فياض القريحة يهز من لسانه العضب الحسام وتمشي تحت رايته أمراء الكلام صان الله جماعتهم وأجزل من الدر المكنون بضاعتهم، وألزم الألفاظ والمعاني طاعتهم. ولم يزل في خلال دولة الإنشاد يختلف الظرفاء من الخدام على الناس لأخصال الملابس بماء النعيم المصعد من نثير الورد والأزهار الأردية يكسب عليها بطاقات الرياحين والآس سكبا غدقا في الحجور والأردان فتدمث ما تعلق باللباب والأطواق والجيوب من غمائم العنبر التي تصاعد نؤها وسدافق المشهد الكريم فيلبث طيبها لصق بالأثواب مدة مديدة ثم تنهل على الحفل عارض النعمة من أبواب القصور الكريمة ويخص بالجفان والأخونة والصحون والطيافير الرحيبة الأقطار، جامعة لألحم المسارح وأنواع الطير ودواجن البيادن الفضاء الطبيخ بالإيوان الشريف ويخص الإطعام بين يدي الإمام طبقة الأشراف والنمط الأعلام من العلماء والفقهاء والقضاء وأكابر الدولة، ثم تبث الموائد بين الناس بكل جهة وتمد بسط الاديم والمطارف صونا لاوطية المجلس الكرين، فيقال على الناس من النعمة العارض الهطل والسحاب المركوم، فلا تسأل عن التفنن في المطابخ والتنويع في المأكل والأرضا في النعمة قد استهلكته ضروب الحيوان وأبيد طياره ودواجنه. وانتهى الاحتفال إلى ما يوجب البهت وينغمس الناس في الأكل المتدارك والطعام والمتواتر، بحيث لا يبقى بين وقع الخوان ووضعه وتعاقب الجفان فضله من الزمن حتى يقع البهت وتختل الهضوم فتتم النعمة وتختم الكرامة ويشرح بحمل الارضاخ بانسكاب الحلاوى المتنوعة والمربيات المتقنة، ثم تصب الحلقات المستديرة للأكل الحصون العديدة المملوءة بفانيد السكر الرحيبة الأفطار المعتامة من البخار اللطيف المدعو بالفرفرى، صبا غدقا فيتطارح عليها صنف أهل الذكر والإنشاد ولفيف أهل البلد لجنوبهم متهالكين في اختطافه وتناوشه بحالة تستضحك أمير المؤمنين ويهش لها ارتياحا، ثم يختم بالشكر والدعاء فينفصل المجلس ويفيض الحجيج وقد مكث من فاضل الطعام بفضاء الإيوان الشريف هضاب سامية، فيؤذن للمساكين وذوي الحاجات المحومين عليها بالأبواب الشريف تحويم القشاعم فينقضوا عليها ويسيل على هضابه منهم السيل العرمرم، فلا يذادون عنها حتى تلقى كلمتهم ويرضوا جميعا فينقضوا عنها والجبال جبال. فإذا انصرفت أيام الوليمة الشريفة برزت صلاة العشراء وعليها التوقيع الشريف فينثر عليهم وتشفع لعلبة المشايخ بالخلع الشريفة تقبل الله من أمير المؤمنين وأجزل مثوبته وضاعف له الجزاء الأوفى في دار النعيم. وكانت لمولانا أمير المؤمنين أيده الله صدقات فاشية واسعة عظيمة العائدة يجريها على أيدي ثقات من رجاله فمنها الأموال التي يخرجها ختم كل رمضان ويعم بها ذوي الحاجات بحضرته العلية أهل الخير والدين كل على حومته، حتى صار ذلك رسما وعادة يتحينها أهل الحاجة، ومنها المهرجان الذي يقيمه يوم عاشوراء كل سنة لختان ذرية ضعفاء من مساكين الحضرة وأحوزها وذوي الحاجة من أهلها يدخل بذلك أيده الله السرور على أولاد المؤمنين فيبكر الأمناء ببابه العالي وقاضي الجماعة وصاحب المظالم المباشرة سنتها بالإيوان الشريف ويتصاعد أهل حرفة الختان من أولى الحجامة وأهل الآلة والغناء بأسرها التي ألفوها من عوائد الصلات والإحسان فيصطفون بالإيوان الكريم وقد شحذت المواسى وتجاوبت الألحان واصطحبت أصوات المزاخر وارتفعت هضاب الكتان وأكداس الدراهم واستكثر من ذبح البقر فطمر بحر اللحمان وعلت أصوات الصبيان يتضاعفون على أعناق آبائهم وقد مثلوا بالأبواب الشريفة عالما يغض به الفضاء، يعلو وجوهم مثار الحاجة ومذلة الانكسار فتنبعث الرحمة وترق النفوس ويعظم الخشوع وتقدم الصبية أفواجا فكل من تناوله الختان أعطيت له أذرع من الكتان وحصة من الدراهم وسهم من اللحم يعمر بإقامة هذه السنة بياض اليوم حتى ينهار الدم من كثرة ما استلحمته المواسى ويشمل الإحسان من ذلك أما لا تحصى ويعم الصنيع أولي الحاجة وأهل الألة الذين أقاموا مهرجانها وجلوا محاسنها وزينة يومها وفخامة دعوتها، فيحتقب مولانا أمير المؤمنين من مثوبة هذا اليوم المبارك مما يثقل الله به موازين أعمال بره يوم الجزاء الموعود. وأما ما يجري على يده أيده الله في سائر الأوقات من البر والصدقة ووجوه الاقتراب والزلفى من حلال في سبيل التوسعة على الفقراء بقسمه وطعام في أوقات المجاعة يخرج وديون غرماء مفاليس تقضى ورقاب أرقاب تملك وأساري تفتدي، فلا يدخل تحت ضبط ولا يتناوله حسبان تولى الله عن الأمة جزاءه وأجزل له يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا فضله الواسع وإعطاء».

ومن خلال هذا النص الذي أسهب فيه مؤرخ السلطان أحمد المنصور الرسمي في وصف مختلف مظاهر هذا الاحتفال، يلاحظ التركيز الشديد على المآدب السلطانية التي تقام بهذه المناسبة ونوعية الأطعمة التي تقدم للمدعوين وفق تراتبية مخزنية مضبوطة:

- حيث تعطى الأولوية للخاصة من حاشية السلطان من أشراف وعلماء وفقهاء وأكابر الدولة، ما أشار إليه الفشتالي كما يلي:

"ثم تنهل على الحفل عارض النعمة من أبواب القصور الكريمة ويخص بالجفان والأخونة والصحون والطيافير الرحيبة الأقطار جامعة لألحم المسارح وأنواع الطير ودواجن البيادن الفضاء الطبيخ بالإيوان الشريف ويخص الإطعام بين يدي الإمام طبقة الأشراف والنمط الأعلام من العلماء والفقهاء والقضاء وأكابر الدولة".

ليتم بعد ذلك وضع الطعام أمام بقية المدعوين من منشدين وغيرهم. وأشار الفشتالي إلى ذلك من خلال ما يلي:

"ثم تبث الموائد بين الناس بكل جهة وتمد بسط الأديم والمطارف صونا لاوطية المجلس الكرين، فيقال على الناس من النعمة العارض الهطل والسحاب المركوم، فلا تسأل عن التفنن في المطابخ والتنويع في المأكل والأرضا في النعمة قد استهلكته ضروب الحيوان وأبيد طياره ودواجنه".

- أما ما تبقى من هذه الأطعمة فيتم توزيعه على المساكين والمحتاجين الذين يكونون خارج أبواب القصر منتظرين نصيبهم من بقايا المأدبة السلطانية، ما يستدل من الإشارة التالية:

"وقد مكث من فاضل الطعام بفضاء الإيوان الشريف هضاب سامية فيؤذن للمساكين وذوي الحاجات المحومين عليها بالأبواب الشريف تحويم القشاعم، فينقضوا عليها ويسيل على هضابه منهم السيل العرمرم، فلا يذادون عنها حتى تلقى كلمتهم ويرضوا جميعا فينقضوا عنها والجبال جبال".

أما في ما يخص الأطعمة التي كانت تقدم خلال هذه الولائم المخزنية، فقد ركز الفشتالي على نوعية الأطباق الشهية التي كانت تعد في هذه المناسبة، والتي كانت تشمل على ما يبدو:

- طواجن اللحم والدجاج الذي كان يعتبر من وجبات علية القوم التي لا يحلم بأكلها مختلف الشرائح الشعبية، والتي أشار إليها الفشتالي بالفقرة التالية:

"ويخص بالجفان والأخونة والصحون والطيافير الرحيبة الأقطار جامعة لألحم المسارح وأنواع الطير ودواجن البيادن الفضاء"

- وأطباق الكسكس المخزني المتميز بما تحتويه من خضر ودجاج أو لحم التي أشار إليها الفشتالي بالفقرة التالية:

"وتمد بسط الأديم والمطارف صونا لاوطية المجلس الكرين فيقال على الناس من النعمة العارض الهطل والسحاب المركوم فلا تسأل عن التفنن في المطابخ والتنويع في المأكل والأرضا في النعمة قد استهلكته ضروب الحيوان وأبيد طياره ودواجنه".

- بالإضافة إلى مختلف أنواع الحلويات المخزنية اللذيذة والشهية التي أشار إليها الفشتالي بالفقرة التالية:

"وينغمس الناس في الأكل المتدارك والطعام والمتواتر بحيث لا يبقى بين وقع الخوان ووضعه وتعاقب الجفان فضله من الزمن حتى يقع البهت وتختل الهضوم فتتم النعمة وتختم الكرامة ويشرح بحمل الارضاخ بانسكاب الحلاوى المتنوعة والمربيات المتقنة، ثم تصب الحلقات المستديرة للأكل الحصون العديدة المملوءة بفانيد السكر الرحيبة الأفطار المعتامة من البخار اللطيف المدعو بالفرفرى".