شقير ينبش في تشكل إمارة المؤمنين وتوحيد الأمة المغربية

شقير ينبش في تشكل إمارة المؤمنين وتوحيد الأمة المغربية

لعب الفاتحون العرب دورا أساسيا في نشر الدين الإسلامي بوصفه عقيدة دينية وسياسية تقوم بالأساس على فكرة التوحيد. فالدعوة الإسلامية لم تكن فقط دعوة للإيمان بوحدانية الله؛ بل كانت دعوة تهدف إلى خلق "أمة واحدة منسجمة تؤمن بالله الواحد وترتبط بمصير مشترك تتجاوز بذلك التعددية القبلية وتعدد مراكز السلطة".

لذا فتجاوب المغاربة مع هذه الدعوة لم يكن بسبب قوة "سيف الفتح" فقط؛ بل أيضا لأن المفاهيم التي تتمحور عليها هذه الدعوة كانت تتلاءم والاتجاه التطوري الذي كان ينحوه المغاربة نحو التوحد وخلق أمة متماسكة.

1- إمارة المؤمنين وتوحيد الأمة المغربية

إن نجاح المشروع المرابطي والموحدي يرجع بالأساس إلى تبني هذا المفهوم والعمل على تطبيقه.

1 – التوحيد السياسي وتبني مفهوم الأمة

ارتكزت إيديولوجية المرابطين والموحـدين بصفة خاصة على فكرة التوحيد. وتقوم هذه الفكرة بالأساس على مواجهة "القبلية" بكل تلويناتها الدينية والمذهبية. لذا سعى المرابطون والموحدون إلى خلق إطار للتكوين الإيديولوجي يهتم بتلقين مفهوم الأمة لأعضائه وتربيتهم على الاستعداد للعيش في مجتمع متجانس عقائديا ومتماسك سياسيا.

وقد تجسد هذا الإطار في إنشاء ما يسمى "الرابطة"، التي اهتمت بخلق وعي جماعي. "ولكي تستطيع الرابطة خلق هذا الوعي كان من الضروري أن تكسر التضامنات القبلية "الفردية" وتعويضها بتضامنات أكثر شمولية. فما كان يسمى الفقهاء عند المرابطين وما كان يسمى الطلبة عند الموحدين هم عناصر قبلية فقدت روابطها بالقبائل التي كانت تنتمي إليها، وأصبحت تشكل وحدات مستقلة إيديولوجيا عن محيطها القبلى". ولبلوغ هذا الهدف، كانت الرابطة تقوم بثلاث وظائف رئيسية:

أولا: عزل الأعضاء عن أهاليهم وقبائلهم وإخضاعهم لنظام غذائي صارم وتعويدهم على حياة الخشونة.

ثانيا: خلق الروح الجماعية بين الأعضاء؛ ذلك أن تجمع أفراد ينتمون إلى قبائل مختلفة وعصبيات متنابذة داخل الرباط نفسه يفرض تربيتهم على التعايش بينهم وفق سلوك مغاير للسلوك القبلي المعتاد.

ثالثا: خلق روح الانضباط والطاعة بين الأعضاء وفق نظام هرمي مغاير للهرمية القبلية.

كما اهتمت الرابطة بتلقين أعضائها مبادئ "إسلام جديد" تنحصر بالأساس في:

- اتباع الكتاب والسنة

- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

- الجهاد في سبيل الله

وبالإضافة إلى هذا التكوين النظري والإيديولوجي، درب الأعضاء تدريبا شبه عسكري يقوم على:

- الطاعة العمياء

- الانضباط الصارم

- مجاهدة النفس

ومن خلال هذا التكوين الإيديولوجي استطاعت الرابطة أن تخلق جماعة سياسية متجانسة إيديولوجيا ومتحفزة حربيا لتحقيق نموذج الأمة التي تشبعت به وحلمت بتحقيقه. ويستشف ذلك من خلال ما ورد في "الحلل الموشية" من أنه "لما اجتمع إلى عبد الله بن ياسين من أشراف صنهاجة نحو ألف رجل... وتفقهوا ورسخ فيهم الدين قام فيهم خطيبا قائلا: معشر المرابطين، إنكم اليوم جمع كثير نحو ألف رجل... ولن يغلب ألف من قلة! وأنتم وجوه قبائلكم ورؤساء عشائركم... فوجب عليكم... أن تجاهدوا في الله حق جهاده: فقالوا أيها الشيخ المبارك أمرنا بما شئت تجدنا سامعين لك مطيعين، ولو أمرتنا بقتل آبائنا".

من هذا النص نستنتج تشبع الأعضاء بفكرة الأمة واسترخاصهم أنفسهم في سبيل تحقيق هذا الهدف إلى أن بلغ بهم الأمر القول باستعدادهم لقتل آبائهم. "فقـتل الآباء" في مجتمع قبلي لا ينم فقط عن طاعة عمياء؛ بل يعني أيضا تكسير "الرابطة التضامنية" التي تجمع بين القبيلة وأبنائها، وقطع "الحبل السري" الذي كان يربط أعضاء الرابطة بقبائلهم وعشائرهم.

وهكذا يمكن اعتبار الرباط بمثابة المختبر الذي أفرز نموذج الأمة المراد تحقيقها؛ فقد "كان بمثابة النواة الأولى والنموذج الأمثل الذي كانت الرابطة تسعى إلى تحقيقه، لذا كان كل عضو من أعضائها يناضل من أجل تحقيق هذا النموذج الاجتماعي والسياس الذي تربى داخله وعاش في أحضانه، فالمرابطي أو الموحدي لم يكن يناضل من أجل سراب سياسي، بل من أجل تحقيق وتعميم نموذج مصغر من حياة الرباط".

2 – الجهاد وتطبيق مفهوم الأمة

اعتمد المرابطون والموحدون على الجهاد كوسيلة لتطبيق مشروعهم السياسي في تحقيق فكرة الأمة التي كانوا يحلمون بها. وهكذا عمل المرابطون على مجاهدة كل الإمارات السياسية التي كانوا يرون فيها عائقا أمام تحقيق الفكرة. فالاختلاف المذهبي والسياسي، وكذا الاختلاف في تطبيق الشعائر الدينية، كل ذلك كان يشكل في نظرهم عائقا أمام إقامة الأمة الإسلامية. لذا حرص المرابطون وكذا الموحدون، بعد استيلائهم على السلطة، على الحفاظ على كل المقومات التي تحدد معالم هذه الأمة، لاجئين في ذلك إلى وسائل القهر والعنف، ومتمثلين في ذلك التصور القرآني للأمة التي "تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر".

وهكذا أسند المرابطون "لصاحب الصلاة" مهمة الإشراف على احترام أفراد الرعية لأداء الفرائض الأساسية من صلاة وصوم وزكاة، وكذا كل ما يتعلق باحترام المعايير الإسلامية التي تحكم المعاملات بين الأفراد.

وكان القضاة الذين تبوؤوا مكانة كبيرة في النظام السياسي المرابطي يتكلفون بتعيين القيمين بهذه المهام؛ لذا "كثيرا ما كان القاضي يولي أحد معاونيه خطة الصلاة والخطبة مجتمعتين وأحيانا أحكام السوق".

وتابع الموحدون النهج نفسه رغم اختلافهم الإيديولوجي مع المرابطين؛ فالمهدي بن تومرت الذي يعتبر المنظر السياسي للنظام الموحدي حث منذ البداية على ضرورة الحفاظ على كيان الأمة، وذلك من خلال صون عقيدتها وعاداتها وشعائرها الدينية. وهكذا جاء في رسالة الفصول ما يلي:

>>...وأخذوا لإقامة الصلاة التي هي في الكتب الموقوف على المؤمنين، والحكم المثبوت على كل من آمن بهذا الدين، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع من الوظائف والقوانين...وأخذوا العوام ومن في الديار بحفظ أم القرآن وسورة معها، وما تيسر من القرآن لتتم صلاتهم ويكمل عملهم.

وأخذوا بإيتاء الزكاة وبالكشف عن معانيها، وتشخيص ممسكيها أو الشيء اليسير منها، وأمروا بالنظر في الربوب، وتمييزها، والهجوم على بائعيها ومدمني شربها ومستعملها، فيراق مسكرها، ويقطع منكرها؛ وليكشف عن الذين يغرمون الناس ما ليس قبلهم، ويأكلون بالباطل أموالهم<<.

وقد طبق الأمراء الموحدون، عند استلامهم السلطة، هذه التعاليم وتشددوا في تنفيذها. وهكذا حرص عبد المؤمن بن علي على "تغـيير المنكرات ما كانت"، وأشرف يعقوب المنصور على احترام هذه التعاليم ومعاقبة من يخالفها. "فقد ... أمر...بقراءة البسملة في أول الفاتحة في الصلوات...كما كان المنصور يتشدد في إلزام الرعية بإقامة الصلوات الخمس، وقتل في بعض الأحيان على شرب الخمر... وكان يعاقب على ترك الصلوات ويأمر بالنداء في الأسواق بالمبادرة إليها، فمن غفل عنها أو اشتغل بمعيشته عزره تعزيرا بليغا".

كما تم تكليف المحتسبين "بمراقبة سير التجار والصناع والفلاحين وأحوال الناس في الأسواق والمساجد والحمامات وسائر المؤسسات، شعارهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليسير الناس في طريق سوي موافق لما أمر به الشرع الحكيم". وفي العهد المريني حرصت الدولة على مأسسة هذه الوظيفة؛ إذ أصبحت من ضمن الأجهزة الإدارية للسلطة المركزية. وهكذا يشير بكريم إلى اهتمام المرينيين "بهذه الوظيفة، إذ جعلوها أحد العناصر الأساسية في الإدارة العامة. وتتجلى مهمة المحتسب في الإشراف على شؤون السوق من جهة ما يستعمل فيها من موازين ومكاييل، والتأكد من جودة البضائع خوفا من مضرتها على الصحة العامة. ويحكى أن المحتسب المريني صنع ذراعا مضبوط قياسها لتكون أساسا لما بين جميع أهل القيساريات التي تباع فيها الأقمشة والمنسوجات. وكان المحتسب يقوم بدور الحكم في الخصومات التي تنشب بين أهل الصناعة الواحدة في ما بـينهم، وأحيانا في الخلافات بين البائـع والمشتري".

ونظرا لهذه المكانة التي احتلها نظام الحسبة في العهد المريني؛ فقد منحت لهذا الجهاز عدة إمكانيات بشرية وإدارية. وفي هذا يقول الأستاذ بكريم:

"لما كانت الحسبة بجانب كبير من الأهمية في نظام الإدارة، ولكي يتمكن المحتسب من القيام بمهامه على أحسن وجه، وليصل إلى تحقيق الأهداف التي وجدت من أجلها، فقد كان يتخذ له أعوانا وغلمانا يجمعون له الأخبار...وأخذ العامة كي يحافظوا على الآداب العامة.

ويتخذ المحتسب أعوانه من ذوي الخبرات المختلفة للصناعات كعرفاء السوق وأمناء الصناعات، لكون هؤلاء أعرف بأسرار المهن وأقدر على كشف الغشوش الأكثر خفاء ... وكان المحتسب في هذا العهد يلتجئ إلى فرض عقوبات جسدية ومعنوية على أرباب الصناعات الرديئة أو أصحاب السلع المغشوشة"... "وكان يلجأ إلى إتلاف السلع الفاسدة...والتشهير بالبائع...".

وعموما فقد ساهمت كل الإجراءات المتخذة من طرف الحكام المغاربة، سواء كانوا من المرابطين أو الموحدين أو المرينيين، في تحقيق وحدة الأمة المغربية، وذلك من خلال:

- توحيد عقيدتها الدينية

- توحيد شعائرها الدينية

- توحيد معاملاتها الدينية

2- إمارة المؤمنين وتجسيد الأمة

إن تكون الأمة المغربية كان يتطلب أن تتجسد في كيان مركزي أسمى يقوم بتمثيلها. ومن ثمة تبلورت مؤسسة إمارة المؤمنين بكل ألقابها ومراسيمها واختصاصاتها.

- تبلور إمارة المؤمنين

من المعروف أن اللقب السياسي الذي كان يطلق على الحكام المغاربة بعد الفتح العربي هو لقب "الأمير". وحتى في بداية عهد المرابطين كان اللقب مازال مستعملا وشائعا. فقد "اتخذ المؤسسون الأول لدولة المرابطين لأنفسهم بادئ ذي بدئ لقب "الأمير"، وهو لقب ظل يطلقه المرابطون على زعمائهم ابتداء من عهد أمير لمتونة أبي زكريا يحي بن عمر اللمتوني".

غير أنه في عهد يوسف بن تاشفين تم تغيير هذا اللقب السياسي وتعويضه بلقب سياسي آخر. وقد اختلف المؤرخون حول الدوافع التي كانت وراء هذا التغيير. فصاحب القرطاس يرجع ذلك إلى الانتصار الذي حققه يوسف بن تاشفين بالأندلس ويؤيده في ذلك ابن خلدون ولسان الدين ابن الخطيب.

أما صاحب الحلل الموشية فله رواية أخرى، إذ يشير إلى أن "يوسف لما كثرت فتوحه في أنحاء المغرب وتضخمت مملكته واتسعت أعماله، اجتمع إليه أشياخ قبيلته وأعيان دولته وزينوا له أن يتلقب بأمير المؤمنين، فأبى أن يستجيب لهم لأن لقب أمير المؤمنين من ألقاب خلفاء بني العباس، لكونهم من تلك السلالة الكريمة، لأنهم ملوك الحرمين... في حين أنه لا يعدو قائما بدعوتهم، واقترح عليهم أن يتسمى بأمير المسلمين وناصر الدين".

وإذا تمعن المرء في ملابسات التلقب بهذه التسمية سيستخلص أن ذلك لا يرتبط بحدث معين أو توقيت محدد أو استجابة لرغبة معينة؛ فكل هذه تفاصيل تاريخية تندرج في إطار سياق سياسي عام. هذا السياق السياسي الذي كان مرتبطا بالتطور الذي بلغه المجتمع. ذلك أن تجانس مكونات الأمة كان يتطلب انعكاسا سياسيا ومؤسسيا، ما تجلى في ظهور "إمارة المؤمنين".

وحتى استنكاف يوسف بن تاشفين من التلقب بأمير المؤمنين، لاعتبارات دينية وسياسية ودبلوماسية، لا ينفي أن التسمية كانت تفرض نفسها، فرغبة الأشخاص، ولو كانوا حكاما، لا تغير منطق الأشياء ولا يمكنها أن تـتجاوز سياق الأحداث.

لذا فبمجرد صعود الموحدين إلى الحكم بادروا إلى اتخاذ لقب أمير المؤمنين، الذي أصبح اللقب الرسمي السائد في مختلف دواليب ومراسلات الدولة، سواء في داخل المغرب أو خارجه. وقد تكرس هذا اللقب مع المرينيين ليترسخ مع السعديين والعلويين.

- مراسيم إمارة المؤمنين

إن المراسيم عـادة ما تعكس المكانة السياسية التي تلعبها أي مؤسسة داخل المجتمع. لذا فإن الصدارة التي كان يحتلها أمير المؤمنين أدت إلى بلورة عدة مراسيم تحيط بشخصه وبتحركاته.

وهكذا قام يوسف بن تاشفين باتخاذ "البنود والأعلام البيضاء المدبجة بالآيات القرآنية، وأحاط نفسه بطبقة من الحـشـم والأتـبـاع، وهم بـمثابة الحرس الخاص بالأمير ويـدخل في عدادهم العبيد السود الذين اشتراهم من السودان والمماليك الصقالبة الـذين اشتراهم من إسبانيا...وكذلك نظم مقابلاته واستقبالاته عن طريق الحجاب".

كما اهتم الموحـدون بـخـلـق مـجـمـوعـة مـن المراسيم التي كانت تضفي هالة على شخص أمير المؤمنين وتحيطه بنوع من القدسية. وتتلخص هذه المراسيم في:

* اتخاذ البياض كشعار للإمارة.

* اتخاذ لباس خاص للخليفة.

* اتخاذ قبة حمراء يجلس فيها الخليفة أثناء السفر وأثناء الجهاد.

*جلوس الخليفة في مقصورة خاصة به أثناء مزاولة الحكم والنظر في أمر الرعية.

* اتخاذ الحجاب لتنظيم استقبالات الخليفة.

* تقديم المصحف العثماني في موكب الخليفة.

- صلاحيات أمير المؤمنين

بوصفه الممثل الأسمى للأمة، فإن أمير المؤمنين أصبحت له سلطة ذات طابع ديني ودنيوي. فقد أصبح هذا الأخير يتكلف بكل المهام التي تحافظ على الوحدة الدينية للأمة وتـصون شعائرها. وهكذا اهتم الخلفاء بالحفاظ على الإيديولوجية الرسمية للدولة التي تتمثل في ضمان استمرارية "الإسلام السني المالكي"؛ فحرصوا على الإشراف على مختلف المؤسسات الدينية داخل الدولة وتكوين الأطر التي تسهر على تكريس دين الدولة وحمايته من كل تأثير أو بدعة. وكان الفقهاء في عهد المرابطين يقومون بهذه المهمة من خلال استشارة الأمير لهم وإصدار الفتاوى حول كل ما يتعلق بالمسائل الدينية؛ كما كانوا يتكلفون في النظر في ما ينشر من كتب دينية وفقهية بالبلاد، ويفرضون نوعا من الرقابة عليها (إحراق كتب الغزالي). كما كون الأمراء الموحدون أطرا دينية تكلفت هي أيضا بالحفاظ على الايديولوجية الرسمية للدولة، واستجلبوا علماء وفقهاء من الأندلس ومن الشرق لهذا الغرض.

وهكذا "فلما استقر الأمر لعبد المؤمن بعث يستجلب العلماء من أهل كل فن، فجاءه العلماء والفقهاء، ونزلوا حضرته، واستقروا فيها، وتفريقا لهم عن طلبة الموحدين سماهم بمراكش وبنى يعقوب المنصور الجامع الأعظم ومنار جامع الكتبيين وجامع حسان. وكل هذه الجوامع لم تكن فقط مساجد لصلاة جموع الأمة، بل كانت أيضا رمزا من رموز "الأبهة الدينية للدولة" وصرحا من صروح عظمتها ومجدها".