عندما جرّت خمس كلمات في "جريدة التحرير" اليوسفي إلى السجن

عندما جرّت خمس كلمات في "جريدة التحرير" اليوسفي إلى السجن

"الحكومة مسؤولة أمام الرأي العام"، جملة من خمس كلمات تصدرت الصفحة الأولى من جريدة "التحرير"، وكادت أن تلقي في السجن برئيس تحريرها الذي لم يكن آنذاك إلا عبد الرحمان اليوسفي، الذي خضع لاستنطاق الشرطة التي أحالته بدورها على قاضي التحقيق.

وأوضح اليوسفي، في حوار مطول أجراه معه الكاتب الصحافي جمال المحافظ، خلال إعداده بحث الدكتوراه حول مسار وتحولات العمل النقابي في الميدان الصحافي والتأثيرات المتبادلة بين العوامل السياسية والنقابية وبين الممارسة الصحافية، أن تقديمه أمام قاضي التحقيق سنة 1959 "كان نتيجة بضع كلمات فقط نشرناها في جريدة التحرير، فكان مصيرنا الاعتقال، وبعد ذلك سقنا إلى السجن"..يقول ساخرا الوزير الأول في حكومة التناوب.

وفي السياق نفسه أضاف الوزير الأول في حكومة "التناوب التوافقي" ما بين 1998 و2002: "لقد شرحنا للقاضي جيدا أثناء فترات التحقيق أن الرأي العام تمثله الصحافة التي أصبحت سلطة رابعة معترفا بها في العالم كله، إلى جانب السلطات الدستورية، أي التنفيذية والتشريعية والقضائية. وزدنا في التوضيح كذلك أن كل المفكرين يجمعون على أن هناك قوة رابعة في المجتمع هي قوة الرأي العام".

ويواصل اليوسفي الحكي عن ملابسات وتفاصيل هذه "المتابعة القضائية" بالقول: "اعتقلنا من أجل ذلك الموضوع المنشور بالجريدة (كان مديرها آنذاك الفقيه البصري)، وتم تقديمنا بعد ذلك أمام قاضي التحقيق، الذي بادر إلى طرح سؤال حول ماذا كنا نقصد بتلك العبارة (الحكومة مسؤولة أمام الرأي العام)، فقلت في جوابي: "سيدي القاضي إن المعروف عالميا أن هناك أربع سلط، والرأي العام هو السلطة الرابعة التي تمثلها الصحافة. ونحن لم نخترع شيئا جديدا أو شيئا من وحي خيالنا..إن هذا الأمر معمول به في كل المجتمعات المتحضرة".

وتزامن إصدار هذا المقال، يتذكر عبد الرحمان اليوسفي، مع فترة تولى عبد الله إبراهيم رئاسة الحكومة، وكان إلى جانبه عبد الرحيم بوعبيد وزيرا مكلفا بالاقتصاد. "دعا محمد الخامس حينذاك إلى عقد اجتماع عاجل لمجلس الوزراء، توجه في مستهله بسؤال مباشر إلى مولاي عبد الله إبراهيم: أنت يا رئيس الحكومة مسؤول أمام من؟ فأجابه على الفور: أمام جلالتكم. فرد عليه الملك محمد الخامس: وما هو تفسيرك وقولك في ما تضمنه المقال الذي كتبه صاحبك، (في إشارة إلى اليوسفي)، فظل مولاي عبد الله صامتا ولم يرد على سؤال الملك". يشرح عبد الرحمان اليوسفي، الذي يخلص إلى القول: "فهمنا آنذاك في أسرة تحرير الجريدة أن هذا هو الأصل في قرار إحالتنا على القضاء ومحاكمتنا، لأن السلطات العليا - وعلى كافة مستوياتها - كانت لا تستسيغ آنذاك هذه الفكرة، بل وأكثر من ذلك لا تؤمن في ذلك الوقت بأن تكون الحكومة وأعمالها أيضا تحت رقابة سلطة الرأي العام الذي تؤثر في توجهاته بطبيعة الحال الصحافة، التي كان لها دور أساسي في الحياة العامة".

يذكر أن الملك محمد الخامس كان قد كلف سنة 1959 عبد الله إبراهيم بتشكيل أول حكومة سياسية في المغرب بعد مرور ثلاث سنوات على نيل الاستقلال، تقودها شخصية من المعارضة اليسارية، ممثلة في الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الذي أنيطت بعناصره أهم الحقائب الوزارية مباشرة بعد انفصاله عن حزب الاستقلال، خلفا لأمينه العام أحمد بلافريج، الذي لم تستغرق حكومته إلا نحو ثمانية أشهر على تعيينها.

وباعتباره من مؤسسي النقابة الوطنية للصحافة المغربية سنة 1963، إلى جانب كل من عبد الكريم غلاب ومصطفى العلوي وعلي يعتة وآخرين (جيل التأسيس)، تحدث عبد الرحمان اليوسفي، في هذا الحوار، عن مختلف المراحل والمحطات التي رافقت إحداث أول إطار نقابي للصحافة؛ فضلا عن السياقات والتحولات التي أثرت على هذه المنظمة المهنية والإشكالات والصعوبات التي واجهت الممارسة الصحافية في مغرب نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات من القرن الماضي.

وضمنت أطروحة الباحث والإعلامي جمال المحافظ، والتي تعد الأولى من نوعها التي تناقش إشكاليات العمل النقابي في الميدان الصحافي، ملاحق وحوارات مع أجيال النقابة، ومنهم محمد اليازغي، ثاني كاتب عام للنقابة، ومحمد البريني، عضو المكتب الوطني، وهما من جيل "التأهيل والتنظيم"؛ كما ضمت حوارات مع كل من يونس مجاهد، رابع كاتب عام للنقابة، وعبد البقالي، الرئيس الحالي للنقابة، والبشير زناكي، عضو المكتب الوطني للنقابة، وهم من جيل "التغيير في ظل الاستمرارية".

واشتملت هذه المقابلات على شهادات وآراء هذه الأجيال المتنوعة من الصحافيين الذين اضطلعوا بمهام قيادة النقابة الوطنية للصحافة المغربية، ساهمت عمليا في تأسيس النقابة الوطنية للصحافة المغربية، وتحملت مسؤولية قيادة هذه المنظمة الصحافية، ومنها من تحمل في ما بعد مسؤولية تدبير الشأن العام، خاصة في منتصف التسعينيات.