عباس الجراري

عباس الجراري

ما أجمل أن يتشبه الابن بالأب في حمل القيم الجماعية المشتركة، قيم الوطنية والتدين الصالح، قيم الإبداع وخدمة الأمة..

أديبنا المغربي، كان والده، رحمة الله عليه، من طـراز الرجال الذين طرزوا للمغرب أبهى حلة، وبنوا أروع بناء يجسد خصوصية البلاد في معارك الأدب والفكر والتدين والوطنية.

إنه الأديب والمفكر المبدع عباس الجراري، نجل فقيد المعرفة النافعة والجهاد الصادق والثقافة الغنية عبد الله الجراري، رحمه الله، مبدع ذكر اللطيف الوطني ضد الظهير البربري إبان فترة الحجر والاستعمار الفرنسي.

قامة من قامات المغرب الثقافية.. رجل القلـم والعلم والمساهمات الواسعة في فصول المعرفـة والنشاط الفكري العام. أعطى عطاء سخيا غزيرا وحظا موفورا من الجهـد في خدمة الأدب والثقافة والوطن أيضا. يستحق أن يحمل لقب عميد الأدب المغربي، ويرث مكانة عظام الأدباء الذين مروا قبله في المملكة.

كان ولا يزال، رغم أنه بلغ من العمر عتيا، كعبه عاليا وقوله راسخا في كل المحافل الأدبية والثقافيـة والتعليمية ذات الصيت الذائع عبر العالم. رجـل يخلص النية أشد الإخـلاص في أداء رسالة الأديب المفكر العالم المسؤول الواعي بجسامة المهمـة المنوطـة به. إحساسه المهذب كأديب تذوق اللغة ومفرداتها حد السكر الروحاني، موسوعية ثقافته، تعقله، انضباطه، نبله، حياؤه، تواضعه وذوقه الفني الراقي الأصيل، كلها مكونات شخصية ساندته في خوض عباب المسؤوليات الرسمية والأخلاقية والإنسانية، خصوصا تلك المرتبطة بصرح الدولة.

عباس الجراري، الرجل الذي حمل همّ الدولة والوطن عندما اقتضت أمورها أن يكون من بين مستشاري قائد الدولة، الفتى الذي حافظ في فكره وثقافته وأدبه على الخصوصية المغربية عندما كتب وألف عشرات الكتب وألقى عشرات المحاضرات والدروس في الشعر والفنون والأدب والتراث، الإنسان الذي أتقن فن التواصل عندما كان ديبلوماسيا، الواعظ الذي أجاد في تقديم الموعظة الحسنة عندما كان فقيها عالما وخطيبا بالمسجد، كلها تقوم مقام الشواهد على رفعة منزلته، وسمو درجته، وسعة خدماته للبلاد والعباد وللإنسانية.

في زمن المسخ الثقافي والتشوه الفكري والتطرف السلوكي، ظل الرجل على مدرسة الإخلاص للأب العالم العامل وللقيم الأصيلة. ظل واقفا يلقي في الناس دروسا بليغة في المعرفة وتذوق الجمال سر الوجود الإنساني. ووفاء للأوفياء من طينة عباس الجراري، كان من الجمال بمكان أن تزين سرر الطالعين بوجوده في طليعتهم.