سينما المرأة بعدسات أنثوية.. عمق إنساني يطارد "ضجيج الجسد"

سينما المرأة بعدسات أنثوية.. عمق إنساني يطارد "ضجيج الجسد"

"بلا وطن" "صوفيا" "إطار فارغ" و"آدم" وغيرها من العناوين الصريحة والرمزية، التي تفاوتت قيمتها الفنية واجتمعت في طرحها لقضايا المرأة في السينما المغربية طيلة الموسم السينمائي الحالي، انغمست من خلالها في الدفاع عن جانب العمق الإنساني ومطاردة "ضجيج الجسد" بعدسات أنثوية.

حضور المرأة في العديد من النماذج السينمائية المغربية الموقعة بصيغة أنثوية جعل قضايا المساواة والشرف والحقوق القانونية للمرأة عنوانا جذابا لإبداعاتها، وأثبت من خلالها أنها ليست مجرد وجه وجسد جميل فقط؛ بل استطاعت، كمخرجة أو كاتبة سيناريو، أن تسلط الضوء على العنف والظلم الذي تتعرض له في مجمل أعمالها.

معاناة برؤى مختلفة

توحدت المخرجتان مريم بن مبارك ومريم التوزاني في طرحهما لقضية الأمهات العازبات؛ لكن "صوفيا" جرت انتقادات حادة لمخرجته من لدن الناشطات النسائيات، بسبب ما اعتبرنه أنه "يسيء إلى الأمهات العازبات؛ ولا يعكس المعاناة التي يعشنها من تأزم لأوضاعهن وحالتهن النفسية، فضلا عن نظرة المجتمع السلبية لهن".

ويحكي الفيلم قصة شابة عمرها 20 سنة، تدعى "صوفيا"، تحمل خارج مؤسسة الزواج، وتقرر توريط شاب من الطبقة الفقيرة يدعى "عمر"، للتستر على حملها.

تتطور أحداث الفيلم فتكشف أن "عمر" ليس أب المولود، ولم يقم بأي علاقة جنسية مع "صوفيا"، ورضي مرغما بالزواج تحت تهديدات الشرطة، قبل أن يقنع نفسه بأن زواجه من صوفيا فرصة ذهبية لتحسين مستواه المعيشي؛ في حين أنها تعرضت للاغتصاب من أحمد، شريك والدها في مشروع فلاحي واعد، وكذبت بشأن عمر، الذي لم تلتق به سوى مرة واحدة، من أجل "الحفاظ على شرف العائلة" وعدم تعطيل مشاريع والدها.

في مقابل ذلك، نجحت التوزاني في تصوير معاناة هذه الفئة في قالب سينمائي متميز، واعتماد زاوية إخراجية جديدة وضعت فيها التفاصيل تحت مجهر عدسات الكاميرا لرصد الحياة اليومية لأم عازبة وتصوير الشخصيات عن قرب من المعاناة، بالإضافة إلى الأداء المقنع طيلة ساعة وأربعين دقيقة من الفيلم، حيث أبانت نسرين الراضي في دور "سامية" على قدرة كبيرة في خلق إحساس رهيب، جعل "آدم" يتبوأ مكانة مميزة في المشهد السينمائي العربي والعالمي".

عمق إنساني

طرح آخر توعوي، انغمست فيه المخرجة نرجس النجار لتغطية المعاناة الإنسانية لإحدى المحطات السوداء في تاريخ النزاع السياسي بين الجزائر والمغرب في سنة 1975، من خلال العمل السينمائي "بلا وطن".

ويصور الفيلم قصة امرأة من أب مغربي وأم جزائرية، انفصلت عن أمها منذ أن كانت طفلة، بسبب الطرد القسري خلال الأزمة السياسية بين الرباط والجزائر، وغادرت مع والدها نحو المغرب، الأخير الذي سيموت كمدا بعد تشتت أسرته.

وفي فيلم "إطار فارغ"، اختارت سناء عكرود أن تتحرر من حسها الكوميدي لتنقل معاناة المرأة القروية في مواجهة قسوة الحياة والمجتمع، وفق إيقاع درامي بطيء.

على الرغم من بساطة الحكاية، فإن الفيلم السينمائي يحمل في عمقه دلالات عميقة، من خلال قصة "فاطيم"، الفتاة الحامل في شهرها السادس التي وجدت نفسها في مغامرة البحث عن الذات والوجود، بعدما اضطرت إلى السفر إلى المدينة لتركيب عدسات نظارات تخص شيخ قريتها.

مخرجات ثائرات

الناقد الفني عبد الإله الجوهري اعتبر أن "سينما المرأة المغربية وصلت إلى مرحلة النضج، ويمكن التأكيد على أن هناك تطورا مهما في ما يخص المرأة في السينما المغربية على الأقل من الناحية العددية، حيث أنه في البداية كانت هناك مخرجة واحدة، هي فريدة بليزيد، التي تعتبر أقدم سينمائية مغربية في مجال الإخراج؛ لكن اليوم نلاحظ أن هناك نوعا من السينما التي وراءها نساء مخرجات ليس لكونهن نساء، ولكن باعتبارهن لهن تصور خاص في الإخراج السينمائي، وجئن بأفلام تعالج قضايا المرأة ولكن برؤية خاصة بها.

المجال السينمائي، حسب الناقد الفني، يسير وفق تيارين: "الأول تجاري الذي يعيد تكريس تلك الصورة لنمطية السلبية للمرأة (الجميلة/ الغبية/ المغرية)، وتيار ثان وهو التيار الذي يقوده الجيل الجديد من المخرجات اللواتي اشتغلن على تصحيح تلك الصورة الدونية عن المرأة التي شاعت عنها منذ سنوات من خلال الشاشة الفضية وتقديم صورة مشرفة عن واقعها"، يؤكد الجوهري في حديثه لهسبريس.