20 سنة من حكم الملك محمد السادس .. ملامح "ثورة نسائية" هادئة

20 سنة من حكم الملك محمد السادس .. ملامح "ثورة نسائية" هادئة

لا يختلف اثنان على أنه على مر عشرين سنة الماضية من حكم الملك محمد السادس، كانت أهم القرارات والخطوات التي تهم النساء تنجز بأمر ملكي؛ تعددت المبادرات واختلفت، إلا أن جلها كان يصب في إطار المصلحة العامة للنساء.

فوزية العسولي، ناشطة حقوقية، قالت في حديث لهسبريس إن الملك محمدا السادس "منذ توليه العرش، عمل على الاستجابة لنضالات الحركة النسائية، ودعا إلى رفع الحيف والتمييز عن النساء"، مشيرة إلى أن "أول خطاب للعرش تضمن رسالة واضحة لاختيار الملك إنصاف النساء والدعوة إلى مناهضة التمييز".

لطيفة بوشوى، رئيسة فيدرالية رابطة حقوق النساء، أكدت بدوها الإنجازات المهمة التي تم إحداثها على مدار العشرين سنة الماضية، موردة أنها "تمت بشكل تدريجي، خاصة خلال العقد الأول من تولي الملك محمد السادس للحكم".

مبادئ دستورية

وضع الدستور المغربي المرأة على قدم المساواة مع الرجل، ويؤكد عدد من الباحثين أن الوثيقة الدستورية الحالية جاءت بمبادئ أكثر إنصافا للنساء وبنقاط إيجابية متعددة.

تقول العسولي: "إذا كانت الرسائل والخطابات المتتالية تعبر عن الرغبة في النهوض بحقوق النساء، فإن الدستور المغربي يؤكد الانخراط في شمولية حقوق النساء"، مبرزة أن "الخطابات التوجيهية للملك تكرست بشكل واضح في الدستور".

وترى العسولي أن "أبرز نقاط قوة دستور 2011 تكمن في إقراره للمساواة الكاملة بين الجنسين، ناهيك عن كون الدولة التزمت في ديباجته بحظر التمييز بشتى أنواعه".

وينص الدستور في الفصل 19 على أنه "يتمتع الرجل والمرأة على قدم المساواة بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية الواردة في هذا الباب من الدستور وفي مقتضياته الأخرى، وكذا في الاتفاقيات والمواثيق الدولية كما صادق عليها المغرب، وكل ذلك في نطاق أحكام الدستور وثوابت المملكة وقوانينها".

ما نص عليه الدستور من امتيازات واكبه أيضا التزام المغرب بالمواثيق والقوانين الدولية التي ما فتئ يصادق عليها، لضمان الالتزام بحقوق الإنسان في شموليتها.

مدونة الأسرة

لا يختلف اثنان على أن مدونة الأسرة تعتبر من أهم إنجازات العشرين سنة الماضية، ويرجع الفضل في وضعها إلى الملك محمد السادس الذي أعطى تعليماته بما يجب أن تتضمنه.

المدونة عززت قوانين النساء والأطفال، خاصة فيما يتلق بالزواج والطلاق والولاية والحضانة، وعلى الرغم من أن هناك أصواتا تنادي بمراجعتها في الوقت الحالي، إلا أن المدونة آنذاك كانت بمثابة "ثورة".

تقول العسولي: "اعتبرت الحركة الحقوقية مدونة الأسرة ثورة هادئة تنقل النساء من مواطنة من الدرجة الثانية إلى مواطنات، اعترفت بحقوقهن في المساواة في سن الزواج وإنهاء العلاقة الزوجية، وجعلت منع التعدد كقاعدة بالرغم من أنها حافظت على الاستثناء".

وترى العسولي أن المدونة كانت تمثل أول خطوة في اتجاه إقرار المساواة بين النساء والرجال، وشكلت بامتياز محطة مهمة في مسار قضايا النساء ومناهضة التمييز، "رغم أن بعض البنود احتفظت بالتمييز"، بتعبير المتحدثة.

من جانبها، أشادت بوشوى بـ "الاعتراف بالمساواة في مدونة الأسرة"، قائلة إن هذه المدونة "حملت اعترافا بتحول دور المرأة في الأسرة".

فتح مهنة "العدل" أمام النساء

في يناير من السنة الماضية أعطى الملك أوامره لفتح مهنة العدل أمام النساء، وأعلن الناطق الرسمي باسم القصر حينها أنه "بعد اطلاع العاهل المغربي على رأي المجلس لجواز ممارسة المرأة لمهنة عدل، بناء على الأحكام الشرعية المتعلقة بالشهادة وأنواعها، والثوابت الدينية للمغرب، وفي مقدمتها قواعد المذهب المالكي، واعتبارا لما وصلت إليه المرأة المغربية من تكوين وتثقيف علمي رفيع، وما أبانت عنه من أهلية وكفاءة واقتدار في توليها لمختلف المناصب السامية، كلف الملك وزير العدل بفتح خطة العدالة أمام المرأة، واتخاذ التدابير اللازمة لتحقيق هذا الهدف".

الخطوة لقيت ترحيبا كبيرا من قبل مختلف الفاعلين والحقوقيين، وتقول بوشوى إن "فتح مهنة العدل أمام النساء شكل سابقة ومبادرة جد إيجابية"، خاصة أن الأمر يتعلق بالحقل الديني الذي كان دائما حكرا على الرجال.

وتعتبر بوشوى أن السماح للمرأة بممارسة هذه المهنة "يفتح أمامها الباب لولوج حقول كان يقتصر الدخول إليها على الجنس الآخر".

وعلى مدار حكم الملك محمد السادس مثُلت أكثر من مرة نساءٌ أمامه لتقديم دروس دينية في مناسبات عديدة، أبرزها الدروس الحسنية.

النساء السلاليات

من أبرز نقاط الضوء التي عرفتها حقوق النساء خلال العقدين الأخيرين، قانون الوصاية الإدارية على الجماعات السلالية وتدبير أملاكها، الذي يضمن "تكريس المساواة بين المرأة والرجل أعضاء الجماعة السلالية في الحقوق والواجبات، طبقا لأحكام الدستور"، وذلك بعد عقود من حرمان النساء السلاليات من حقهن في تملك واستغلال أراضي الجموع.

وسبق للملك محمد السادس أن تفاعل مع الأصوات الوطنية والدولية الداعية إلى معالجة الإشكاليات التي تطرحها الأراضي السلالية بالمغرب، خصوصا في النقطة المتعلقة بانتفاع النساء السلاليات من حقهن أسوة بالرجال.

وفي سنة 2014، أطلق المغرب، تحت الرعاية الملكية، حوارا وطنيا حول هذا الموضوع أسفر عن توصيات؛ من بينها إصلاح الإطار القانوني المنظم للجماعات السلالية وتدبير الأراضي الجماعية. كما دعا العاهل المغربي، في مناسبات عدة، إلى إصلاح القانون الإطار المتعلق بالأراضي السلالية.

وينص القانون الجديد على إدخال تعديلات على الظهير الشريف الصادر في 27 أبريل 1919 المتعلق بالجماعات السلالية، من أجل تقييد اللجوء إلى العادات في تدبير شؤون الجماعات السلالية واستغلال أراضيها واعتمادها في الحدود التي لا تتعارض مع النصوص القانونية والتنظيمية الجاري بها العمل، وأيضا تكريس المساواة بين النساء والرجال أعضاء الجماعة السلالية في الحقوق والواجبات.

النساء والسياسة

خلال العشرين سنة الماضية ارتفعت تمثيلية النساء بالبرلمان المغربي، كما بدأن يلجن شيئا فشيئا إلى مراكز القرار. وبهذا الخصوص، أشادت العسولي بفتح المجال أمام المرأة للولوج إلى مناصب القرار ورفع التمثيلية النسائية بإقرار اللائحة الوطنية.

وتقول العسولي: "كانت هناك خطوات في دعم الولوج إلى المناصب الانتخابية ومصادر القرار"، منتقدة التفاعل الحكومي مع مثل هذه المبادرات التي تروم الرفع من شأن المرأة، مشيرة إلى "غياب الإرادة السياسية لدى الفاعل الحكومي والبرلماني".

قانون مناهضة العنف

يعد قانون مناهضة العنف ضد النساء من بين النقاط الإيجابية التي تم تسجيلها خلال السنوات الأخيرة، إلا أنه على الرغم من ذلك "لا يرقى إلى تطلع الحقوقيين".

وأشادت العسولي بإقرار الخطة الوطنية لمحاربة العنف ضد المرأة، منتقدة عدم تجسيدها بترسانة قانونية واضحة، معتبرة أنه على الرغم من المبادرات الملكية إلا أنه "لم تكن هناك إرادة سياسية كاملة للنهوض بحقوق النساء".