فاطمة هندي .. مولّدة تقليدية من شفشاون تتدثّر بالخير والتطوّع

فاطمة هندي .. مولّدة تقليدية من شفشاون تتدثّر بالخير والتطوّع

سيدة ذات أفضال كثيرة لم تتغيّر وإن تغيّرت الوجوه والتفاصيل.. يلزمنا بعض الوقت الطويل لنحصي الخطوات الكبيرة التي تخطوها في صمت، بين يوم وآخر وربما ساعة وأخرى، لتستقبل ببركة يديها أرواحاً قادمة إلى الحياة.

فاطمة هندي المتدثّرة ببياض الصّفاء والتطوّع (الحايك الشفشاوني الأصيل) .. أو فاطمة "الدوتشّا " كما يسمّيها البعض، لأنها سبق أن اشتغلت كمستخدمة بأحد الحمامات بمدينة شفشاون.. هي العين والقلب والطِيبة والعاطفة الجياشة والمتأهبة لعمل الخير في زمن قلّت فيه القيم والفضائل.. وزد على ذلك بلاغة اللسان والصّبر في خدمة النّاس، حيث توزّع كل هذا بالتساوي على كل من يقصدها.

لم تكن هذه السيدة البركة، ذات الـ74 عاماً، إلا قدراً إنسانيا رفع تحدّي المبادرة، بعيداً عن منطلقات الادخار وهواجس العيش ومخاوف اليومي.. بل الأمر عندها مختلفاً إلى حدّ كبير، إذ ترفض رفضاً باتاً أيّة أجرة أو تعويض عن عملها. في بداياتها الأولى والتي كانت منذ 40 سنة تقريباً كمولّدة تقليدية، تعلمت منطلقات هذا العمل بالاعتماد على النّفس وبخبرة حياتية عصامية، محمّلة بحدسها وذكائها وهما يقودانها إلى طرقات الخير.

تلك الطرقات التي قد تسافر بها، في أي فصل أو لحظة ولو في منتصف الليل، تطوّعا، إلى أمكنة داخل المدينة والإقليم أو إلى بعض المدن الأخرى المجاورة: طنجة وتطوان والعرائش ووزان، بعد أن تتهيأ بالوضوء وركعتين، لتنزل ببركتها ضيفة حذقة على النساء وهن في حرارة المخاض بما توافر لها من قدر كافٍ من الخبرة والمعلومات، مكتفية بالاشتغال بيديها وقلبها وبحاسة اللّمس وبأدوات تقليدية بسيطة ومُعقّمة، وهي تساعد الحوامل على الولادة.. أو تقدّم استشاراتها حول بعض الأمور الطارئة، ومنها التي قد تغيّر مجرى وحركات المولود داخل بطن أمّه، فتعمل على تسوية كل هذا بخبرة مُحكمة وطويلة.

تقول فاطمة التي ازدادت بقيادة تنقوب إقليم شفشاون: "أكتفي بإجراء ولادات تقليدية طبيعية، وإذا ما أحسست بأن السيدات الحوامل يحتجن للعمليات القيصرية، أقترح عليهن التوجه إلى طبيب النساء المختص للقيام بهذا العمل، نظرا لدقته". وتضيف حسب خبرتها إلى أنها تخبر النساء اللواتي على وشك الولادة بالمدد الزمنية تقريباً حين استشارتها؛ فـ"منهن من يلدن بعد ساعة أو أربع ساعة أو 12 ساعة أو 24 ساعة، حيث يكون الوقت المحدد الذي أخبرهن به هو تقريباً.. بالإضافة إلى معرفة أنواع الآلام المصاحبة والتي تختلف من سيدة إلى أخرى".

وهي تنسج خيطاً موصولا يحمل في بعده الإنساني.. وفي دلالته ومحتواه، تجارب متصلة، تفتح الحاجة فاطمة باب الحديث مجدداً: "منذ بدايتي لهذا العمل وإلى الآن، استقبلت بيديّ عن طريق التّوليد أكثر من 3000 طفل وطفلة من مدينة شفشاون وخارجها، منهم 31 من التوائم". كما تقدّم بركتها لبعض النّساء اللواتي يقصدنها جراء آلام في الظهر أو الضّلوع، فهي النّبع والبلسم الذي يقصده الجميع، حيث أضحت هذه السيدة الفاضلة، التي تقود الآخرين إلى النّهايات السعيدة، صورة أخرى من الشمائل الذّاتية، مترسّخة في وجدان الكل، تجسّد بحضورها جانباً صوفياً في ثقافة الفعل الاجتماعي والخيري.