عدم "اقتسام الثروة" بين الزوجين يجلب الخيبة إلى مطلّقات مغربيات

عدم "اقتسام الثروة" بين الزوجين يجلب الخيبة إلى مطلّقات مغربيات

كشف بحث ميداني أنجزته "جمعية صوت المرأة الأمازيغية"، حول وضعية تطبيق مقتضيات الفصل التاسع والأربعين من مدونة الأسرة، عن جملة من المفارقات التي تَسم ما تنص عليه مقتضيات فصول مدونة الأسرة، التي دخلت حيز التنفيذ قبل خمسة عشر عاما، وما هو مطبّق على أرض الواقع، وكذا تمثلات فصول المدونة لدى المغاربة.

ومن بين المفارقات التي كشفها البحث الميداني، الذي أنجز في جهة سوس ماسة واستغرق ثمانية أشهر، أنّ الرجال ما زالوا يعتبرون الفصل التاسع والأربعين من مدونة الأسرة، الذي ينص على أن للزوجين أن يتفقا على استثمار أموالهما وتدبيرها بشكل صريح في وثيقة مستقلة، "تحريضا للنساء على التمرد على أزواجهن، وعلى تشجيعهن على طلب الطلاق".

الطيب العيادي، أستاذ علم الاجتماع الذي أشرف على فريق الباحثين الذي أنجز البحث الميداني، قال إنّ بعض الرجال الذين شملهم البحث ذهبوا إلى القول إن الفصل التاسع والأربعين من مدونة الأسرة "كيْضسّر العيالات"، لكنَّ المفارقة، يضيف المتحدث، هي أن نسبة كبيرة من النساء لسْن أصلا على علْم بمقتضيات هذا الفصل من مدونة الأسرة.

وفي مقابل التمثل السلبي السائد لدى الرجال، الذين شملهم البحث حول الفصل التاسع والأربعين من مدونة الأسرة، عبّرت النساء المطلقات، اللواتي لم يقمن بإرفاق وثيقة تدبير الممتلكات بعقد الزواج، عن خيْبتهنّ لعدم معرفتهن بكون مدونة الأسرة تتيح لهن هذا الحق، وأنهن لو عاد بهن الزمن إلى الوراء لأصْررن على اشتراط إرفاق عقود الزواج بوثيقة تدبير الممتلكات.

وينص الفصل التاسع والأربعون من مدونة الأسرة على أنّ لكل واحد من الزوجين ذمة مالية مستقلة عن الآخر، غير أنه يجوز لهما، في إطار تدبير الأموال التي ستُكتسب أثناء قيام الزوجية، الاتفاق على استثمارها وتوزيعها. ويُضمّن هذا الاتفاق في وثيقة مستقلة عن عقد الزواج. ويقوم العدلان بإشعار الطرفيْن عند زواجهما بهذه الأحكام، غير أنّ ما ينص عليه الفصل المذكور من مدونة الأسرة لا يُطبق على أرض الواقع.

وقال الطيب العيادي إنّ أغلب العدول لا يُخبرون النساء المقبلات على الزواج بما ينص عليه الفصل التاسع والأربعون من مدونة الأسرة، مضيفا أن "العْدول كيسوّل البنت ولا المرا اللي بغات تزوج على جوج حوايج، واش قابلة تزوج بالراجل اللي باغي يتزوج بها، وشحال الصداق اللي غادي يعطيها، ثم يبرم العقد، دون أنْ يخبرها بأنّ من حقها أنْ توقع وثيقة مُلحة بعقد الزواج، تحدد كيفية تدبير الأموال المشتركة بينهما خلال مدة الزواج.

وذهب العيادي إلى القول إنّ "العدول يشكلون عائقا أمام تطبيق الفصل التاسع والأربعين من مدونة الأسرة".

عائق آخرُ يُعيق تفعيل هذا الفصل، ويتعلق بالثقافة السائدة في المجتمع المغربي، حيث لا يزالَ العمَل الذي تقوم به المرأة في البيت مُبخّسا من طرف الرجال. في المقابل تعتبر النساء أنفسهنَّ بحاجة إلى أن يصرف الرجال عليهنّ، وهو ما يكرّس إعلاء مكانة الرجل على المرأة داخل بيت الزوجية، وإعطاء قيمة أعلى للعَمل الذي يقوم به خارج البيت، في حين يتم تبخيس مساهمة المرأة في بيت الزوجية، رغم الأهمية القصوى لمساهمتها.

ومن مظاهر تأثير الثقافة السائدة في المجتمع المغربي على تمتيع المرأة بحق التدبير المشارك للأموال المُكتسبة خلال الحياة الزوجية، التي سجّلها البحث الميداني الذي أنجزته "جمعية صوت المرأة الأمازيغية"، سيادة التخوُّف لدى الرجال من كوْن إرفاق عقد الزواج بوثيقة تدبير الممتلكات "وسيلة للاستيلاء على ممتلكات الرجل"، رغم أنّ هذه الوثيقة لا تعني سوى الأموال التي ستُكتسب أثناء قيام الزوجية.

ويعزو الطيب العيادي سيادة هذه التصورات لدى الرجال إلى عاملين رئيسيين، هما عدم التوفر على معلومات حول مقتضيات الفصل التاسع والأربعين من مدونة الأسرة، واعتبار الرجل المجهود الذي تقوم به المرأة في بيت الزوجية غير ذي أثر على تنمية ممتلكات الزوجين، مضيفا "للأسف الشديد، كثير من الأحكام القضائية تزكّي هذا التصور الخاطئ".

عدم توقيع وثيقة تدبير الأموال المُكتسبة أثناء قيام الزوجية يَطرحُ مشاكلَ جمّة بالنسبة إلى النساء في حالة وقوع الطلاق، ويُخلّف مآسي اجتماعية تكون ضحيتها النساء، حسب أمينة زيوال، رئيسة "جمعية صوت المرأة الأمازيغية"، مُوردةً مثال زوجة بمدينة القنيطرة ساهمت إلى جانب زوجها في تنمية مشروع تجاري وبناء بيت، وحين طلّقها لمْ تحكم لها المحكمة بأيّ نصيب من الثروة التي ساهمت في اكتسابها.

وبالرغم من أنّ الفصل التاسع والأربعين ينص على أنّه في حال لم يكن هناك اتفاق بين الزوجين حول تدبير الأموال المُكتسبة أثناء قيام الزوجية، "يتمّ الرجوع إلى القواعد العامة للإثبات، مع مراعاة عمل كل واحد من الزوجين، وما قدمه من مجهودات، وما تحمله من أعباء لتنمية أموال الأسرة"، إلا أنّ النساء يجدن صعوبة في إثبات مساهمتهن في هذا الجانب، وهو "ما يؤدي إلى ضياع حقوقهن، وخروجهن خاليات الوفاض"، حسب أمينة زيوال.

أنس سعدون، عضو نادي "قضاة المغرب"، قال إن من بين الأسباب الرئيسية لضياع حقوق النساء المطلقات المتعلقة بمساهمتهن في الأموال المكتسبة أثناء قيام الزوجية، صعوبة الولوج إلى العدالة، فضلا عن الاختلالات الموجودة في النص القانوني، مضيفا أنّ القاضي ليسَ مُلزما بالبتّ في الأموال المشتركة بين الزوجية إلا إذا أثارت الزوجة هذه المسألة أثناء مباشرة مسطرة الطلاق.

واعتبر سعدون أنَّ من بين المشاكل التي تواجه تنفيذ مقتضيات مدونة الأسرة، وخاصة الفصل التاسع والأربعين، نشر معلومات خاطئة عن هذا الفصل، من قبيل أنّه يُتيح للمرأة، في حال توقيع وثيقة الاتفاق على تدبير الأموال المكتسبة أثناء قيام الزوجية، الحصول على نصف ممتلكات الزوج بعد الطلاق، بما في ذلك الممتلكات التي اكتسبها بمفرده قبل الزواج، رغم أنَّ الفصل المذكور يتحدث عن الأموال والممتلكات المُكتسبة أثناء قيام الزوجية فقط، أي التي ساهما معا في اكتسابها.

وأوضح عضو نادي "قضاة المغرب" أنّ صعوبة الولوج إلى العدالة وغياب تعميم المعلومة القانونية يحُدّان بدورهما من استفادة المطلقات من حقهن في الأموال المكتسبة أثناء قيام الزوجية، إضافة إلى عدم تعميم الاجتهادات القضائية مثل تدخّل محكمة النقض لتوحيد الاجتهاد القضائي فيما يتعلق بتعويض المتعة. وأضاف متسائلا "لماذا لا نجد مُقتضى مماثلا في قضايا تدبير الأموال المشتركة بين الأزواج؟".