صياغة النموذج التنموي الجديد للمملكة "تغفل" إشراك المرأة المغربية

صياغة النموذج التنموي الجديد للمملكة "تغفل" إشراك المرأة المغربية

يحتل النموذج التنموي الجديد حيّزا مهما في النقاش العمومي السائد حاليا، إذ يحظى الموضوع براهنيته داخل الصالونات الفكرية والسياسية والثقافية، بعدما دعا الملك محمد السادس إلى صياغة مشروع تنموي جديد يستجيب لتطلعات المغاربة. لكن هذه القفزة الكبرى تستدعي استحضار رؤية شمولية تزاوج بين مختلف الأبعاد والمقاربات، دون إغفال إشراك جميع الفاعلين المؤسساتيين في مرحلة الإعداد.

ولا شك أن توجه النقاش يدور في فلك الإصلاح المؤسساتي من أجل مصالحة المواطنين مع الفعل السياسي، ومن ثمة إعادة الثقة إلى صناديق الاقتراع من جهة، وينحصر أيضا في العمل على تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية المنشودة من جهة أخرى، بينما يُغفل الدور المركزي الذي تضطلع به المرأة في إصلاح أعطاب المجتمع، إذ لا يتم إشراكها بصفة خاصة في صياغة النموذج التنموي الجديد.

ولم ينجح النموذج السابق في تحقيق الأهداف المسطرة من ذي قبل، في مقدمتها التخفيف من فوارق النوع الاجتماعي؛ لأن الحديث يجب أن ينصَّب بالدرجة الأولى على المساواة بين الرجل والمرأة في مختلف مناحي الحياة، إذ مازال المجتمع يعاني من تفشي النظرة الذكورية النابعة من النصوص التراثية التي أكل عليها الدهر وشرب.

وعليه فإن النموذج الجديد المنشود عبارة عن مسؤولية جماعية، تستدعي تضافر الجهود قصد تحديد الأهداف وترتيب الأولويات، عبر تركيز الجهود بغية القضاء على النظرة الدونية التي تطال المرأة في الحياة المجتمعية، وهي آلية محورية لإخراج النموذج السابق من عنق الزجاجة الذي يوجد فيه خلال الظرفية الحالية.

خديجة الرباح، وهي عضو مؤسس للجمعية الديمقراطية لنساء المغرب، قالت إن "المشروع التنموي الجديد يأتي في ظرفية دقيقة جدا، خاصة بعدما أعلنت مجموعة من التقارير الدولية العديد من المؤشرات التي توضح أن المغرب لم يتقدم قيد أنملة في جل القضايا المرتبطة بالتنمية الاجتماعية، وعلى رأسها المواضيع المرتبطة بالتعليم والصحة والحماية الاجتماعية والمشاركة النسائية في صناعة القرار السياسي والإداري على حد السواء".

وأضافت الرباح، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن "التقارير الدولية بيَّنت هذه الفجوات، ومن ثمَّة فإن المشروع التنموي ينبغي أن يرتكز على المساواة، باعتباره المبدأ الأساسي لتحقيق التنمية المنشودة، التي لا يمكن أن تحقق بدون إشراك النساء في جميع القضايا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والبيئية، الأمر الذي يجعل من مشاركة النساء أحد المنطلقات الأساسية للمشروع التنموي الجديد".

وبخصوص المنطلقات والتوجهات الأساسية التي من المفروض استحضارها في إعداد المشروع التنموي، أوضحت الناشطة الحقوقية أن المنطلق الأول يتعلق بتحديد المرجعية، من خلال "التوافق حول مرجعية واضحة تخص التوجهات الكبرى للبلاد، وهي الوسيلة التي يجب اعتمادها في سنّ جميع السياسات العمومية".

وأردفت المتحدثة ذاتها: "إذا كان الدستور أقر بأولوية المواثيق الدولية على القوانين الوطنية، فإن المرجعية الأساسية يجب أن تعتمد على مختلف المواثيق والتوجهات التي تُقر بأهمية إعمال حقوق النساء والحقوق الإنسانية بصفة عامة".

"أما المنطلق الثاني فيتجلى في توسيع الديمقراطية التشاركية، عبر تحديد مقاربات الاشتغال بالنسبة للمشروع التنموي؛ ذلك أنه رغم تنصيص الدستور على الديمقراطية التشاركية إلا أننا مازلنا بعيدين كل البعد عن تنزيلها على أرض الواقع، لذلك وجب توسيع فلسفة الإشراك التي جاء بها الدستور وإعمالها بشكل حقيقي"، تقول خديجة الرباح.

المنطلق الثالث، حسب المتحدثة، يكمن "في ملاءمة السياسات العمومية مع السياسات المالية، وزادت موضحة: "لا يمكن الحديث عن مشروع تنموي مُدمج دون القيام بإصلاح هيكلي في ما يخص الجانب المالي، وذلك عبر تفعيل مقتضيات قانون المالية، وكذلك ضرورة ربط إصلاح المالية على المستوى الوطني بتنفيذ العديد من الإجراءات الحقيقية على المستوى الترابي".

ويتمظهر المنطلق الأخير في اعتماد اللامركزية، إذ شددت الفاعلة الحقوقية على أن "الدولة اليعقوبية أو المركزية لا يمكنها أن تساهم في تحقيق أي مشروع تنموي على أرض الواقع، لأن القرارات دائما ما تُتَّخذ على المستوى الوطني، ما يستدعي بناء مشروع على أساس التكامل والتعاقد والشراكة بين المستويين الوطني والترابي".

وختمت المتحدثة تصريحها بالقول: "هذه كلها مسائل لا يمكن أن تتم إلا باستحضار المساواة بشكل عرضاني في جميع المجالات..يجب أن ينبني المشروع التنموي المندمج على أساس مقاربة النوع وضمان المساواة بين الرجال والنساء".